الأردن على مذبح صفقة القرن.. أين أصبحت قضية فلسطين؟
محمد الحسيني
كانت المملكة الأردنية الهاشمية حتى الأمس بمنأى عن رياح ما سمّي “الربيع العربي” الذي رفع شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، مع الإشارة إلى أنها ليست المرة الأولى التي تشهد فيها الأردن احتجاجات شعبية على خلفية مطالب معيشية – اقتصادية رفضاً لتعديلات قانون ضريبة الدخل، ولكن في كل مرة يلعب الملك دور صمّام الأمان في إعادة الهدوء إلى الشارع، إما بإقالة الحكومة أو إجراء تعديل فيها عبر إقالة وزير أو أكثر، ولكن هذه المرة لا علاقة لربيع عربي أو غربي في الموضوع، بل إن مستقبل المملكة بات اليوم على المحك.
وعود مالية مخيّبة
ملياران ونصف المليار دولار أمريكي وعود قمة مكة التي انعقدت لانتشال الأردن من أزمتها، وهذا المبلغ سيتمثل في وديعة في البنك المركزي الأردني، وبضمانات للبنك الدولي لمصلحة الأردن، وبدعم سنوي لميزانية الحكومة الأردنية لمدة خمس سنوات، وبتمويل من صناديق التنمية لمشاريع إنمائية، ويعاني الأردن أزمة اقتصادية خانقة نتيجة تدفق اللاجئين من سوريا وانقطاع إمدادات الغاز المصري وإغلاق حدوده مع سوريا والعراق بعد سيطرة تنظيم “داعش” على مناطق واسعة فيهما، وهذه الوعود خيّبت آمال الملك عبد الله الذي كان يأمل في الحصول على ضعف هذا المبلغ ليؤمن ثبات الاستقرار في بلاده، التي هي في الأصل ما كانت لتبقى على وجه الخارطة لولا المساعدات العربية والخليجية على وجه الخصوص.
الأردن وسياسة العصا والجزرة
ولكن هل الهدف الحقيقي للسعودية والإمارات، وبمعيّة الكويت، أن تسعف الأردن لتعاود النهوض من جديد؟! ولماذا تبادر السعودية والإمارات اليوم إلى إعادة ضخ الأموال للأردن بعد سنوات من الإهمال ووقف المساعدات على خلفية مواقف عمّان من ملفات سوريا واليمن وقطر، ورفضها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة خلال القمة الاخيرة لمنظمة التعاون الاسلامي التي انعقدت في اسطمبول؟! ولماذا أخذت الاحتجاجات الأخيرة هذا المدى من الاتساع والتحرك الميداني والسقف العالي في المطالبات بعكس الاحتجاجات الأخيرة؟! أسئلة رئيسية ومحورية شكّلت أولويات قصوى في أجندة الملك عبد الله وحملها معه إلى قمة مكة، وجاء “بق البحصة” على لسان رئيس الحكومة المكلّف عمر الرزاز، بعد استقالة سلفه هاني الملقي، الذي قال إن الأردن “تتعرض لضغوطات هائلة لتغيير مواقفها الثابتة”، وتقاطع هذا الكلام مع ما سبق أن المح إليه الملك من تعرضه لضغوطات ترتبط بتنازلات في قضية القدس.. إذن ليس الأمر متعلقاً حصراً بمطالب معيشية، بل لعلّ هذه الاحتجاجات شكّلت “بروفه” ورسالة ميدانية لما يمكن أن يحصل في حال لم تخضع عمّان للأوامر السعودية – الإماراتية، على قاعدة سياسة “العصا والجزرة” فإذا أذعنت الأردن للمسار يبقى الحكم قائماً وإلا الفوضى.
الأردن الحلقة الأضعف
المملكة الأردنية هي اليوم الحلقة الأضعف في نسيج الممالك والأنظمة العربية، فلا شبكة أمان تحميها وسرعان ما سينهار النظام فيها نظراً لهشاشاته وعدم تماسكه على مستوى المؤسسات الرسمية العسكرية منها والأمنية والاقتصادية، حتى يمكن القول إن المملكة الأدرنية هي عبارة عن شركة يتقاسم إدراتها مجموعة من الجهات الخارجية، العربية منها والغربية .. والإسرائيلية، وهنا بيت القصيد، ومن هنا ينطلق فهم الصورة التي يجري رسمها لمستقبل هذا البلد الذي يمثل الفلسطينيون أكثر من نصفه فيما يتشكّل النصف الآخر من العشائر العربية التي لها جذور وامتدادات في السعودية وسوريا والعراق.
معظم المؤشرات تقود إلى وقوف السعودية والامارات وراء اندلاع الاحتجاجات ليتم التمهيد أمام تنفيذ ما يسمى “صفقة القرن” التي تعمل السعودية والإمارات بشكل حثيث على المباشرة بخطواتها التنفيذية بعد إشارة الانطلاق في افتتاح السفارة الأمريكية في القدس المحتلة، هذا فضلاً عن المعلومات التي كشفت عن قيام أبو ظبي بشراء أراضٍ في القدس المحتلة من ملاّكها الفلسطينيين بمبالغ خيالية، ومن ثم تسليم صكوك الملكية إلى السلطات الإسرائيلية، في خطوة مباشرة في مساعي سلخ الهوية الفلسطينية عن القدس، وبالتالي فإن القدس باتت بل إسرائيلية بصكوك رسمية.
الأردن الوطن البديل
ترى السعودية أن الوقت بات ملحاً للانتهاء من ترتيبات “صفقة القرن”، وهي تعمل جنباً إلى جنب مع الإمارات على نزع كل العقبات أمام تنفيذها، ويبقى أن يتم الإعلان عن ضم الضفة الغربية إلى الأردن وإعلان المملكة كوطن بديل للفلسطينيين مع احتفاظ الملك عبد الله الثاني بمملكته مع إمكانية تغيير اسمها، فيما يتم نقل الفلسطينيين في قطاع غزة إلى مخيمات ومساكن أعدت في صحراء سيناء، وتذهب الوصاية على القطاع إلى مصر الذي طالما اعتبرته تاريخياً محمية مصرية، وهذا الأمر هو بمثابة مكافأة لمصر على دورها في تدجين القرار الرسمي الفلسطيني باتجاه القبول بهذه الصفقة.
ولكن لا بد في موازاة تنفيذ هذا المشروع من الخروج من مستنقع اليمن وتكبيل إيران بقيود جديدة اقتصادية وعسكرية بسعي أمريكي، ما ينعكس سلباً على قدرة حركات المقاومة في تهديد أمن “إسرائيل”، وفي هذا المجال تلفت مصادر مراقبة إلى أن “إسرائيل” لن تندفع في هذه المرحلة إلى أي شكل من أشكال التصعيد العسكري والأمني، سواء على جبهة لبنان أو على جبهة سوريا والداخل الفلسطيني، باعتبار أن أي تطوّر من هذا النوع سيؤدي إلى عرقلة مسار تنفيذ الخطة، فضلاً عن أن ما تقوم به السعودية ودول الخليج يصب في مصلحتها ويوفّر عليها تكبّد تكاليف الحرب الباهظة مادياً وبشرياً واستقراراً.
‎2018-‎06-‎13