15 عاما من التعثر الدبلوماسي
عزيز الدفاعي
لدبلوماسية باختصار هي أداة لترجمة المصالح العليا للأمم والشعوب من خلال إستراتيجيات ودوائر السياسة الخارجية في المحيط الإقليمي والدولي.وهي تعني أيضا تلك التجربة الوطنية بآرائها وتصوراتها وطموحاتها،ويمثل الدبلوماسي فيها وفق هذا التوصيف القناة بين بلاده والدول الأخرى سعيا وراء تحقيق اكبر قدر من المصالح القابلة للتغير تبعا لطبيعة العلاقات الثنائية والتحالفات وما يطرأ عليها من متغيرات .من هنا فان السياسة الخارجية تستلزم تحليل عمليه واليه اتخاذ القرار في كل دوله وأدوات صنع السياسة الخارجية وتوجهاتها ومحدداتها.
و من بين الحقائق الهامة التي تؤثر على السياسة الخارجية لأي دوله تبرز المعطيات الجيو-سياسيه .ففي الماضي القريب تحول العراق إلى ساحة للصراع بين ألدولتين العثمانية والصفويه لما يمثله من أهميه لكلا القوتين الإقليميتين باستخدام تلوين ألطائفه كوسيلة لتحقيق مصالح سياسية . لقد أدرك قاده العراق الجديد بعد فتره وجيزة من تأسيس ألدوله ألحديثه في ظل الاحتلال البريطاني إن الطوق الأول للسياسة الخارجية ونقصد بذلك دول الجوار الستة تمثل مصدرا للتحدي والقلق المزمنين يتطلب من الدبلوماسية الفتيه قدرا كبيرا من الحكمة والدراية …لان الأمر لا يتعلق فقط بخطوط الحدود المترامية التي تركها الكبار مصدرا دائما للقلق والانفجار وتبرير التواجد العسكري في الماضي والحاضر حتى لو استدعى الآمر صبغها بلون الدماء القرمزية .
.بل لان الدول ألمحيطه بالعراق لم تلتقي أبدا مع المشروع السياسي في بغداد في اغلب الفترات رغم تقلبات النظام العراقي في شكله الملكي وجمهورياته الثلاث وحتى اليوم..
وثانيا لان جميع هذه الدول تعاني بدورها من إشكالات وتداعيات مستمرة داخليه وخارجية وهو أمر هام وحساس لابد إن يلتفت إليه المختصون والمعنيون برسم السياسات الخارجية. .
والأمر المحير هنا ان اغلب دول الجوار قد قضمت أجزاء من حدود العراق واستطاعت إن تستخدمه كورقه في المساومات والابتزاز ا السياسي والمادي والحروب وحصلت على نفطه الرخيص مثل دماء شعبه دون ان يفلح العراق في لعب دور مشابه وان يكون (لاعبا).ولو لمرة واحده !!…
. وكان خاسرا على طول الخط بالأمس وحتى هذه الساعة رغم انه صاحب الحق ولديه من القدرات البشرية وأوراق الضغط مالم يتوفر لأغلب هؤلاء الجيران!!.
فمثلا دوله شقيقه كالأردن الفقيره بمواردها عاشت على اموال النفط العراقي منذ تأسيسها وحتى منتصف الخمسينات تبحث عن مبررات البقاء بين نفط عراقي شحيح وماء ناضب واقتصاد منهك لولا المساعدات الخارجية الامريكيه الخليجية.. وتركيبه سكانية غير متوازنة لم يغب عنها شبح الوطن البديل .. ومخاوف من ان يكون الملك عبد الله الثاني أخر الملوك الهاشميين حسب تعبير مدير المخابرات الإسرائيلي الأسبق والتي تتطلع للعراق في ألحقيه الامريكيه باهتمام بالغ ويقصدها بعض ساسه العراق باعتبارها حاضنا طائفيا لمكون معروف .
