إيران ـ ’إسرائيل’: المواجهة المستمرة
سركيس ابو زيد
تقف المنطقة أمام تفاعلات استحقاقين كبيرين، هما، قرع طبول الحرب بين” إسرائيل” وإيران، وانسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي.
فهناك اعتقاد سائد بأن المواجهة بين إيران و”إسرائيل” حتمية لا مفر منها. لكن قراءة منطقية ودقيقة للأوضاع وللظروف المحيطة في الإقليم لا تقدم حوافز لاستعجال مثل هذا الاستحقاق. فـ” إسرائيل” في وضع استراتيجي دولي مريح، وعلاقاتها مع الولايات المتحدة في أرقى درجات التنسيق والتناغم، وكذلك مع روسيا. ومثل ذلك وضعها على مستوى الإقليمي فخصومها الفلسطينيون والعرب عموماً لا تحتاج أوضاعهم وظروفهم إلى شرح. فلا حاجة ملحة إذاً إلى حرب واسعة مع طهران وأذرعها في المنطقة وصواريخها المخزنة من العراق إلى لبنان.
في المقلب الثاني، لا مصلحة للقيادة الإيرانية في شن حرب واسعة، فيما تخوض مواجهات ومعارك ميدانية على أكثر من جبهة. كما تواجه ضغوطاً دولية واسعة تقودها الولايات المتحدة لتعديل الاتفاق النووي، وإرغامها على تغيير سلوكها وفرض قيود على برنامجها الصاروخي.
مصدر فرنسي دبلوماسي قال لـ”الحياة”: “إن “الترويكا الأوروبية” تخشى أن يقرر خامنئي الانسحاب من الاتفاق النووي، إذا رأى أن إيران “مخنوقة اقتصادياً” بسبب العقوبات الأميركية. كما نبّه إلى خطر اندلاع “حرب واسعة بين” إسرائيل” وإيران، قد تؤدي إلى حرب في لبنان وتوسيع الحروب في المنطقة”.
ومع بدء عملية الحسم في الجنوب السوري فإن الأنظار اتجهت إليها، لأنها واقعة في المثلث السوري ـ الإسرائيلي ـ الأردني وتشكل مدينتي القنيطرة والسويداء المحاذيتين للحدود الإسرائيلية ومدينة درعا القريبة من الحدود الاردنية نقاط الإرتكاز فيها، وهذه المنطقة تشكل أهمية استراتيجية للحكومة السورية وحلفائها كونها تشكل خط الدفاع الجنوبي الأول عن العاصمة دمشق، وكونها مرتبطة بمعادلة الصراع مع” إسرائيل” التي عملت في السنوات الماضية على تكريس واقع جديد على الأرض عبر دعمها لفصائل معارضة مسلحة تشكل ما يشبه “حزاما أمنيا وشريطا حدوديا”، وتعمل حاليا على “تشريع احتلالها والحصول على اعتراف دولي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، بذريعة أن الدولة السورية لم تعد على تماس معه. وزير الاستخبارات الإسرائيلي كاتس، قال: إن” إسرائيل” تضغط على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للاعتراف بسيادتها على هضبة الجولان المحتلة”، وتوقع موافقة الولايات المتحدة على ذلك، مقرا أن الرد الأشد إيلاما الذي يمكن توجيهه للإيرانيين هو الاعتراف بسيادة” إسرائيل “على الجولان. وذكر الوزير الإسرائيلي أن هذه المسألة، التي طرحها نتنياهو في أول اجتماع له في البيت الأبيض مع ترامب في شباط 2017، هي الآن قيد النقاش على مستويات متعددة داخل الإدارة والكونغرس في الولايات المتحدة.
فتح جبهة الجنوب وإطلاق معركة الحسم ليس بالأمر المتاح والسهل بسبب تعقيدات وعوائق كثيرة تبدأ من تواجد مهم لقوى المعارضة التي لديها في الجنوب السوري نحو خمسين ألف مقاتل، وتنتهي في الاعتراض الإسرائيلي، الذي يلقى تفهما روسياً، على حسم عسكري للجيش السوري في منطقة الجنوب يحمل معه نفوذ إيران الى هذه المنطقة التي تريدها” إسرائيل” خالية من أي نفوذ وتواجد إيراني.
في تقدير الإسرائيليين هناك توترا خفيا بين إيران وروسيا التي نجحت في تثبيت نظام الرئيس الأسد ولكنها لم تتمكن من تحقيق عملية سياسية وإيجاد حل للصراع يعيدها الى الساحة الدولية. وفي ظل هذه التطورات، تكثفت الاتصالات الروسية الإسرائيلية وتوصلت الى اتفاق يمكن أن يسمى “تفاهمات” أو “صفقة”، ومن أبرز نقاط هذا الاتفاق:
– بسط الحكومة السورية سيطرتها على الحدود مع” إسرائيل” والأردن.
– تسليم المعارضة السورية أسلحتها الثقيلة الى الجانب الروسي.
– تسلم الشرطة العسكرية الروسية مسؤولية الأمن في درعا.
– إخلاء المنطقة الجنوبية من القوات الإيرانية والتابعة لها.
– ضمان موسكو عدم قيام الجيش السوري باستفزازات تجاه ” إسرائيل”.
– إتاحة المجال لـ”إسرائيل” للقيام بتوجيه ضربات عسكرية إذا تعرض أمنها للخطر.
في النهاية، نجد أن قوى الاستكبار والصهيونية، وبعد تراجعها الميداني، تسعى الى احراج إيران من خلال ابراز التناقضات مع حلفائها بهدف الترويج الاعلامي لنقاط الخلاف داخل جبهة المقامة والممانعة وحلفائها الدوليين. وهذه الحملة سخرت عدة سيناريوهات سواء من خلال الحرب أو المفاوضات، وروجت أن إيران ستكون الخاسر الأكبر في سوريا على المدى الطويل. لانه باعتقادهم ان الحرب على إيران في سوريا ستتطور وتتسع ولن تستطيع إيران الدفاع عن وجودها لأسباب عسكرية ميدانية وأسباب سياسية، خصوصا ـ بحسب الترويج الإعلامي ـ أن الرئيس الأسد لا يريد ولا بمقدوره التورط في حرب مع “إسرائيل”، ومن ورائها تحالف غربي وإقليمي كبير. كما توهموا أن الإيرانيين سيبدأون بسحب قواتهم تدريجياً، فلن يكون بمقدورهم توفير إمدادات وموارد لوجستية وبشرية كبيرة بسبب بُعد المسافة. كما سربوا ايضا أن حلفاء ايران في لبنان والعراق غير جاهزين للدخول في مواجهات إقليمية واسعة لا مع “إسرائيل” ولا مع الولايات المتحدة في ظل الظروف الداخلية والإقليمية. وافترضوا أن الروس يتخوفون من جدية التهديدات الأميركية ـ الإسرائيلية الإقليمية الرامية للتصدي للنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. امام هذه البالونات الاعلامية يلاحظ المتابع دقة التنسيق الاستراتيجي بين ايران وروسيا وسوريا لجهة استبعاد الانزلاق الى مواجهة مدمرة مقابل تعزيز التوازن الاستراتيجي لسوريا وتوسيع دائرة سيطرتها ميدانيا على الارض. وهذا الانجاز هو في خدمة نفوذ سوريا وروسيا وايران على السواء .
‎2018-‎06-‎03