الشيخ فركوس يكذب على الشعب الجزائري
عميرة أيسر
يبدو بأن رأس المدخلية في الجزائر المدعو الشيخ فركوس ينفذ أجندات وهابية سعودية معروفة، وفي هذه الفترة الحرجة جداً من تاريخ البلاد، حيث تعرف حدودها الجغرافية انتشاراً واسعاً للمجاميع الإرهابية المسلحة في كل من ليبيا والتشاد والنيجر ومالي، فيما يهدد المغرب بشنّ حرب ضدَّ جبهة البوليساريو والمستهدف الأول بها طبعاً هو الجيش الجزائري، وإلاَّ كيف نفسر بيانه الأخير الذي يدعي فيه بأن جمعية المسلمين الجزائريين ومن سار على ركابها، وحج محجَّها، وشرب لبن العلم من ضرعها، أو خرج من مشكاتها، كلهم على خطأ، وضلالة وبأن لا أدلة شرعية أو نقلية على أن ما ذهب إليه عندما وصم الكثير من الفرق والطوائف المذهبية والدينية في الجزائر، وسامها بشامة الضلالة والفسق والابتداع، وهو الذي يقول: في مقالته التي سماها تسليط الضوء على أن مذهب أهل السنة، لا ينتسب إليه آهل الأهواء، إذ يقول في معرض ذلك: أماَّ إطلاق مصطلح أهل السنة- بالمعنى الخاص- فيما يراد به ما يقابل أهل البدع والأهواء، فلا يدخل في مفهوم أهل الحديث و السنة، دون أصحاب المقالات المحدثة من أهل الأهواء والبدع.

وبالتالي فإن شيخهم فركوس هذا يرى بأن كل من لا يدخل ضمن تعريفه الفقهي والاصطلاحي أو بالأحرى تعريف المداخلة، ومن سار على طريقهم لأهل السنة والجماعة، فهو مصنف قطعاً ضمن أهل البدع ، ولكن ما هو تعرف أهل البدع في كتاب الله عز وجل، يا ترى حتىَّ نتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من القضية؟ هل هم كفار وزنادقة ومشركين، أم مسلمون؟، وقبل ذلك ما هو تعريف البدعة في القران الكريم، وهل هناك بدعة حسنة وأخرى سيئة، أم كلها سيئة يا ترى؟ وهي التي جاء لفظها عموماً في أربعة مواضع في القران الكريم، الموضع الأول والثاني في قوله تعالى” بديع السماوات والأرض” البقرة 117 الآية، الأنعام الآية101، أماَّ الموضع الثالث ففي قوله تعالى” قد ما كنت بدعا من الرسل” الأحقاف الآية 9، و أماَّ الموضع الرابع فجاء في قوله تعالى” وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم، إلاَّ ابتغاء رضوان الله فما راعوها حق رعايتها” الحديد الآية 27، أماَّ التعريف الأول والثاني فقال عنه ابن المنظور، بأن البديع اسم من أسماء الله عز وجل، لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها، وهو البديع الأول قبل كل شيء، فهو الذي بدع الخلق، أي بدأه كما قال سبحانه وتعالى: بديع السَّماوات والأرض أي خالقها ومبدعها، انتهى.

أماَّ جهبذ اللغة العربية العلامة الخليل بن أحمد الفراهيدي فيقول رحمه الله في الموضع الثالث: البدع، هو الذي يكون أولا من كل أمر، كما قال تتعالى: ما كنت بدعا من الرسل أي لست بأول مرسل، فالمقصود بالبدعة هنا حسب التعريف الاصطلاحي اللغوي القرآني هنا هي البدعة اللغوية و ليست الشرعية. أماَّ في الموضع الرابع من الآية رقم 27 من سورة الحديد، فقد قال: جمع من أهل التفسير سواء كانوا من أنصار مدرسة تفسير القران بالقرآن، أو من أنصار تفسير القران بالمأثور، أو تفسير القرآن بالقول أهل الأثر، أو تفسيره حسب الإجماع والقياس والاستنباط الأصولي والفقهي، ومنهم فخر الرازي في كتابه المسمى بالتفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، أو تفسير الإمام شيخ الإسلام شهاب الدين بن محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، وغيرهم.

حيث قالوا بأن الله عز وجل لم يذم هؤلاء القوم من بني إسرائيل على أنهم ابتدعوا الرهبانية، وإنما ذمهم لأنهم لم يلتزموا بما ألزموا أنفسهم به، والآية تفيد بأن الرهبانية هي محض بدعة لم يكتبها الله عليهم، ولم يفرض عليهم التزامها أو إتباعها لا من قريب ولا من بعيد، ولكنهم ألزموا أنفسهم بها فصار نذراً وعهداً عليهم تنفيذ ذلك أمام الله عز وجل.

