رزان
 مصطفى البرغوثي*
كانت رزان شابة في مقتبل العمر ولدت و نشأت في خزاعة بمحافظة خان يونس، وتمردت على مصاعب الحياة التي منعتها من استكمال التحصيل العلمي الجامعي، فأصرت على الحصول على كل تدريب طبي ممكن في مستشفى النصر، ومن ثم في جمعية الاغاثة الطبية الفلسطينية.
ومنذ اليوم الأول لمسيرة العودة تطوعت رزان ليس فقط في أيام الجمع، بل في كل يوم مع فرق إسعاف الإغاثة الطبية، وسرعان ما تميزت بأنها المسعفة الأكثر إقداما نشاطا وحيوية، والأكثر رفقا بالجرحى، والأكثرلطفا ونبلا مع زملائها وزميلاتها.
أحبها الجرحى والجريحات ورأوا فيها ملاك رحمة حقيقي، ولفتت أنظار الصحافة المحلية والعالمية ببرائتها وشجاعتها وتفانيها.
حتى كان يوم الجمعة قبل الماضي، عندما قرر القناصة الإسرائيليون المجرمون القضاء على حياتها، رغم أنها كانت تقف بين جولات من الإسعاف للجرحى مع أربعة من زملائها من متطوعي الإغاثة الطبية بعيداً عن المتظاهرين، وعلى بعد عشرات الأمتار من الحاجز الإسرائيلي، وهي تستعد معهم للتقدم لإسعاف مزيد من الجرحى، فأطلقوا النارعلى صدرها بشكل مباشر، وأصابوا بالرصاص أيضا في نفس اللحظة زملاءها المتطوعين محمود عبد العاطي، ورامي ابو جزر، وذلك يدل على عكس أكاذيب الناطقين باسم جيش الإحتلال أولاً على أن عملية القتل كانت مبيتة ضد رزان وفريقها، وثانيا أن أكثر من قناص مجرم شاركوا في إطلاق النار .
صورة رزان الشابة الجميلة الملائكية المفعمة بالحياة والسعادة وهي ترتدي لباس إسعاف الإغاثة الطبية الأبيض، شدت إنتباه العالم بأسره.
وفي لحظة واحدة تعرت حكومة إسرائيلوقادتها وجنودها وظهروا على حقيقتهم، مجرمون يبطشون حتى بفتاة بريئة مسعفة بعد أودوا بحياة 126 متظاهرا سلميا وجرحوا ثلاثة عشر الفا وستمئة منهم.
كل أكاذيب نتنياهو، وإدعاءات جيشه، بأن جنودهم معرضون للخطر، وبأنهم لا يستهدفون المدنيين، وبأن الفلسطينيين الشهداء إرهابيون خطرون، وبأن الرصاص لم يطلق على رزان بشكل مباشر، تبخرت أمام صورة الحقيقة التي مثلتها رزان.
وفي كل عاصمة زارها نتنياهو للتحريض على الفلسطينيين ولإشعال نار الصراعات في المنطقة، كانت صورة رزان تسبقه ، وفي كل عاصمة سمع الإحتجاجات والإستهجان لما يقوم به جيشه الذي يستبيحح النساء والأطفال والصحفين والمسعفين، وسيسمع أكثر، لأن رزان صارت أيقونة للمقاومة الشعبية الفلسطينية، مثلما غدت قدوة لجيل فلسطيني بكامله.
ما حدث لرزان كان يمكن أن يحدث أيضا لمئات من المتطوعين المسعفين البواسل، الذين يتعرضون لإعتداءات جيش الاحتلال في رفح وجباليا وغزة وفي المسجد الأقصى والقدس وأمام مدخل بيت لحم ومقابل مستعمرة بيت إيل ، وفي كفر قدوم وحوارة وفي البلدة القديمة في الخليل، وفي كل مكان يتطوع فيه هؤلاء الشباب والشابات البواسل من أجل حرية شعبهم وإسعاف الجرحى والمصابين.
هؤلاء الشباب والشابات اعادوا للناس الأمل والثقة، بأن روح التطوع والعطاء ما زالت حية في صفوف الأجيال الشابة من شعبنا، وأنهم جاهزين لتكرار مآثرجيلنا التطوعية التي ميزت سنوات السبعينات والثمنيات ووصلت ذروتها في الانتفاضتين الأولى والثانية. القدس، والدتها.
لا أحد مخلد في هذه الحياة، بعض الناس يعيشون حياتهم كاملة، وبعض الشباب لا يحظى إلا بجزء يسير منها، ومعظم الشهداء يرتقون وهم في بداية شبابهم أو في قمة عطائهم.
لكن هؤلاء الشهداء مثل رزان، وبغض النظر عن قصر حياتهم، يتركون أثرا عميقا لا يمحى، ويغدوا اسمهم خالدا على مر الأزمان.
ورزان بعطائها، وباستشهادها لم تترك فقط اثراً عميقاً، بل اثرت في حياة الملايين من الفلسطينيين والبشر، وأصبح اسمها حافزا وقدوة لمئات الآلاف من الشباب الفلسطيني ، كما غدى وثيقة إدانة ستلاحق دوما جلاديها المحتلين حتى يزول احتلالهم واضطهادهم ومنظومة تمييزهم العنصري.

*الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
‎2018-‎06-‎13