حكايات جمعة المتنبي / 2
خالد حسين سلطان
في حضورنا كل يوم جمعة صباحا لشارع المتنبي في بغداد، وفي صومعتنا الخاصة في قيصرية المصرف ( مقهى حافظ )، في ذلك الحضور الذي تحول الى تقليد ممتع، يضم جميع اطياف المجتمع العراقي، وبروح متنورة ليشكل شدة ورد عراقية زاهية الألوان قياسا الى عتمة الأجواء، وصخب الحياة البغدادية، يجري الحديث في كل الامور السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمتاعب اليومية ليطغي عليها مسحة يسارية عراقية واضحة لكون غالبية الحضور من المحسوبين على اليسار العراقي او محبيهم واصدقائهم، او ممن لم يجد افضل منهم كأصدقاء على الساحة حتى وان كان مختلف معهم فكريا، وتضم شدة الورد تلك جميع الطبقات العراقية من الدكتور والاستاذ الجامعي والتاجر والمتقاعد … الى الكادح الذي لا يقرأ ويكتب ولكنه يعرف ماركس ولينين ويخوض في مصطلحاتهم ( البروليتاريا، الديالكتيك، راس المال، فائض القيمة …الخ ) ولا تخلوا تلك الاحاديث من روح النكتة والمداعبة والمشاكسة، وكذلك المبالغة والتهويل في بعض الامور الثانوية، واللامبالاة والتهميش لأمور اخرى مهمة جدا، ولا تبتعد تلك الاحاديث عن الكفشات والغمزات الطائفية والمذهبية التي تطفح هنا وهناك في الشارع العراقي، وكثيرا ما ترتفع الاصوات وتتأزم الأجواء ولكنها نادرا ما تصل الى حد الشجار والخصام، ولأهمية تلك الاحاديث والتي تمثل نبض الشارع اليساري العراقي، انقل اليكم المهم منها، عسى ان تروق لكم .
الخروج نحو الطريق الترابي
في احد ايام الجمع حضر لجلستنا احد رفاق الحزب الشيوعي، من شيوعيي الخمسينات من القرن الماضي وما بعدها، مكافح ملتصق بالحزب وتعرض للاعتقال في حقبة انقلاب شباط الاسود 1963 هو وزوجته، حريص على الحزب وقيادته، لم يغادر العراق بعد انهيار( الجبحة ) المشؤومة 78 ــ 79 ، اي انه ما يطلق عليهم حاليا وبعد الاحتلال شيوعيو الداخل تمييزا لهم عن الشيوعيين الذين غادروا العراق وعادوا مناضلين اشداء وحقيقيين لا شائبة على مسيرتهم الحزبية والنضالية، نعم بكذا مقاييس يجري التقييم داخل التنظيم الحزبي الشيوعي في العراق. تحدث معي هذا المكافح حول اهمية العودة للتنظيم والعمل الحزبي والكف عن النقد ( والتشهير والسب والشتم ــ على حد قوله ) ونشر الغسيل المتسخ للحزب وقيادته، ويمكن طرح اي آراء ومواقف مغايرة من خلال التنظيم الحزبي وبالطرق المتبعة حفاظا على اسم الحزب وتاريخه وتاريخ الوالد المناضل الفقيد حسين سلطان صبي والعائلة، وبعد الاخذ والرد، كان جوابي للرجل يجب اولا التمييز بي الحزب ككيان سياسي وتنظيم ورفاق وجماهير واصدقاء ومؤيدين، والتي لا يجرؤ اي احد شيوعي او محسوب على اليسار الاساءة لهذا الجبل الأشم، وبين قيادة الحزب التي قد تكون في وادي وجماهير الحزب في وادي اخر بسبب حسابات انية ضيقة، وكثرا ما تخدع تلك القيادة جماهيرها بطروحات انشائية رنانة ولكنها خالية من المحتوى المهم، والفارغة فكريا ومبدئيا .
اما بالنسبة للنقد من خلال المسالك الحزبية فإنها اسطوانة معطوبة اكل الدهر عليها وشرب، بسبب حذلقات تلك القيادة وفلاترها وخبرتها المتراكمة في هذا المجال، والتي حولت هذا المبدأ الى حبر على ورق فقط، باستخدام مقولات معسولة تخدم مصالحها على غرار ( هسة مو وقتها ، خصوم الحزب يمكنهم الاستفادة من هكذا طرح … وغيرها الكثير ) ، لتصل بنا الامور الى ان يعبر اعضاء في تلك القيادة عن آرائهم ومواقفهم المخالفة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الشبكة العنكبوتية، بعد ان رفض رفاقهم في القيادة آرائهم تلك، ورفضوا نشرها في اصدارات الحزب.
بعدها يأس الرجل من وصول الى نتيجة في هذا الموضوع، وخصوصا، يبدوا ان الصورة مهتزة عنده بسبب كثرة عدد الخارجين من الحزب قياسا الى عدد الداخلين مع تلك الاجواء والتناقض بين ما منشور من نهج للحزب، ولا سيما النظام الداخلي وواقع العمل الحزبي والتنظيمي .
قال الرجل دعنا نتحدث مع ابو علي ( ولدي حسين حيث كان متواجدا معي في شارع المتنبي في تلك الجمعة )، وبعد الحديث عن هموم الشباب والدراسة، سأله فيما اذا كان حسين على خطى جده وتاريخه النضالي والكفاحي المعروف وان كان كذلك فان ابواب الحزب مفتوحة اليه، فكان جواب حسين صادما للرجل، حيث قال له بالتأكيد انا على خطى جدي الله يرحمة، ولكن الجماعة خرجوا نحو الطريق الترابي اكثر من اللازم، ولا يمكن العمل معهم والحفاظ على ذلك التاريخ الثر لجدي الذي تحدثت عنه، فاستدار الرجل نحوي ضاحكا،قائلا: ( خلينة على خياط العام احسن … )
بغداد
19/6/2018