الجزائر بين التصحر السياسي والمستقبل المجهول

محمد علي القاسمي الحسني
قرأت باهتمام بالغ رسالة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة في عيد العلم و التي ألقتها مذيعة التلفزيون الرسمي للمشاهدين ، رسالة جاءت كسابقاتها و لم تأت بالجديد عدا تأكيد الرئيس على الالتفاف حول المذهب المالكي و الأمازيغية ، و هذا يدل على ادراكه لخطورة المرحلة التي تمر بها الجزائر وسط ارتفاع الأصوات المطالبة بحقوقها ممثلة في النقابات العمالية و غضب شعبي جراء السياسات الاقتصادية للحكومة التي أنهكت جيب المواطن البسيط اضافة للمأساة اليومية التي يعيشها المواطنون في المناطق الداخلية للجزائر تلك التي لم تصلها بعد أدنى الخدمات الصحية و التعليمية و في صحراء أدرار و قرى جيجل خير مثال .

خطابات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة دائما ما تتسم بقدر عال من الواقعية و المثالية في آن واحد ، فهو مدرك بالأخطار المحدقة بالجزائر و الويلات التي يعيشها الفرد البسيط في قلب الصحراء ، لكنه في نفس الوقت غير قادر على التغيير السريع للوضع في ثانية واحدة ، نظرا لحالة التصحر الفكري و العلمي التي يعاني منها المسئولون الولائيون في المدن و البلديات المختلفة ، فضلا عن رؤساء الأحزاب اللذين يزداد يقين الشعب يوما بعد آخر بصبيانيتهم نظرا لشعبوية خطاباتهم و بعدها التام عن الواقع المعاش ، فحين يقول رئيس أكبر حزب في الجزائر أنه درس مع ميركل و يقول آخر اسلاموي أن أردوغان هو خليفة المسلمين القادم فهذا خير مثال على أنهم جهال رأسماليون متوحشون يهدفون لملئ جيوبهم عبر ترؤس الأحزاب التي أصبحت برامجها المعدومة أضحوكة لدى الأطفال اللذين تزيد لديهم نسب الوعي و الثقافة اذا ما قورنوا بالسياسيين اللذين لا يستحون من الافتخار بضعفهم الفكري ، فاذا كان الدكتور راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة التونسي مثلا على قدر عال من الثقافة و المعرفة المتجلية في كتبه ، فان رؤساء الأحزاب الجزائرية فهم عن بكرة أبيهم لا يمكن مناقشتهم لدقائق نظرا لعدم امتلاكهم المادة الفكرية الخام التي تمكنهم من صنع البرامج أو مناقشتها ، و لهذا يضطر الرئيس غالبا لاتخاذ القرارات عبر استشارة مستشاريه و تعيين وزراء غير متحزبين لعلمه بمستوى المنتمين الى الأحزاب ، التي أصبحت تؤسس و ينضم لها لتنمية الثروة .

ان حالة الذهان و القصر الفكري التي يعاني منها العقل السياسي الجزائري ممثلة أساسا في الباحثين في مجال العلوم السياسية اللذين لا يكررون للطلبة الا ما توصل له الغرب قبل عقدين ، اضافة الى السياسين اللذين هم بعيدون كل البعد عن التحولات الواقعة في النظام العالمي و التي أدت الى تغير نمط التفكير و الثقافة الجزائري ، ما أدى لتخلف هؤلاء عن الواقع المعاش و بالحتمية تخلف خطاباتهم و برامجهم المنعدمة و التي يمنحون لها صفة ( برنامج رئيس الجمهورية ) تجعل العقل السياسي الجزائري جد متخلف إذا ما قورن بالمغربي و التونسي اللذان قطعا أشواطا كبيرة في مجال الديمقراطية و بناء الدولة المدنية المسيرة وفق نمط الديمقراطية التشاركية ، و هذا ما يدعو لطرح عديد التساؤلات المشروعة أساسا نظرا لحالة العتمة التي يعيشها الواقع السياسي الجزائري في ظل مرض الرئيس و حالة التخبط التي تعيشها الحكومة وسط معمعة الهزات الاجتماعية و الضعف الاقتصادي الكارثي الذي ظهرت آثاره جلية في معظم الخطابات الرسمية :

1-كيف يمكن للجزائر بناء مؤسسات سياسية تقودها نخبة مثقفة ، تسير بالبلاد لمرفأ الأمان و التقدم السياسي و الحضاري ، فالجزائر اليوم في حاجة إلى أبناءها المغتربين اللذين تصدر بحوثهم بالمئات في السوربون و جنيف ، فلماذا لا تستفيد مراكز الدراسات السياسية و الأحزاب من خبرة هؤلاء و تضم لها كل جاهل احترف السياسية لتنمية ثروته ؟

2- تغييب الحديث عن الواقع الجزائري ممثلا أساسا في الانقسام العرقي و الاجتماعي ، وسط صعود رهيب لطبقة بورجوازية متوحشة و عيش نسبة كبيرة تحت خط الفقر في الصحراء ، ما سيؤدي بالمنشغلين لأجل التقسيم باللعب على هذا الوتر ، فهل لدى السياسيين الجزائريين حلول واقعية لهاتين الأزمتين الخطيرتين اللتان يمكن أن تؤديا بالبلاد الى الجحيم ؟؟؟؟؟

3- ما هو التصور المستقبلي للوضع السياسي الجزائري في ظل صراع حزبي لأجل الوصول لتحصيل أكبر قدر من المنفعة دون التفكير في مصلحة البلد ، ثم هل يملك صانع القرار الجزائري نظرة استشرافية يعالج بها الانقسام العرقي و الطائفي الذي يطفو الى الساحة بين الفينة و الأخرى ؟؟؟؟؟

4-أما السؤال الأخير ، ففي ظل صعود بعض الطوائف الدينية كالأحمدية و الشيعة و ظهور يهود الجزائر المطمورين منذ الاستقلال ، هل سيبقى حمل معالجة جميع مشاكل البلاد ملقى على كاهل الرئيس الذي جاء صحيحا فاعتل جراء واقع مريض يعاني أهله حالة تخبط مريرة في تجارب بلهاء غير مسايرة للواقع الدولي المعاش ؟؟؟؟؟؟

أخيرا ، اذا ما بقي الوضع على حاله فلن يطول الوقت حتى يعرف السياسيون حجم الأخطاء التي ارتكبوها في حق البلد حين كانت تحتاج عقولا نيرة لا أياد ملطخة بالفساد .
‎2018-‎04-‎20
( الطالب الجزائري )