البعد الاجتماعي للدين


د.عدنان عويّد
في سنوات حصارنا الدامي في ديرالزور, والمعاناة التي وقعت علينا من طرف الفكر السلفي الظلامي التكفيري الداعشي. دفعني ذلك في الحقيقة لقراءة الفكر الديني لمدة ثلاث سنوات باحثاً عن جذور هذا الفكر التكفيري وأسبابه, وخاصة فيما يتعلق بفهم دعاته للنص الديني المقدس وتفسيره وتأويله والقواعد الفقيهية التي ساروا على هديها, ونتيجة لهذه القراءة الموسعة والمعمقة في هذا الاتجاه, قمت بكتابة العديد من المقالات والدراسات في الفكر الديني, سأقوم بنشرها على صفحة الفيس الخاصة بي, وفي بعض المواقع الالكترونية. رغبة مني بطرح رؤى معاصرة في الفكر الديني, تأتي من باب الاجتهاد الشخصي من كاتب وباحث يهتم بقضايا التنوير. منطلقاً من الحديث الذي يقول: (من اجتهد وأصاب فله أجران, ومن اجتهد ولم يصب, فله أجر واحد.).
المقال الأول:
البعد الاجتماعي للدين
د.عدنان عويّد
يتحدد البعد الاجتماعي للدين في كونه يتصل اتصالاً مباشراً بالمجتمع ومؤسساته الاقتصادية والسياسية والثقافية. أي أن الواقع هو من يحدد طبيعة الدين وسماته وخصائصه وبالتالي وظائفه. وعلى هذا الأساس جاء النص القرآني منجماً, أي مفرقاً وجاء فيه الناسخ والمنسوخ.
ففي الوقت الذي نج فيه أن المواطن العادي يشتغل على الدين, نجد الدولة والمجتمع يشتغلان عليه أيضاً, وإذا كان الفرد يمارس ديانته طقوساً تعبدية, فهو يمارس الدين أيضاً في تعامله مع الناس عبر الحياة اليومية المباشرة, فالوعي العام للفرد في حقيقته التاريخية هو وعي فقهي, غالباً ما يتكئ على العقيدة الدينة في تحديد وضبط ما يمارسه أو يقوله للآخرين بناءً على مسألتي الحرام والحلال اللتين حددهما الدين الذي ينتمي إليه.
أما على مستوى الجماعة, فيأتي هنا دور شيوخ الطرق والمذاهب والفرق التي تفرعت عن الدين الأساس, إما بسبب تفسير الدين وتأويله وفقاً لما رأه الشيوخ والفقهاء والمتكلمون الأوائل الذين أحدثوا هذه الفرق والطوائف والمذاهب تاريخياً وخاصة في العصور الوسطى الإسلامية, حيث امتد فهمهم هذا وطرقهم ومذاهبهم وطوائفهم عبر التاريخ عن طريق مشايخ دين لاحقين لهم أمنو بفكر هذه الفرقة أو الطائفة أو هذا المذهب, وظلوا يحملون هذه الأمانة الدينية للأجيال اللاحقة من أبناء طوائفهم ومذاهبهم وفرقهم. أو أن سبب التفرع هذا جاء نتيجة الصراع على السلطة السياسية تاريخياً, حيث جاء تفسير النص الديني أو تأويله وكذلك وضع مئات الآلاف من الأحاديث المزورة خدمة لهذا الصراع القائم على أحقية هذه الطائفة أو الفرقة أو المذهب في تسلم السلطة والاشراف على أمور الدين والدنيا ومصالح العباد, كما جرى في صراعات العصور الوسطى الإسلامية بين السنة الشيعة حول أحقية خلافة علي أم أبي بكر أم عمر وعثمان ..إلخ. وهل الخلافة بالوصية أم بالشورى أم هي حكم عضوض تأتي بالوراثة!, وبالتالي تقسيم هذه الأمة إلى ثلاثة وسبعين فرقة كل واحدة منها تقول هي الفرقة الناجية وما تبقى في النار.
