«لا أستطيع تقديم أفضل ما لدي لذلك قررت الرحيل»!

حفيظ دراجي
كلمات معبرة قالها رسام برشلونة أندريس انييستا في ندوة صحفية معلنا مغادرته البارسا عند نهاية الموسم بعدما أمضى 22 عاما في كتالونيا وفاز بكل الألقاب الممكنة.
رغم توقيعه سابقا لعقد يربطه بالبارسا مدى الحياة، لكن رغبته في مواصلة الاستمتاع بممارسة اللعبة في مكان آخر قد يكون الصين، جعله يقرر الرحيل وليس التوقف عن اللعب، بل الاستمرار في إمتاع عشاقه برسوماته بعيدا عن أوروبا حتى لا يواجه يوما ما فريق حياته الذي انضم إليه طفلا وعمره 12 سنة، أحرز معه 32 لقبا محليا وأوروبيا، مسجلا 57 هدفا في 670 مباراة.
القرار لم يكن مفاجئا، لكنه صنع الحدث في وسائل الاعلام الاسبانية والعالمية لأنه يتعلق بواحد من أساطير الكرة العالمية وليس فقط الاسبانية والأوروبية، وصنع الحدث لأنه يأتي بعد رحيل زميله تشافي منذ سنتين، وسيكون له تداعيات على اللاعب وعلى البارسا بدون شك لأنه يصعب تخيل البارسا من دون انييستا، ويصعب تصور أداء البارسا من دون رسامه وفنانه، وكذا تصور مشاهدته بقميص آخر مختلف عن ألوان قميص البارسا الذي لم يلبس غيره في اسبانيا وأوروبا.
انييستا سيودع أيضا منتخب اسبانيا بعد مونديال روسيا، وهو الذي شارك معه في 125 مباراة دولية أهمها نهائي كأس العالم 2010 الذي سجل فيه هدف التتويج باللقب العالمي مع اسبانيا وجعل منه نجم النجوم، تصفق له كل الجماهير الاسبانية في كل المباريات التي لعبها اعترافا وتقديرا لرجل فنان وخلوق منح اسبانيا أول تاج عالمي وساهم في تتويجها بلقبين أوروبيين في 2008 و2012 في عصر ذهبي لم تعرفه الكرة الاسبانية من قبل بفضل جيل متميز.
اذا كان منتخب اسبانيا يحوي نجوما كثرا يمكنها تعويض من يرحل، فان الكل يتساءل اليوم كيف سيكون البارسا من دون انييستا، والكل يدرك بأنه سيكون مختلفا، لكن لا أحد بإمكانه أن يتصور انييستا من دون البارسا التي كبر وترعرع فيه وعاش معه أكثر من عقدين من زمن العصر الذهبي للبارسا الذي كان فيه لإنييستا وزن وتأثير كبيرين يشهد له بهما كل من عاصره برفقة ميسي وتشافي وسواريز ونيمار ولاعبين كبار مروا على البارسا ورحلوا مثلما سيرحل انييستا وبعده ميسي. صحيح أن البارسا سيفتقد لإنييستا، لكن انييستا سيفتقد البارسا والكامب نو وجماهيره وعشاقه في كل بقاع العالم، لن يعيش نفس أجواء اللعب ولن يتذوق نفس البهجة والمتعة في ممارسة رسوماته لأن البارسا لا مثيل له. لن يلعب في نفس الظروف والأجواء مع ميسي الذي سيفتقده عندما يرحل الى الصين، ويفتقد لذلك الانسجام والتناغم والتفاهم الذي عاشه معه على مدى خمسة عشر عاما.
«لا أستطيع تقديم أفضل ما لدي لذلك قررت الرحيل» كلمات لن يقولها غيره بهذا الشكل، ولم يتفاعل معها جمهور الكرة بمثل تفاعله مع انييستا في وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، أما الدموع التي سالت على خد انييستا وهو يقول هذه الجملة فكانت دموع حزن على الفراق، وفرح بمحبة وتقدير الناس، كانت دموع ألم شديد وفي نفس الوقت دموع تعلق كبير بالنادي الذي لم يعرف غيره منذ الطفولة.
«لا أستطيع تقديم أفضل ما لدي لذلك قررت الرحيل» هي كلمات تحمل كل معاني الاحترام من انييستا لنفسه ولفريقه وعشاقه على حد سواء، ولا يمكن أن يكون تهربا أو طمعا في الـ20 مليون يورو التي سينالها سنويا مع الفريق الصيني، بل هي مشاعر حقيقية للاعب يدرك بأنه لم يعد كما كان بدنيا، ولم يعد قادرا على تحمل ضغوطات المستوى العالي التي تتطلب مزيدا من الجهد والتركيز لذلك استند الى المثل القائل «عاش من عرف قدره». أكيد أن انييستا سيصبح يتيما من دون عائلة البارسا، والبارسا سيستمر بدون توقف من دون انييستا، لكن عشاق الكرة سيفتقدون لرسومات مبدع وفنان لا مثيل له في عالم الكرة الحديثة، رغم وجود مبدعين آخرين في البارسا وفي غير البارسا، وسيبقى نفس الجمهور يحتفظ برسومات جميلة في مخيلته، ويحتفظ بصور رائعة صنعها اللاعب بمهاراته، وخاصة بسلوكه وتصرفاته في ميادين الكرة وخارجها، ويريدها أن تبقى في أذهان كل الناس ليستمر محفوظا في قلوبهم وعقولهم مدى الحياة. ولا عزاء لمحبي إنيستا إلا إسترجاع ذكرياته عند كل حنين إليه.
إعلامي جزائري
‎2018-‎05-‎03