أميركا وإسرائيل تريدان لإيران مصير العراق المأساوي
حماد صبح
انسحاب أميركا من الاتفاق النووي مع إيران هو الخطوة الأولى في دفعها إلى مصير العراق المأساوي الذي بدأ باتهامه بحيازة أسلحة دمار شامل ، واعترفت أميركا بعد ذلك بأنه كان اتهاما كاذبا قصد به تبرير غزوه وتدميره . بعد الانسحاب من الاتفاق ستتلو خطوات أخرى تتخطى إعادة العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران .
وبين ترامب إحدى هذه الخطوات في مطالبته بفتح مواقع إيران النووية ومصانعها العسكرية للتفتيش ، وهذا وسواه سيؤدي إلى نزع مظاهر سيادة الدولة وهيبتها تماما مثل ما حدث مع العراق الذي نزعت فرق التفتيش الدولية مظاهر سيادته وهيبته إلى مستوى تفتيش قصور الرئاسة العراقية ، وانتهى كل شيء بغزوه في 2003 . ولا فائدة لإيران من معارضة بريطانيا وفرنسا وألمانيا لخطوة أميركا الأولى ، ففي النهاية ستأتي لحظة تؤيد فيها هذه الدول بصورة أو بأخرى ما ستؤدي إليه الخطوة الأميركية ، والخطوات اللاحقة لها من أضرار لإيران قد تنتهي بغزوها حتى وإن اشتكت هذه الدول من تهديد أميركا للشركات الأوربية المستثمرة في إيران بفرض عقوبات عليها إن لم توقف استثماراتها فيها .
وفي بؤرة الخطوات الأميركية العدوانية المستفزة ضد إيران تتمركز إسرائيل مثلما تمركزت في بؤرة خطوات أميركا التي استهدفت العراق ، واعترف الجنرال أنطوني زيني قائد المنطقة الوسطى بعد العدوان على العراق بأن إسرائيل كانت وراء ذلك العدوان . ولا أستبعد شخصيا اشتراكها فيه ، فقبل بدئه تحدثت الأخبار عن إنزال كتيبة إسرائيلية في الصحراء غربي العراق ، وفي أثنائه رأى عمال فلسطينيون كانوا يعملون قرب مطار إسرائيلي حربي هبوط مقاتلات فيه مسودة البطون من الدخان .
وتهول القيادة السياسية الإسرائيلية منذ سنوات من الخطر النووي الإيراني على وجود إسرائيل مع أن القيادات الأمنية المتعاقبة نفت أحيانا ذلك الخطر أو قللت منه ، وعارض بعضها مثل مائير داجان مهاجمة إسرائيل لإيران استباقيا . الآن ، فوق الخطر الإيراني النووي المبالغ فيه إسرائيليا ؛ تريد إسرائيل ضرب إيران لوقوفها مع سوريا ، ولتسليحها وتمويلها لحزب الله ، وتصر بقوة على أن تخرج إيران من سوريا ، وقصفت عدة مرات مواقع لها فيها . وتشارك السعودية والإمارات والبحرين إسرائيل في التلهف على عدوان أميركي ضد إيران ، وتتمنى أن يكون عاجلا ماحقا ، وتستغل إسرائيل هذا التلهف الأهوج اللامسئول ، وتراه قاسما يؤلف بينها وبين هذه الدول ، ومبررا للإسراع في التطبيع العلني معها ، وقبل أيام دعا ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي الدول الخليجية ل ” الخروج من جحرها ” والمجاهرة بالتطبيع مع إسرائيل ومحاربة إيران في سوريا ، وظاهرٌ ما في ” الخروج من جحرها ” من تشبيه لتلك الدول بالحشرات ، ومن نعت لها بالجبن . ثمة متوالية صارت تاريخية سارت عليها إسرائيل ، وخلاصتها أن تكون أقوى دولة في المنطقة عسكريا ، وهو ما يتطلب قمع أي قوة عربية أو إسلامية يقدرون أنها مهما أبدت المودة والمسالمة نحو إسرائيل فإنها تظل في اللباب معادية لها ، وتترقب سانحة مناسبة لإزالتها .
فعلوا هذا مع مصر حتى أخرجوها نهائيا من صف أعداء إسرائيل ولو رسميا ، وفعلوه مع العراق الذي ما انتهت حربه مع إيران حتى تساءل الإسرائيليون : ” إلى أين ستتجه قوة من 60 فرقة إن لم تتجه إلى إسرائيل ؟!”، ويتوجهون الآن نحو إيران ، وبدأ توجههم نحو تركيا في أناة ومدارة وحذر ريثما يفرغون من إيران ، ودائما في حوزتهم الحجج والمسوغات للانقلاب على أي دولة عربية أو إسلامية مهما كانت مخلصة في صداقتهم . ما عسى إيران تفعل لمواجهة عدوان أميركا وإسرائيل وما يأتلف معهما من أعداء متحمسين أو مترددين حاذرين ؟! يقال إن من يفقد إرادة الهجوم يفقد إرادة الدفاع ، ولا تستطيع إيران الآن لأسباب كثيرة أن تبادر إلى مهاجمة إسرائيل أو مهاجمة أي مظهر من مظاهر التواجد الأميركي العسكري في المنطقة ، ويصح أن تمزج بين إرادة الهجوم وإرادة الدفاع حتى إذا هوجمت كانت هذه الإرادة الممتزجة وسيلة قوة صلبة توقع بمهاجميها ضررا لا يستخفون به ، وقد يدفعهم إذا ما تأكدوا من وجوده إلى تجنب مهاجمتها.
أما الخضوع لطلباتهم فلن يجلب إلا طلبات جديدة أكثر سوءا وإذلالا من سابقاتها ، وتكون نهاية الطلبات عدوانا سهلا على البلاد ، وسيفعلون بها أسوأ مما فعلوا بالعراق ، ولا يغيب عن التقدير هنا أن إيران مؤلفة من عدة عرقيات هي الفارسية والتركية والكردية والعربية والبلوشية ، وهذه بيئة ستكون كارثة عليها إذا ما فُجِرت النزاعات والاحترابات بينها . يبدو أن أميركا بحاجة بين زمن وآخر إلى فيتنام جديدة تذكرها بأن العدوان على الآخرين سيء العاقبة ، أما إسرائيل التي أُوجِدت خطأ وظلما في المنطقة فهي بطبيعة إيجادها ستظل عاجزة عن التكيف السلمي معها ولو توفرت لها أسبابه حتى تحين لحظة تاريخية في زمن قادم إلى اختفائها بكيفية قد تكون من عجائب كيفيات اختفاء الدول التي تخرج عن شرعية الإيجاد ، وتأملوا ما أحدثته مسيرة العودة للفلسطينيين العزل من زلزلة في أوصالها !
‎2018-‎05-‎15