اشعر بالحاجة الحقيقية الصريحة إلى جواب تطبيقي (خلاصة) حول الوضع الحقيقي للتجربة وعلاقتها بالكارثة الوطنية والإنسانية التي يتعرض لها شعبنا ومجتمعنا ووطننا وعموم المنطقة. الوعي والمستوى والمواقف والنهايات والحصيلة الحقيقية وحالة الأشخاص الراهنة والأخيرة، من كل ذلك وفي كل ذلك! علينا تقديم الجانب النقدي والمراجعات الصارمة على الجانب العاطفي والوجداني….
أين الأصدقاء؟ حول تجربة جيلنا…
أحمد الناصري
أسئلة عن التجربة ونتيجتها ومصيرها وعلاقتها بالوضع الخطير الحالي…
تقديم وتوضيح مهم لابد منه، حول قصدي بالأصدقاء الذين اسأل وابحث عنهم، ومن هم؟ أو عن بقاياهم، وأين هم؟ وماذا تبقى منهم؟ وماذا أقصد بسؤالي وبحثي عنهم، وبحثي في مصائرهم وظروفهم وتجربتهم ونهاياتهم. والنتيجة أو المحصلة النهائية لتلك التجربة الطويلة والصعبة؟
أتابع جميع الأصدقاء والمعارف وأبحث عنهم، كسلوك وموقف إنساني واجتماعي ووجداني عميق، وأربط ذلك بالخيارات والمواقف والظروف الشخصية التي أعرفها وأقدرها كثيراً، رغم إن بعض المواقف لا تبرر ولا تقبل تحت أي حال…
هذا الموضوع هو جزء من حوارات طويلة ومستمرة ومكثفة مع عدد من الأصدقاء حول التجربة والوضع الحالي العصيب، وكل ما نعيشه وما وصلنا أليه، والموقف المطلوب منه، وكيفية مواجهته ومقاومته كي نستمر في الحياة؟
الآن، اقصد بالأصدقاء هنا، كل الرفاق والأصدقاء الذين عرفتهم في تجربة مدينة الناصرية الطلابية حتى العام 79، يعني جيل السبعينيات تحديداً، كذلك حوالي 10000 رفيق ونصير شاركوا أو مروا بتجربة الجبل، التي بقيت فيها إلى نهاية عام 93، وانقطعت علاقتي وزياراتي عام 94. ثم الأصدقاء الذين تعرفت عليهم في منافي الخارج الطويلة والمتعددة، وأيضا جميع معارفي الذين خاضوا تجربة 63 الدامية وكانوا من ضحاياها، ثم عادوا إلى النشاط والعمل نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات (كذلك آلاف من الرفاق الذين تحصلوا على زمالات دراسية في التحاد السوفيتي وأروبا الشرقية الاشتراكية، لم يكتب أو يستمر منهم حتى أقل من أصابع اليد الواحدة)، وعن قيمة وفائدة الحركة الفكرية (الماركسية) الحقيقية في بلادنا وانعكاسها على الأشخاص وتكوينهم الفكري والثقافي!
أنني أتحدث عن قضية وظاهرة (إنسانية واجتماعية وسياسية وتنظيمية) وليس شخصاً محدداً، أو أشخاصاً محددين…
أذن أتحدث هنا عن طيف (إنساني اجتماعي) واسع وعريض ومتنوع من الناس، والبحث في خبايا وأروقة الذاكرة، عن حلم وماض جميلين، لا يمكن استعادته إلا بالكتابة. لكن الأهم بالنسبة لي الآن، في لحظة الاشتباك الملتبسة، حول مصير الوطن والناس، هو طبيعة وشكل المشهد العام وموقف هذه الشرائح الواسعة منه؟ وما هو الموقف المطلوب؟ وما هي إمكانيات وحالة جيلنا أو أجيالنا وبقاياهم، كعينة مهمة، وصولاً إلى المجتمع والناس (الشعب) وحالة المواجهة وآفاق المستقبل؟
جيلنا، وهو في بداياته البسيطة وخطواته الأولى (جيل في العشرينيات من العمر) تعرض لعاصفة الفاشية العاتية المدمرة، التي غيرت وأطاحت بكل شيء، إلا الموقف والحلم والمقاومة، لمن أراد أن يقاوم، ووجد إليها سبيلاً، لم يكن سهلاً أو متوفراً بيسر. ثم جاءت غاشية الحرب الأولى، الطويلة والرهيبة، والقتل الجماعي وطوابير القتلى والجرحى والأسرى (ربما قتلت مليون شاب) من بينهم عدد كبير من أصدقاء التجربة. كانت محرقة جماعية بحق، بعدها دخلوا في معصرة ومحرقة الحصار الطويل الرهيبة والحروب الأخرى المتعددة، والاحتلال وحكم الطائفية المتخلفة. فماذا تبقى منهم ولهم ولنا وللحياة؟!
أقدر واعرف الظروف الشخصية والعامة، القاهرة والغريبة، التي مر بها الأصدقاء والمجتمع. والخيار هنا عام وإجباري إلى حد بعيد وليس خياراً شخصياً.
لكن أيضاً هناك من قاوم ونحج، بشكل شخصي تقريباً وبإمكانيات محدودة أو معدومة. وهناك عدد كبير ضحى بحياته في تلك المحنة والمواجهة القاسية والطويلة، والتي لا تتوفر فيها ولها خيارات سهلة وعادية. وهناك من استسلم دون أية مقاومة، بل البعض ساوم وتعاون وراح بعيداً في سلوكه المشين، كي يدرس أو يستفيد وينتفع شخصياً، ثم عاد وادعى بما ليس له من تاريخ ومواقف، بل وطالب بحقوق ليست له ولا يستحقها على أنه ضحية، وشارك في عملية النهب والفساد!
الآن، ما هو وعي التجربة ودروسها؟ وما هو دور الأصدقاء الآن وإمكانياتهم الفعلية ودورهم في مواجهة محنة الشعب والوطن، خاصة ما يتعلق بالحل والانقاذ؟
‎2018-‎06-‎05