الزحف الأكبر جحافل العز تحتشد في ميادين العودة.. وشعبنا يرفض عودة عباس للحماية الدولية


خالد صادق

زحفت الجموع لتلبي نداء الواجب, خرجت في ذكرى يوم الأرض, كان الميدان مكتظا بالبطولات, والحكايا تتلى من جديد, والتاريخ يطوي صفحة مكتوبة ويدون تاريخاً جديدا في يوم العودة, تاريخ سطره الشعب الفلسطيني بشيبه وشبانه, أطفاله وزهراته, بناته ونسائه, كانت غزة كما عودتنا دائما على موعد مع النصر, تخط طريقها لمرحلة جديدة وتبشر بالعودة, غزة توقط النيام, وتفضح اللئام, وتجسد الوئام, وتكشف الزيف والأوهام, غزة تسطر صفحات العز بدماء الشهداء وانين الجرحى وأوجاع اللاجئين, تبعث الأمل من جديد وتوقظ الضمائر الحية, ترسم خريطة الوطن المتكاملة من النهر إلى البحر, وتزيل كل الأدران عن ثوبها الناصع ليزداد لمعانا.

العالم يقف مشدوها أمام إرادة الشعب الفلسطيني, الصورة مكتملة تماما, طفل يحمل حجرا, وفتاة تزرع علم بلادها فوق السلك الفاصل بينها وبين قريتها, وشاب يقبض بكلتا يديه على السلك الشائك ليخلعه من جذوره, وشيخ يحمل أوراق بيته المسلوب, وعجوز ترفع مفتاح بيتها بيدها وتصرخ في الجنود المتوارين خلف سواتر الرمل المتراكمة: هذا مفتاح بيتي وسأعود إليه, وان متنا فأحفادنا سيرثون هذا الواجب, فنحن لا ننسى أرضنا وبيوتنا وقرانا فالكبار يزرعون والصغار يحصدون, وفلسطين لا تتسع إلا للفلسطينيين وستلفظ كل الغرباء الأشرار عن جسدها الطاهر, والعودة ستتحقق بإذن الله مهما تعددت المخططات وتكاثرت المؤامرات.

ثلاث صور كانت تمثل حلما للفلسطينيين حتى تكتمل الملحمة وتتحقق الأمنيات, أولها تضامن الشارع العربي مع ملحمة العودة, والخروج بتظاهرات عارمة في العواصم العربية ليدرك الاحتلال ان حق العودة لا يمكن المساومة عليه أو إسقاطه, حتى لو كانت الإدارة الأمريكية أخذت الأمر على عاتقها, فأمريكا بجبروتها لا يمكن ان تلغي هذا الحق طالما تمسك به الفلسطينيون والعرب والمسلمون, كان المشهد العربي اقل بكثير مما هو متوقع, لكننا لا زلنا نتعلق بالأمل باستعادة الشارع العربي لامجاده, والتلاحم مع قضايا أمته وعلى رأسها القضية الفلسطينية, يجب ان يستفيق الشارع العربي ويستعيد دوره المناصر لفلسطين وقضيتها, لأن تصفية القضية الفلسطينية تمهد للاستيلاء على خيرات البلاد ونهب الثروات وتعزيز قوة وتفرد «إسرائيل»بالمنطقة.

الصورة الثانية هي خطاب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي لم يكن يتوقع استجابة الشعب الفلسطيني لدعوات الفصائل لإحياء يوم الأرض, فجاء الزحف مذهلا على غير تقديرات مستشاريه الأمنيين والسياسيين, فسارع لاستثمار الحدث وفق رؤيته الخاصة بطلب الحماية الدولية التي نرفضها تماما, فشعبنا لا يناضل ضد الاحتلال الصهيوني, من اجل جلب احتلال جديد, شعبنا يطالب يا سيد عباس بحريته واستقلاله ويناضل ويضحي من اجل ذلك, كنا نتوقع ان يلغي السيد عباس العقوبات عن غزة, ويسعى لاستئناف المصالحة مع حماس, خاصة بعدما اتضح من يقف وراء محاولة تفجير موكب الحمد الله, كنا نتوقع من سيادتك ان تطلق يد المقاومة في الضفة, وتفرج عن المجاهدين المعتقلين في سجونك وتدعم انتفاضة القدس ضد الاحتلال, وتدعو لإحياء يوم الأرض على نقاط التماس, لكنها على ما يبدو ستبقى مجرد أمنيات, ولن تتحقق.

الصورة الثالثة ردة الفعل الرسمية العربية على تداعيات يوم الأرض واستشهاد 16 فلسطينياً وإصابة نحو 1500 آخرين بجراح, لقد توج العرب هذا العطاء والتضحيات الجسام بدعوة الكويت لمجلس الأمن لعقد جلسة طارئة انتهت كالمعتاد بالفشل بإصدار بيان يدين الاحتلال على ارتكاب مجزرة بحق المدنيين الفلسطينيين العزل بعد ان اعترضت ممثلة أمريكا على البيان, وأصبح التعويل على مجلس الأمن والمؤسسات الدولية يمثل انتكاسة جديدة للقضية الفلسطينية, وخطوة بروتوكولية شكلية ليس من ورائها طائل, ونتيجتها معروفة مسبقا فهي لا تلبي أدنى طموحات شعبنا الذي بدأ يكفر بكل المؤسسات الدولية بعد ان فرغتها أمريكا من وظيفتها.

هذه الصور الثلاث لم تكن على مستوى الحدث, ولم ترق إلى صورة الملحمة التي سطرتها غزة بدماء أبنائها وتضحياتهم, إن الصورة الناصعة والتي قلبت كل الموازين هي صورة الزحف الجماهيري بعشرات الآلاف على حدود قطاع غزة, لقد شهد ميدان العودة ملاحم بطولية عظيمة, وقصصاً سيرويها التاريخ لعظمة هذا الشعب, لقد كان لوقع أقدامهم تأثير مباشر على هذا الكيان المسخ المسمى «إسرائيل», ووصلت الرسالة إلى الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي ودول الإقليم, لا لإلغاء حق العودة, لا للتوطين, لا للوطن البديل, وستبقى ثوابتنا خطاً احمر لا يمكن التفريط بها بأي حال من الأحوال.
‎2018-‎04-‎05