لقد فعلها حلف المقاومة
لؤي توفيق حسن
“من لا يستطيع أن يكسب الحرب لا يستطيع أن يكسب السلام” – شارل ديغول.
هناك أسئلة تراود كل متابع لمعركة الغوطة الشرقية منذ بدايتها، أولها لماذا لم تتدخل أمريكا وتنفذ ضرباتها كنوع من الضغط يحول دون سقوط الغوطة، وهي التي تشكل بحكم جوارها للعاصمة دمشق موقعا استراتيجيا اتاح للغرب وعربه فيما مضى الضغط على النظام عبر أدواتهم الأرهابية. إذا لم يعد لهذا الإعتبار أهميته عند أولئك كي يتدخلوا، فهل يريدون من العالم ان يصدق بأن استخدام السلاح الكيميائي هو الذي حرك مشاعر امريكا و(حلفائها) والقتل والإبادة هو جزء من تاريخهم الأستعماري! هذا الإفتعال لرواية الكيميائي يخفي أغراض أخرى لأن الأدلة الحسية والمحاكمة تدحضانها.

ثلاث غايات
المتابع سيكتشف بأن (فيلم) الكيميائي لم يظهر إلا في الفترة الواقعة بين خروج قسم من الإرهابيين وعوائلهم من دوما، واستنكاف ما تبقى منهم عن اتفاق الإنسحاب مع السلطة بحجج واهية، الأمر الذي أشعل الجبهة لمدة يومين جرىقبل العودة لخروج المسلحين. ولعل هذه الحلقه من تسلسل الأحداث دليل على أن هناك من طلب ممن لم يخرج من الإرهابيين أن يستبقوا أنفسهم في دوما ليتسنى أعداد وإخراج فيلم الكيميائي، الذي كشفه التلفزيون الروسي – RT-، حيث أظهر اعترافات أحد الأطفال الذين اشتركوا في التمثيلية. إضافة لكل ما سبق فأن القيادة السورية لم تكن مضطرة لاستخدام هذا السلاح في الربع ساعة الأخير من المعركة المحتومة النتيجة. وهي التي لم تستعمله منذ بداية العمليات على الغوطة الشرقية. لقد بات واضحاً أن رواية الكيمائي اختلقتها أمريكاً حجةً، تشبه رواية امتلاك العراق لأسلحة “دمار شامل”. وهي تطلب من ورائها أربعة غايات:
اولاً- استهلاكها كمادة دعائية في “البروباغند” التي تستهدف النظام في سوريا ورأسه، أو بمعنى آخر، اعطاء هذه الحملة على سوريا بعداً أخلاقياً. وللأسف فإن هذه “البروباغندا” أستطاعت أن تضلل الشارع العربي بنسبة غير قليلة، متسببة بهذه البرودة التي تفاعل بها مع حدث بهدا الحجم.
ثانياً- حرص ترامب على التهويل بالضربة وإحاطتها بحملة دعائية للتغطيه على ما أثاره رئيس مكتب التحقيقات الفدرالية السابق من فضائح منها على سبيل المثال أن “الروس صوروا ترامب وهو يقوم بأفعال منافية للحشمة في موسكو”.، فضلاً عن التحقيق في التواطؤ المزعوم بين موسكو ومساعدي ترامب، والذي يؤكد هربرت ريموند ماكماستر مستشار الأمن القومي المستقيل أنه يتضمن أدلة “لا تقبل الجدل” حول تدخل روسيا.
ثالثاً – تؤشر قائمة الإقالات والإستقالات غير المسبوقة في تاريخ البيت الأبيض إلى وجود أزمة رئيس وحكم في أمريكا تُغطى بدخان حرائق مفتعلة أو بحركات استعراضية صاخبة مثل اعترافه بالقدس “عاصمة لإسرائيل”، يستجدي فيها دعم اللوبي الصهيوني والذي وجد فيه فريسة سهلة للإبتزاز.
رابعاً – رفع معنويات (حلفاء) امريكا مما تسمى “قوات سورية الديمقراطية”، لا سيما بعد تقدم تركيا في عزاز وانكفاء امريكا وتركها (لحلفائها) من الأكراد مكشوفين أمام القوات التركية.
العدوان الكاشف
كشف عدوان امريكا على سوريا أربعة اتجاهات:
أولها- الإمكانيات المحدودة للولايات المتحدة للتأثير ليس في الساحة السورية وحسب، بل وعلى مستوى المنطقة، أو وفق أحد الخبراء الاستراتيجين الروس “القيام بعمليات في صيغة صراع أقليمي كبير”.
ثانياً – ظهر جلياً عدم استعداد معظم الأنظمة العربية للدخول في لعبة التصعيد في المنطقة مع أن أمريكا طلبت دعمهم ليس من حيث حاجتها إلى قوتهم العسكرية بالطبع بل ليكونوا غطاءً أقليميا يعطيها نوعا من الشرعية.
ثالثاً – انكماش حلف “الناتو” إلى “ميني ناتو”، أي مجموعة دول “غب الطلب” تدعم الولايات المتحدة في معظم مغامراتها. هذه المجموعة من البلدان تشمل: بريطانيا ، فرنسا، هولندا، كندا ، وهذا يعني أن “الغرب الجماعي” يتعرض لتآكل من الناحية الوظيفية او التشغيلية، لكن هذا لا ينطبق على الوظيفة السياسية للحلف على مستوى البنى والإيدلوجيات حتى الآن على الأقل. وإذا ما وضعنا آثار انسحاب بريطانيا من الإتحاد الأوربي فإن الأفق يحمل احتمالات غير مشجعة لمستقبل “الناتو”.
رابعاً– لقد كشف العدوان الثلاثي على سوريا بوضوح الهيمنة الأمريكية على وسائل الإعلام العالمية، حيث سادت فيها الرواية الأمريكية البريطانية عن الأحداث، مما يتطلب من الإعلام المضاد إعادة النظر في منهجه وأسلوبه لفضح ادعاءات الغرب؛ لافتين النظر إلى ان بعض الميديا الصهيونية التي تستهدف سوريا متغلغلة من الإعلام الروسي غير الحكومي.

كان السناتور وليم فولبرايت يقول: “لماذا ننظر الى العالم بعيني الكاوبوي لا بعيني الله؟”. عقّب زبغنيو بريجنسكي على ذلك بعده بسنوات طويلة “هل استطاع الله أن يفرض عدالته على الأرض لكي تتمكن أميركا من أن تفرض عدالتها”. بهذه الغطرسة والتجبر كانت امريكا تنظر إلى العالم . حيال هذا كان شارل ديغول رئيس فرنسا يقول : “بالضربات القوية على الباب، نقنع ذاك الذي في البيت البيض بأنه أقل رتبة من السيد المسيح”. لم يأت من يحقق حلم ديغول وقد تناوب عليها رؤساء من وزن شيراك وساركوزي وماكرون.
لقد فعلها حلف المقاومة!
‎2018-‎04-‎21