انتفاضة الأعلام والحجارة في القطاع !

ثريا عاصي

أضاف المستعمرون الإسرائيليون باسم الإدعاء بأنهم “شعب الله المختار” واستناداً إلى اعتراف دول الغرب والثلاثي الغربي بوجه خاص، بحقهم في ممارسة التطهير العرقي والتمييز العنصري في فلسطين، أضافوا في 14 أيار ، في ذكرى النكبة، فصلاً جديداً إلى الحضارة “اليهودية ـ المسيحية” بحسب مفهوم صامويل هنتنجتون في “صدام الحضارات” حيث شربوا بالمناسبة مع ممثلي الولايات المتحدة الأميركية نخب احتلال مدينة القدس وقتلوا ستين فلسطينياً وأصابوا بجراح  ألفين آخرين، طبعاً بالرصاص.
كان الفلسطينيون يتظاهرون في يوم النكبة بالأعلام الفلسطينية فتصد لهم جنود المستعمرين بالرصاص الإسرائيلي، متوهمين بأن العالم قد يسمع صوتهم المنطلق من قطاع غزة الذي أعلنت  منظمات الأمم المتحدة في تقاريرها، أنه لم يعد صالحاً “للعيش فيه” . إذ تعرف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن قطاع غزة صار غير صالح “للعيش فيه” . ذلك معروف منذ عدة سنوات !   مليونا نسمة في سجن تبلغ مساحته 350 كلم مربّع!

من البديهي أن الإسرائيليين يحاولون تدارك الأمر قبل الإنفجار . فما حدث في 14 أيار هو نذير بقربه. ليس من حاجة لأن يكون المرء ذا بصيرة ثاقبة وبعيدة لكي يتخيّل الخطة التي يتبعها  المستعمرون العنصريون حيال الأوضاع في قطاع غزة، إذ يكفي أن يكون قد قرأ على سبيل المثال كتاب إيلان بابيه “تطهير فلسطين إثنياً”، أو  ميشال بول ـ ريشار “إسرائيل التمييز العنصري الجديد”، دومينيك فيدال “كيف طردت إسرائيل الفلسطينيين”، شلومو ساند “كيف تم اختراع  الشعب اليهودي”، وهنري لورانس “المسألة الفلسطينية”، ولا أنسى في هذه اللائحة كتاب  سفين ليند كفست “أبيدوا جميع هؤلاء الرعاع”، أقتبس منه “أن الامبريالية قدمت خدمة للحضارة عندما أبادت الأعراق الدنيا تراتبياً”، فهي في اعتقادي تكشف عن جوهر ما يسمى الحضارة اليهودية ـ المسيحية، التي لا يتبناها بالتأكيد جميع اليهود وجميع المسيحيين، مثلما أن المسلمين ليسوا جميعاً وهابيين وإخوان مسلمين وداعشيين، لحسن الحظ !

ينبني عليه أن الإسرائيليين سيعملون لا شك في ذلك على إفراغ “قطاع غزة من الرعاع” . أعتقد في هذا السياق أنهم تمكنوا، بمساعدة السلطتان الفلسطينيتان، في رام الله وفي غزة، وبمعاونة الدولة المصرية أيضاً، من ضرب حصار  حول القطاع بالإضافة إلى فرض “العزلة” على سكانه .   تجسد ذلك على الشكل التالي :

ـ اشتراك حركة حماس، إلى جانب الثلاثي الغربي، تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية، في الحرب التي يشنها هذا الثلاثي ضد سورية . نجم عن ذلك فرقة بين هذه  الحركة من جهة وبين أشد أنصارها في مقاومة المستعمرين الإسرائيليين.
ـ يحق لنا أن نفترض أن العلاقة بين حركة حماس من جهة وبين الدولة المصرية من جهة ثانية ليست على ما يرام، كون موقع هذه الحركة هو في التيار الإخواني الذي تقوده تركيا وقطر، حيث تشير الدلائل المتوافرة للمراقب العادي، ان قادته في تركيا وقطر كانوا يأملون في أثناء حكم الإخوان المسلمين لمصر أن يحققوا مشاريع في سيناء وصولاً إلى قناة السويس من أجل استيعاب  “الرعاع في قطاع غزّة”. لكن الرياح لم تجر كما اشتهت سفن السيد أردوغان التركي وبن حمد القطري ونتنياهو الإسرائيلي . سقط حكم الإخوان في مصر وانضمت الدولة فيها إلى تيار السعوديين الذين يُعتقد أن لديهم مشروعاً بديلاً عن المشروع الإخواني، ينطلق من جزيرتي تيران وصنافير، يسمى “مشروع القرن” ربما يكون هذا الإسم نسبة إلى القرن الأفريقي، وباب المندب اليمني !، الذي يتضمن في ما يتضمن، على ذمة المحللين “دولة” تكون متنفساً لقطاع غزة !

لكن الأزمة تتفاقم في قطاع غزّة، وقد لا يتمكن “الرعاع” من إنتظار إنجاز  المشاريع الخليجية ـ التركية ـ المصرية . فيقع الإنفجار . لا شك في أن الإسرائيليين يخشون أن تستمر “الإنتفاضة الفلسطينية في قطاع غزّة” بالأعلام والحجارة، فمن المستبعد أن يتمكنوا من  قتل ستين فلسطينياً يومياً بالإضافة إلى التسبب بألفي جريح، لأن مثل هذا السلوك يحاكي، دون نفاق وخداع، الإبادة الجماعية ! وبالتالي أغلب الظن أنهم سيحاولون بشتى الوسائل والطرق والوسائط والفخاخ، جرّ الفلسطينيين إلى استخدام البنادق والقواذف، كما حدث في الإنتفاضتين الثانية والثالثة، حتى ينقضوا عليهم، باسم حق الدفاع عن النفس ومحاربة الإرهاب، بكافة أسلحتهم وآلات القتل التي يمتلكونها، بقصد إجبار “المجتمع الدولي” على التدخل وتولي إيجاد حل لأزمة هؤلاء  “الرعاع” في قطاع غزة الذي لم يعد صالحاً  للعَيْش، وتبرئة المستعمرين الإسرائيليين من تحمل المسؤولية عن ذلك ! تحسن الملاحظة هنا أنه من البديهي أن يساهم الخليجيون والسعوديون في تمويل هذا الحل تضامناً مع الأشقاء في الدين!!
‎2018-‎05-‎17