أما بالنسبة لتوظيف الدين من قبل الدولة أو الأحزاب السياسية فيأتي هنا وفقاً لرؤى أيديولوجية تتبناها القوى الحاكمة أو الأحزاب الدينية السياسية. فإذا كانت الدولة التي تنهج في خطابها أو أيدولوجيتها التوجه العلماني, فإن اتكاءها على الدين يأتي هنا وفقاً لسببين أساسيين هما:
الأول: محاولة الدولة أو الحكومة شرعنة سياساتها العلمانية وفقاً لما جاء في الدين من نصوص تؤيد هذه السياسة, وهي بالتالي ترمي من خلال هذه الشرعنة كسب المواطنين إلى جانبها على أساس أنها تراعي الوعي الديني الذي يحتل مساحة واسعة من وعي المواطنين. وعلى أساس هذه السياسة تقوم الدولة ببناء المساجد, وتسهيل كل ما ييسر وصول العلوم الدينية إلى المواطنين عن طريق مؤسسات دينية تتبناها الدولة وفي مقدمتها وزارات الأوقاف ودور الإفتاء وغيرهما.
الثاني : محاولة القوى الحاكمة المسيطرة على الدولة كسب رجال الدين ومشايخه إلى جانبها, وتقديم كل الدعم لهم عبر مؤسسات الدولة ذاتها من أجل إقناع الجماهير المتدينة أصلاً بالموافقة على هذه القوى الحاكمة بإسم الدولة, كما هو الحال في علاقة مشايخ الوهابية في السعودية مع البيت الحاكم من آل سعود على سبيل المثال لا الحصر, مع التأكيد هنا على أن هؤلاء المشايخ المرتزقة همليسوا أكثر من أدوات قادرة القوى الحاكمة على إبعادهم ومحاسبتهم إن شعرت بأن ما يبشرون به دينياً لم يعد يتفق وما يحقق مصالحهم, كما فعلت السعودية مؤخراً في توقيف وسجن الكثير من مشايخ الوهابية الذين عملوا لخدمة النظام الحاكم السعودي, ولكن طبيعة التحولات العالمية والصراع مع القوى الإرهابية ساهم في اعتبار أن السياسة الدينية المتبعة من قبل هذه المشايخ لم تعد تخدم النظام ولا بد من تصفيتهم, وهذا ما تم بالفعل على يد ولي العهد : “محمد بن سلمان”.
أما بالنسبة لتوظيف الدين أيديولوجياً من قبل الأحزاب السياسية الدينية. فوظيفة الدين تأتي هنا أكثر عمقاً وجذرية وشمولية في فهم الدين وتطبيقه, حيث أن هذه الأحزاب تطرح الدين مشروعاً سياسياً يعمل على إعادة هيكلة الدولة والمجتمع اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وفقاً للنص الديني المقدس. أي هي تطرح (حاكمية النص الديني) بدلاً عن مشروع أيديولوجيا الدولة العلمانية ليبرالية كانت هذه الدولة او اشتراكية أو غير ذلك. وهنا تكمن خطورة هذا الخطاب السياسي الذي قد يأتي في الغالب مترافقاً مع العنف المشرعن بإسم الدين. ويتحول المجتمع في بنيته أو مكوناته على أساس هذه الحاكمية من بنية المواطنة إلى بنية الفرقة الناجية, ومن بنية العمل الحكومي القائم على الصح والخطأ, إلى بنية العمل القائم على الحلال والحرام, ومن بنية التفكير القائم على العقل في إدارة شؤون الدولة والمجتمع, إلى بنية النقل وإيقاف عجلة التاريخ وتبديع المجتهد والمبدع. وهذا التحول سينتهي بالضرورة إلى إعادة تشكيل محاكم للتفتيش يحاسب فيها الإنسان على أهواء وفهم من بيدهم القرار أو السلطة. أي الفرقة الناجية.
كاتب وباحث من سورية.
d.owaid333d@gmail.com
‎2018-‎03-‎21