في حتمية المقاومة كسبيل للبقاء
أحمد فؤاد
الذهن العربي محمّل بالكثير من الفضل لدول الممانعة، في قارة أميركا الجنوبية، كونها بعيدة جغرافيًا، قريبة بمواقفها من الشعوب العربية، وقضاياها، وعلى رأسها قضية فلسطين، والموقف من العدو الصهيوني، وفي كل اشتباك مع الصهاينة، تخرج تلك الدول بمواقف تصفع بعض الأنظمة العربية، التي ارتضت التبعية للولايات المتحدة.
ورغم الهوة الكبيرة بين التحديات الآنية للعرب ولدول أميركا، إلا أن العدو يوحد الجبهات على اتساعها، ويجعل من المفيد إلقاء الضوء على المحاولات الأميركية الحثيثة لتطويع الأنظمة هناك، عن طريق “أحصنة طروادة”، التي تجيد الـC.I.A خلقها، ومن ثم، تحقيق أقصى استفادة من الصدامات الإقليمية، لتثبيت وجودها، واستمرار هيمنتها العالمية، دون التورط في “فيتنام” جديدة، تهز عرش هيبتها.
الخلطة الأميركية ناجحة حتى اللحظة، سواء في المواجهة على الأرض، مع الأنظمة الممانعة، ونجحت بشكل جلي في عزل البرازيل والأرجنتين، بكل ثقلهما الإنساني والثقافي في القارة، عن تيار مقاومة الاستتباع، وتتويج أنظمة يمينية، تحافظ على مصالح أميركا وشركاتها، وتضمن استمرار عملية نهب موارد القارة، وفتح أسواقها أمام الاستثمار التدميري الأميركي، وما تزال أنظمة أخرى تقاوم السقوط، مثل فنزويلا-مادورو، وبوليفيا-مواليس. ما جعل الأميركي يكثف جهوده في القارة الجنوبية، التي اعتبرها على الدوام فناءه الخلفي، هو وصول 9 أنظمة، دفعة واحدة، إلى الحكم، في العقد الأول من القرن الجديد، وهي: فنزويلا، والبرازيل، والأرجنتين، وأوروجواي، وبوليفيا، وشيلي، ونيكاراجوا، والإكوادور، والسلفادور، بالترتيب الزمني، إضافة إلى كوبا.
كوبا وحدها تعد دولة متفردة من حيث عدائها التاريخي مع الولايات المتحدة، وبالتالي كانت تقف على أرضية مشتركة من النضال العربي، وفي القلب منه النضال الفلسطيني، لصالح إقامة دولته المستقبلة، على كامل ترابه الوطني، وكان قائد ثورتها فيديل كاسترو واحدًا من أشد المؤيدين للقضايا العربية العادلة، في وقت تخلى فيه رؤساء وملوك الأنظمة العربية ذاتهم عن قضية فلسطين.
وفي أحدث حلقات المحاولات الأميركية، الرامية لزعزعة ما تبقى من أنظمة ممانعة في أميركا اللاتينية، اجتمعت في “نيسان” الماضي، جبهة “ليما”، التي تضم 14 بلدا من القارة الأميركية، وتمارس ضغوطًا على “مادورو”، في إطار السعي الأميركي المحموم للتخلص من عدوها الأول في الجارة الجنوبية.
العجيب في الجبهة التي ترفع شعار التخلص من فساد سياسي مزعوم في فنزويلا، أن رئيس دولة بيرو -المستضيفة للقمة- بيدرو كوتشينسكي، قد تمت إقالته، بتهم فساد، تتعلق بأعمال شركة أوديبريشت البرازيلية العملاقة للإنشاءات، كما طالت التحقيقات نائب رئيس الأكوادور، وعدد من الساسة البرازيلين، ووزراء وحكوميين في عدة بلاد أخرى، على رأسهم الرئيس البرازيلي اليميني ميشال تامر.
“مجموعة ليما” أتخذت خطوة أكبر، في إطار سعيها لعزل فنزويلا، وهي عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات الفنزويلية، في سياسة واضحة تهدف لتكرار سيناريو اعتماد الانقلابات العسكرية، التي جربتها الـC.I.A ضد فنزويلا بالذات في 2002، حيث دفعت برجالها للقيام بانقلاب عسكري، وتمكنوا من الاتسيلاء على السلطة لساعات، لكن الرئيس هوغو تشافيز نجح، بواسطة شعبه، في العودة للحكم، موجهًا أقوى لطمة للسياسة الخارجية الأميركية، في القرن الجديد.
فنزويلا صارت البلد اللاتنيني المطلوب أولًا، من قبل ساسة واشنطن، بسبب موقعه أولًا، كهمزة وصل جغرافية بين كوبا وأميركا الجنوبية، وبالتالي فإنها سبب لعدم استقرار المصالح الأميركية، وتهديد دائم لشركاتها ورؤوس أموالها.
والسبب الآخر يكمن في البترول، السر وراء كل تحرك أميركي عبر تاريخها القصير، المليء بالدم والمؤامرات، والذي تستورد منه ما يقرب من مليون ونصف المليون برميل يوميًا، وتأتي فنزويلا كأقرب مناطق الإنتاج الغنية، بالنسبة للصناعات الأميركية، الشرهة دومًا للبترول الخام.
أهم ما يلفت في الخطوات الأميركية، المتسارعة لضمان تجميد النظام الفنزويلي –على الأقل- هو استعانة الدبلوماسية الأميركية بدولة كندا كزعيمة للتجمع، فالأنظمة التابعة لا تجيد الاتفاق فيما بينها، وبالتالي اختصر صانع السياسة الأميركي متاهات الاختلاف بين أنظمة التجمع العدواني، وهو جزء عانيناه في عالمنا العربي، بالصراع بين عروش الخليج، ممثلا في المقاطعة السعودية الإماراتية لإمارة قطر، ومحاولة عزلها، رغم إن الأنظمة الثلاثة خدم مخلصون للسيد الأميركي.
وعلى الجانب الآخر، فإن النظم التي تختار منهج المقاومة، ومعاداة الأميركي، فإنها تنصهر داخل بوتقة واحدة، تعلي من قمة الفعل الجماعي، ولا تلتفت كثيرًا لمسألة من يتصدر المشهد، فالجميع ينظر لمصلحة أكبر وأجلّ، من مشاهد سينمائية، يجيدها من يحمل جينات هوليوود.
إحدى تجليات الصراع الأميركي مع دول ترفض الاستتباع، هو صراعنا العربي مع إمبراطورية الشر، من جهة، ومع الكيانات الوظيفية وأنظمة التفريط المزروعة على امتداد الرقعة العربية، من جهة أخرى، دخل مرحلة حاسمة، بفعل انتصار محور المقاومة في سوريا، ووضع قواعد جديدة للاشتباك مع القاعدة الأميركية المتقدمة “الكيان الصهيوني”، وينتظر الحسم في اليمن، كأول دولة تخرج إلى عالمها العربي، من جدب سجن التبعية الجزيرة العربية.
‎2018-‎06-‎06