بثمن بخس


ابراهيم البهرزي
يتساقط هذه الايام الكثير من العناوين الثقافية والاكاديمية تحت اقدام رموز السياسة المشينة والمثيرة للامتعاض والقرف
وكانما يبدو الامر متزامنا مع التغيرات المناخية المفاجئة التي تمر بها البلاد .
التغيرات المناخية مفاجئة حقا ، ولكن التساقط ليس بالامر المفاجيء
التاريخ القريب حافل بقصص العار التي دبجتها الثقافة العراقية والاكاديمية احيانا في تلميع صور الطغاة والقتلة والفاسدين وعلى امتداد عصور التحولات السياسية المعاصرة في البلاد
تلميع صورة وحش صغير لا تختلف عن تلميع صورة وحش كبير
الوحش الصغير سيصير كبيرا بفعل التلميع !
انتهازية سافرة وتقلبات ( فكرية) بلا ادنى قدر من الحياء
ليس مفاجئا ان ترى اكاديميا وهو يلمع صورة غول من غيلان السلطة ممن دمروا البلاد ونهبوا ارزاق العباد
لانك لو تابعت التاريخ الاكاديمي لكائن من هذه الكائنات لوجدته تاريخ زلفى وتزوير
فهو الحائز ادنى الدرجات في تحصيله الاعدادي والمقبول في تأهيله الجامعي بهمة الحزبية(ثم الطائفية فيما بعد)، والنائل ادنى تقدير في تحصيله الجامعي والحائز بعدها على تأهيله الاكاديمي العالي برسائل واطاريح فجة او متملقة او عبارة عن مجرد بحوث انشائيه ( يمكن مراجعة الاراشيف ببساطة للحكم على ذلك) مثل هذا لايمكن ان يكون اكثر من موظف نفعي لاقائد علمي ولا تكنوقراط
بعض المثقفين ( المحترفين ) شأنهم كذلك
كان ولا زال الدخول في ( الوظيفة الثقافية) هو ايسر السبل للعاطلين عن المؤهل العلمي او العملي
بمقال او بنص او عدة خطابات تملقية للفكر الشائع او للمدير او المسؤول الثقافي يمكنه ان ينال وظيفة محرر او مصحح او اعلامي او عضو مكتب ثقافي او (نقابي ثقافي) ليرتقي عبر التبادل التقريظي مع اقرانه حتى يصل مرحلة الكبير والخطير والمائز!
في الفن والصحافة يبدو الامر اكثر يسرا ، فقد صارت منذ سنين الحصار مشرعة للعفطي والمومس .
مشكلةالرأي الثقافي العراقي انه بلا ذاكرة ، هو يحكم على الموقف الاخير ، اقصد المنصب الاخير
كان نيتشه يقول ان الثقافة موقف وليست مهنة ، وهو المصيب الامين
لكن مايشيع في في المشهد الثقافي والاكاديمي العراقي وعبر عقود هو الالتزام التعاقدي بين( المثقفين ) بأن الثقافة مهنة وليست موقفا
يمكن متابعة المتغيرات المهنية والتقلبات الفكرية للمثقف العراقي عبر ربع قرن لتجد ان هناك ارتقاء بالمهن يصاحبه دوما انحطاط او زئبقية او في ادنى حد، تهويم في المواقف
بل ان متابعا رصينا يمكنه بدقه ان يهجس النوايا الانتهازية للمثقف او الاكاديمي عبر متابعة مواقفه من خلال كتاباته او نشاطاته الجماهيرية ويرى بوضوح سعيه الواضح للوظيفة الاعلى من خلال ذلك
هو يرصد حظوظ الجهات السياسية او المتنفذة من السلطة ويبدا ببرمجة افكاره وفقا لاهوائها
حتى صار السائد عن ( المثقف ) هو رخص ثمنه ، فابسط سياسي يدفع لمومس مقابل ليلة حمراء اضعاف ما يدفع ل( مثقف) مقابل تلميعه لانه يعرف مدى رخصه …
ما يديم سلطة هؤلاء ، الثقافية والاكاديمية هو غياب الضمير الشعبي الذي يحاسب الانتهازيين والمتملقين باعتبار ان الانتهازية من ابشع الجرائم المخلة بالشرف
كل الافلام الفاضحة التي يتداولها البعض لا تصل لعار الانتهازية ، الفلم الفاضح شخصي يضر بالشخص وعائلته لا اكثر ، غير ان الانتهازية والوصولية هو فعل فاضح لان مايترتب عليه هو التزوير التاريخي لمعنى الخير والشر وهو تزوير دونه اي تزوير اخر يحاسب عليه القانون .
اعتقد ان مهمة الشعب لاجل ان ياخذ بحيفه التاريخي هي ازدراء الثقافة والمثقفين من خلال حملة انتي-ثقافية تقوم بتفكيك هذه الهيبة الفارغة لهم وهذا الوهم المصنوع من قبل السلطات المتنفذة (سياسية او حزبية اومهنية) فهم لم يعودوا الطليعة التي بشرت بها واوصت باحترامها الادبيات الايديولوجية
لم يعودوا غير تشكيلات بيروقراطية معروضة للايجار لغرض تزييف الوعي
تشكيلات الانتهازيين و فرق متضامنة ومافيات متنفذة يخاف الكثيرون فضح علاقاتها التخادمية خوفا من الاخماد والاقصاء من المشهد الثقافي واضوائه الساطعة
يمكن للشعب ان يتواصل مع الخطاب منفردا عن قيمة المثقف ، الخطاب بقيمته المكتفية بذاتها ان اكتشف فيه ثمة قيمة ، اما
المثقف وقيمته الاعتبارية فرهين بموقفه التاريخي وموقعه ،
لم يعد المثقف طليعيا ، لقد تراجعت قيمته الحقيقية في عصر التواصل الالكتروني والانكشاف الحر والقيمة الزائفة التي تسبغ
عليه هي من بقية عصر الايديولوجيا
ان الطريقة الوحيدة لاعادة الثقافة كأداة مقاومة وليست وسيلة انتفاع هي ازدراء وتسفيه قيمتها الوهمية كصفعة ضرورية تعيدلها الوعي والصواب..
‎2018-‎04-‎30