من يوعز لحركة الماك الانفصالية بالتحرك في هذا الوقت بالذات يا ترى؟
عميرة أيسر
تكثف حركة الماك الانفصالية هذه الأيام فعالياتها ونشاطاتها، ولقاءاتها الإعلامية والسِّياسية في مختلف دول أوروبا، وهي التي يقودها الانفصالي فرحات مهني الذي يدعى بأنه رئيس ما يسمى بالحكومة القبائلية المؤقتة في الخارج، والذي أجرى مقابلة قبل مدة زمنية قصيرة مع قناة فرانس24، و التي من المعروف أنها تابعة لجهاز المخابرات الخارجية الفرنسي، والتي لا ترى القضايا العربية والجزائرية على وجه الخصوص إلاَّ بما يخدم الأجندات الفرنسية، ففرحات مهني في هذه المقابلة التلفزيونية، وغيرها دائماً ما يكيل سيلاً من التهم الجزاف للدولة الجزائرية، ويحاول استثمار كل الأزمات المختلفة التي تعيشها البلاد لتحريض سكان منطقة القبائل من أجل الانفصال عن جسد الدولة الجزائرية. فهذه الحركة السّياسية العنصرية ذات النزعة الانفصالية ظهرت بصفة رسمية للعلن بعد سنة 2007م.

ولكنها ظهرت للشارع بعد أحداث منطقة القبائل الأليمة سنة 2002م، والتي تعتبر نفسها امتداداً لما يعرف بالحركة الثقافية البربرية، التي ظهرت في بدايات مطلع الثمانيات من القرن المنصرم، وكانت مطالبها تنحصر في الاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغيتين، و هذا ما قامت به الجزائر مؤخراً عبر ترسيم اللغة الأمازيغية رسمياً، واعتبارها لغة وطنية ثانية، وذلك برسم دستور سنة 2016م وذلك بصفة نهائية.

وبعد أن سحبت الدولة الجزائرية هذه الورقة السّياسية المهمة والحساسة، من بين يديها ، والتي كانت تحاول حركة الماك الانفصالية توظيفها إقليمياً ودولياً. تنتهج حركة الماك حالياً إستراتيجية الضغط السِّياسي والإعلامي المتواصل، من أجل تدويل ما تزعم أنه قضية إنسانية مُحقة في المحافل الدولية، و تطالب بحقها في الحصول على الحكم الذاتي في منطقة القبائل على غرار إقليم كردستان العراق، وتعتبر ذلك الخطوة الأولى نحو الانفصال النهائي عن جسد الدولة الجزائرية الأم، والتي يؤكد فرحات مهني في كل مرة على أنه يعمل ضدَّها، ولا يعترف بها كوطن يجمع كل أطياف المجتمع الأمازيغي كما يسميه.

ولكن الملاحظ والدارس لنشأة وتطور حركة الماك الانفصالية، يجد بأنها خرجت للعلن بشكل رسمي بعد أحداث كبيرة جداً شهدها العالم والمنطقة العربية برمتها، من بينها أحداث11 من سبتمبر 2001م الإرهابية، ومسرحية تفجير برج التجارة العالمي، ومن ثم احتلال كل من أفغانستان ومن ثم العراق سنة 2003م، وتقسيمها إدارياً ومناطقياً إلى مركز في بغداد، وحكومة حكم ذاتي للأكراد في شمال العراق، وخروج الولايات المتحدة منه يوم 18ديسمبر 2011م، حيث عبرت آخر عربات مدرعة في قافلة تابعة للفرقة الثالثة في الجيش الأمريكي عبر الحدود البرية للأراضي الكويتية.

وهي الخطوة التي اعتبرها البعض هزيمة إستراتيجية كبرى لواشنطن، ليتكشَّف لنا جميعاً أن تلك الخطوة ما هي إلاَّ مناورة أمريكية لكسب الوقت، من أجل تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير في إطار إستراتيجية الفوضى الخلاقة، والتي تهدف إلى إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، والمنطقة المغاربية بما يؤدي إلى تفتيت دولها المركزية إلى كيانات جغرافية، وكانتونات سياسية مبنية على أسس دينية أو طائفية أو عرقية، وبالتأكيد حركة الماك الانفصالية تنفذ هذه الأجندات الأمريكية وبحذافيرها.