ويقول الإمام المجدد شيخ الإسلام الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى في كتابه المسمى التحرير والتنوير في تعقيبه على قوله تعالى: إلا ابتغاء رضوان الله، إنما غطت هذه الجملة على جملة وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه، لإشراك مضمون الجملتين في أنه من الفضائل المراد بها، رضوان الله تعالى والمعنى: وابتدعوا لأنفسهم رهبانية لم نشرعها لهم، ولكنهم ابتغوا بها رضوان الله تعالى، فقبلها الله منهم، لأن السِّياق القرآني حكاية ذلك عنهم، يقتضى الثناء عليهم.

أماَّ الجزئية الثانية، في تفسير قوله تعالى” فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم”، فهذا توضيح من الله عز وجل بأنه قد قام بقبولها وأثابهم عليها، وهنا يأتي تفسير شيخ المفسرين العلامة الجهبذ ابن جرير الطبري في تفسيره المسمى جامع البيان في تأويل القران، وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، بأن يقال: إن الذين وصفهم الله عز وجل بأنهم لم يراعوا الرهبانية حقَّ رعايتها، فلو لم يكن منهم كذلك، ما كانوا مستحقين لقوله تعالى: لم يكونوا مستحقين للأجر الذين قال جلا ثناؤه فيه:” أتينا الذين آمنوا منهم أجرهم إلا الذين لم يراعوها حق رعايتها”، وممكن أن يكونوا على عهد الذين ابتدعوها وممكن أن يكونوا على عهد غيرهم، لأن الذين هم أبنائهم ولم يكونوا قد راعوها حق رعايتها، فجائز في كلام العرب أن يقال: لم يرعها القوم على العموم، والمراد منهم البعض الحاضر، وهناك مواضع كثيرة منها في هذا الكتاب.

فالذم الرباني هنا كما يقول ذلك الإمام العلامة المفسر أبو عبد الله شمس الدين القرطبي رحمه الله في كتابه المسمى الجامع لأحكام القران، لأنهم لم يلزموا أنفسهم بإتباعها بعدما كتبوها على أنفسهم، حيث يقول: في هذا الموضع الجزء رقم 17/ 264، وهذا الآية دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيراً أن يداوم عليه، ولا يعدل عنه إلى غيره فيدخل في مضمون الآية، وبالتالي فإن هناك بدعاً يمكن أن تكون في الدين، ولكنها جائزة ومشروعة ومحببة ويؤجر عليها الإنسان، وهذه الآية ليست منسوخة أو باطلة، لأن الصحابي الجليل، أبي أمامه الباهلي رضي الله تعالى عنه- واسمه صدي بن عجلان- قال: أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام، فداوموا على القيام إذ فعلتموه، ولا تتركوه، فإن أناساً من بني إسرائيل، ابتدعوا بدعاَ لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله فما راعوها حقَّ رعايتها، فعابهم الله بتركها فقال: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم، إلاَّ ابتغاء رضوان الله فما راعوها حق رعايتها.

أماَّ قول الحافظ ابن كثير في تفسيره المسمى تفسير القران العظيم(567/6-568) حيث قال رحمه الله تعالى، أماَّ قوله تعالى:” إلا ابتغاء رضوان الله”، فهذا ذم لهم من وجهين الابتداع في دين الله ما لم يأمر به، والثاني، في عدم قيامهم بما التزموه، مما زعموا بأنهم قربة تقربهم إلى الله عز وجل. فقد خالف فيه جمهرة العلماء كما أكد على ذلك العلامة المحقق صديق الغماري في كتابه إتقان الصنعة فقوله تعالى: “ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما راعوها حق رعايتها”، بأن العلماء قد استنبطوا من هذه الآية مجموعة من الأحكام منها، -على سبيل المثال إلاَّ الحصر طبعاَ- إحداث النصارى للرهبانية من عند أنفسهم، عدم اعتراض القرآن على هذا كما ذهب إلى ذلك الألوسي وفخر الرازي، ما يدل على ذمِّ البدعة، ولوم القرآن لهم تأتى لعدم محافظتهم على تلك البدعة الحسنة.