ان هذه ألسرياليه في الجيوبولتك العراقي بالأمس واليوم مثلت معيارا منصفا لتقييم أداء ألدبلوماسيه العراقية، بعيدا عن قنابل الدخان الاعلاميه التي غالبا ما ألقيت على دبلوماسيه حكومة المالكي ومن ثم ألعبادي، وشكلت احد الموشرات على الصراع الداخلي والحضور الخارجي وأربكت دبلوماسيته دوما بشكل لم يستطع العراق ان يكون مؤثرا في سياسته الخارجية رغم أهميته وقدراته ألاقتصاديه والبشرية والموقع الاستراتيجي الذي يميزه عن اغلب دول المنطقة بقدر ما كان متأثرا بالرادات الاهتزازية في دول الطوق.
لاول مره منذ تاسيس الدوله العراقيه الحديثه عام 1923 تقع السياسه الخارجيه العراقيه بعد عام 2003 في ارباك وعدم انسجام في الخطاب مصدره دوله المكونات والفدراليه التي جعلت عربه الدبلوماسيه تجرها ثلاثه خيول باتجاهات متعاكسه في احيان كثيره وزاد من الطين بله ان العراق امسى بلا اسوار خارجيه وبات الاستقواء بالخارج على الداخل سمه لاغلب الاحزاب العراقيه وهو ما وضع العصي في عجلاتها وجعلها شبه مشلوله
ربما تكون المرة الأولى منذ عقود التي يتحول فيها العراق إلى مصدر قلق لجيرانه ليس من خلال حروبه خارج الحدود او مشروعه القومي البسماركي الفاشل او الاسلاموي الطائفي. بل من خلال انتقال الراعي الامريكي لتغيير النظام في بغداد وتطبيق الديمقراطية بعد زلزال 11سبتمر2001.
وهو ما سيفتح نوافذها على رياح الشرق الأوسط الجديد ليقلق الجميع الذين حاولوا وقف ريح التغيير لكن واقع الصراعات في المنطقه واخرها ارتفاع درجه الاحتقان على الارض بين واشنطن وموسكو بشان سوريا والتغير في الاستراتيجيه الامريكيه تجاه العراق بالعوده له مجددا والسعي لابعاد النفوذ الايراني في العراق الذي بات متجذرا بفعل ترك العراق يقاتل لوحده الارهاب دون عمق او سند حقيقي سوى من ايران
والذي يفسر ايضا توجه الرياض ايضا نحو بغداد بعد 14 عاما من الرهانات التي جعلت العراق ينزف في وقت لاتزال فيه هويه الدوله العراقيه في ظل المكونات على المحك رغم قرب نهايه داعش عسكريا
كل هذه المعطيات تلزم ساسه العراق بترك كل خلافاتهم جانبا والتفاهم ولو عتد الحد الادنى بشان القضايا الوطنيه بما يؤدي الى ظهور دبلوماسيه عراقيه واحده وليس مواقف متناقضه خاصه فيما يتعلق بالمحاور الاقليميه والعلاقات الدوليه مع الدول العظمى
وهو ما يدفع بالضروره على مراجعه وتقييم عمل وزاره الخارجيه العراقيه واختيار فريق عمل كفوء ومنسجم ومهني لان الاستمرار في اداره الدبلوماسيه بهذه الطريقه لن يخدم العراق ابدا مما قد يتطلب اختيار شخصيه عراقيه مهنيه بعيدا عن الاستحقاق السياسي والمحاصصه تجمع بين الخبره الاكاديميه والمعرفه بما يحصل من متغيرات عالميه اضافه الى التجربه المهنيه حتى لو تطلب الامر الاستعانه بخبراء عراقيين اكاديميين في هذا المجال من الداخل والخارج لتقديم الاستشاره والنصح واداره الازمات وتاسيس غرفه عمليات خارجيه في ذات الوقت الذي يتوجب فيه اعاده تقييم السفراء العراقيين في الخارج الذين كان اداء عدد غير قليل منهم مخيبا جدا للامال واقامه دورات مكثفه لاعضاء السلك الدبلوماسي في دول ذات خبره في هذا المجال للارتقاء بمستوى مهنيتهم وثقافتهم وادائهم
نتطلع بتفاؤل الى المستقبل رغم كل الاحباط والقلق والخوف

 
‎عزيز الدفاعي‎s foto.
‎عزيز الدفاعي‎s foto.
 
 2018-05-15