إذ لا يمكن فهم الخرجات الأخيرة لزعيمها فرحات مهني إلا في إطار المخطط الأمريكي الصهيوني المراد للجزائر والمنطقة، وكذلك في إطار كل ما يجري على مختلف حدودنا الجغرافية من تجميع مقصود لأكبر عدد ممكن من المجموعات الإرهابية، وفي إطار التحرشات المغربية بالجزائر عن طريق تهديد جبهة البوليساريو بشنِّ حرب عسكرية ضدها، ولا ننسى كذلك بأن يد الموساد الصهيوني في كل هذه المؤامرة على الجزائر باتت واضحة وضوح الشمس. إذ لا يخفي قيادات الماك إعجابهم الشديد بالنموذج الصهيوني في الحكم، وذلك بعد أن زار فرحات مهني تل أبيب سنة 2012م، والتقى خلالها مع نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي بصفته زعيماً للحكومة القبائيلة المؤقتة التي أسسها سنة 2010م، بالعاصمة الفرنسية باريس التي يقيم بها بصفة رسمية ودائمة، والتي كما يدعي تضم مقر حكومته الوهمية تلك. فهذا العميل الصهيوني الذي لا يتوانى عن التصريح علناً لوسائل الإعلام الغربية والعبرية عن رغبته في فتح سفارة دائمة للكيان الصهيوني ورفع العلم الصهيوني فوقها بشكل دائم، أن تم له الأمر بإنشاء دولته المزعومة تلك التي لن يراها حتى في منامه فوق أرض الشهداء.

فهذا المدعو فرحات مهني لا يجد حرجاً في توظيف التاريخ الجزائري وتزيفه من أجل خدمة قضيته تلك، ومنها استغلاله للخلاف التاريخي بين هرمين من أهرام النضال الجزائري وهما الزعيمان حسين آيت أحمد مؤسس الأفافاس ، والرئيس الراحل أحمد بن بلة رحمهما الله تعالى. إذ قال في أكثر من مناسبة بأننا ندافع عن القضية الأمازيغية التي خرج منها أجلها حسين آيت أحمد للجبال مع أكثر من 450 شخص، ضدَّ حكم أحمد بن بلة، مطالبين بأن يديروا شؤونهم بأنفسهم، بالرغم من أن حسين آيت أحمد رحمه الله كان من أشد المعارضين للماك، وللحكومة المؤقتة لها سنة 2010م، بل إن نجله يوغرطة رفض أن يعطي لمهني الكلمة في تأبينية والده التي أقيمت له في مدينة لوزان السويسرية أو حتى مجرد السَّلام عليه، أو النظر في وجهه وذلك شهر ديسمبر 2015م.
فحركة الماك التي تربطها علاقات واسعة مع صهاينة معادون للجزائر مثل هنري برنارد ليفي، وبرنارد لويس، وجورج سورس، ونيكولا ساركوزي وغيرهم، تحاول أن تجنيد أكبر عدد ممكن من الشباب في منطقة القبائل وفي المهجر، واستعمالهم في الوقت المناسب من أجل توتير الأوضاع، وإرباك السلطات المركزية للبلاد، ودائماً ما تختار الأوقات الحرجة والحساسة وهذا طبعاً يكون دوماً بإيعاز مخابراتي أمريكي صهيوني فرنسي واضح، لضرب الأمن والاستقرار في الجزائر، واستعمال شماعة الحكم الذاتي واللغة الأمازيغية وحقوق الإنسان والديمقراطية…الخ، فعلى الجميع الحذر من أهدافهم التدميرية الواضحة، والتي تصب في خدمة مشاريع التقسيم الأمريكية المعلنة في المنطقة. .
– كاتب صحافي جزائري
‎2018-‎05-‎05–