أماَّ الاعتراضات التي جاء بها الإمام الشاطبي رحمه الله على هذه الآية في كتابه الاعتصام، في الاستدلال بهذه الآية على جواز إحداث البدعة الحسنة وقال: معترضاً على ذلك بأن الرهبانية قد نسخت في الإسلام فلا رهبانية عندنا، فيجب أولاَ أن نعرف الرهبانية اصطلاحاً، والتي كانت تعني في دين النصارى اعتزال النساء والسَّكن في الصوامع و سياحتهم في الأرض، كما قال: الإمام ابن العربي المالكي، حيث يرى بأن المنهي عنه في دينناً هو اعتزال النساء، أماَّ بقية المعاني، فنحن مأمورون بها في آخر الزمان كما يؤكد على ذلك حديث الصحابي ابن سعيد الخدري رضي الله تعالى، إذ قال: بأنه روى أنه سمع النبي عليه أفضل الصلاة والسَّلام يقول:( يوشك أن يكون خير المؤمن في غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن). صحيح البخاري(7088) كتاب الفتن.

و أماَّ حديث كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبرواياته وتوابعه المختلفة، والذي يحتج به علي فركوس ومن دار في فلكه، فمردود عليه بحدث من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، صحيح مسلم رقم (1017) كما يذهب إلى ذلك الكثير من أهل العلم.

فالمداخلة في الجزائر الذين يتبعون الفرقة الوهابية الضالة المضلة والتي كما يرى شيخهم المدعو ربيع ابن هادي المدخلي، بأنهم الفرقة الناجية دون سواهم، وهو الذي يفتي بعدم جواز السَّلام على المبتدعة، أي من غير طائفته ومذهبه، وعدم الحديث معهم أو مخالطتهم، وهجرهم،وبالتالي ولأن هؤلاء هم القلة القليلة عندنا فعلى أتباعهم اعتزال معظم المجتمع حتىَّ ولو كانوا من أقرب الناس إليهم، وفتاويهم في هذا الجانب معروفة ومشهورة، ونسوا قول النبي عليه أفضل الصلاة والسَّلام في حديث صحيح، كما روى الإمام مسلم في حديث رقم (2565)” تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبد بينه وبين أخيه شحناء،: اتركوا هذان حتى يفيئا”، وبالتالي فإن هجر المؤمن فسوق وقتاله كفركما جاء في حديث أخر صحيح، و عدم الحديث معه يكون سبباً في عدم قبول الله عز وجل النظر في الأعمال.

هذه الممارسات و التي هي ليست من أخلاق الإسلام في شيء، لأن الله عز وجل يقول:” إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون الحجرات الأية10 ” والمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً وغيرها من الآيات القرآنية والسنن النبوية التي وضعت منهاج التعاون والتآزر والتآخي بين الإخوة في الدين.

وإذا كان كبار المفسرين المشهود لهم بالعلم والتقوى يرون بأن هناك بدعا حسنة ولا يكفرون أصحابها ولا يزندقونهم، وإنماَّ يرونهم أناس مجتهدين مشهود لهم بالإسلام،
يؤجرون إن أصابوا فإن الوهابية المدخلية لا تراهم إلاَّ من أهل الكبائر، ومن العصاة، كما يذهب إلى ذلك شيخهم المتخصص كما يدعي في العقيدة والديانات والفرق المعاصرة، المدعو ناصر بن عبد الكريم العقل، عندما سؤال من هم أهل الأهواء وما هي أحكامهم؟

وبالتالي فإن المداخلة بذلك في تعريفهم لأهل البدع يخالفون الإجماع، وأقوال كبار أهل العلم، أما تحريفهم للأحاديث وكذبهم المفضوح على مريديهم، وإنكارهم للفكر الداعشي الذين يستبيح السبي وقتل النساء، وهو من أصول دينهم المحرف ومذهبهم الضَّال المضل، فسنكشفه في مقالات قادمة بإذن الله، وبالأدلة الشرعية والنقلية والعقلية والتاريخية، وأقول لفركوس وغيره زمانك ولى يا هذا، و سنواتكم السَّوداء التي قضيتموها في كذبكم وتدليسكم على الناس قد انتهت، فأنتم أصل الدَّاء العضال الذي ينخر جسد الأمة الإسلامية، ويفتتها ويجعل الأخوة فيها أعداء يتقاتلون وسنفضحكم ونعريكم رويداً رويداً حتى لا يتقاتل المسلمون خدمة لأعداء الأمة الذين تخدمونهم بعمل أو بغير علم.

عميرة أيسر كاتب صحافي جزائري
‎2018-‎04-‎30