جنوب افريقيا، تحرير غير مُكْتَمِل
الطاهر المعز
دامت فترة التمييز العُنْصُرِي رسميا من 1948 إلى 1994. وكان جيش ومخابرات جنوب إفريقيا على علاقة وثيقة بالكيان الصّهيوني وبالإستعمار البرتغالي (أنغولا وموزمبيق وجزر الرأس الأخضر وغينيا بيساو) وبالقوى الإمبريالية وبالشركات متعددة الجنسية التي أججت حروب الإنفصال في مقاطعة “بيافرا” (نيجيريا) و”كابيندا” (أنغولا) و”كَسّايْ” (الكونغو) وغيرها، ودعمت –إلى جانب الكيان الصهيوني- أشد الفئات رجعيةً خلال الحُرُوب الأهلية التي اندلعت بعد استقلال المُسْتعمَرات، ولكن ضَعُفت أهمية نظام الميز العنصري بانهيار جدار برلين والإتحاد السوفييتي، مما أدّى إلى البحث عن وِفَاق يحفظ المصالح الإقتصادية للرأسماليين الإستعمارِيِّين البيض (الأوروبيين) ويُمَكِّن مُمَثِّلِين عن الأغلبية (السكان الأصليين) من مقاليد الحكم السياسي، مع مراعاة بُنُود الوفاق التاريخي، ومَصالح الرأسماليين الأوروبيين… وهذا الجانب من “الإنتقال السياسي السّلِس” شبيه بما حصل في العديد من المُسْتعْمرات (مع الفارق في التشبيه بين جنوب إفريقيا والمُستعمرات التي “استقَلّت” خلال عقد ستينيات القرن العشرين)، وأدّى إلى حكم البرجوازية الكُمْبرادُورِية المحلية التي تُمثل مصالح القوى الإمبريالية وشركاتها، وتغيير الإستعمار العسكري المباشر باستعمار اقتصادي وسياسي، يُجَسِّدُهُ وُكلاء مَحَلِّيُّون، أما في جنوب إفريقيا فإن قادة المؤتمر الوطني الإفريقي أصبحوا يُمَثِّلُون مصالح رأس المال المحلي والمصارف والشركات التي تستغل المناجم والطاقة الكهربائية والإتصالات والإنشاء وغيرها، وأصبحوا يُمثّلُون ضمانة لإستثمارات الأجنبية وللبورصة…
يُقارن بعض الدّاعمين لقضية الشعب الفلسطيني وضع فلسطين المُحْتلّة بوضع جنوب إفريقيا (قبل 1994)، وهي مقارنة غير دقِيقَة (ولا تَجُوز سياسيا وتاريخيا)، لأن المُستوطنين الصهاينة هَجّرُوا بالقوة أغلبية الشعب الفلسطيني من الأراضي التي احتلوها سنة 1948، واستوردوا سُكّانًا من أوروبا الشرقية والغربية، ثم من جميع أنحاء العالم، وأصبحت أغلبية الشعب الفلسطيني لاجئة في بلدان الجوار، وبينما استغل الرأسماليون البيض شعب “أزانيا” (جنوب إفريقيا)، رفعت القوى السياسية والنقابات الصهيونية (منذ عقد عشرينيات القرن العشرين) شعار “العَمل اليهودي”، ومنع تشغيل الفلسطينيين العرب ولو بأجر منخفض، وتبقى المهمة الرئيسية للشعب الفلسطيني هي مهمة التحرير الوطني (تحرير الأرض من المُستعمِر المُسْتَوْطِن) وليست تحقيق “المُساواة في الحقوق”، فالمُسْتَوْطِنُون لا حق لهم في فلسطين…
استلم المؤتمر الوطني الإفريقي السلطة إثر مفاوضات دامت سنوات مع رُمُوز السلطة الرأسمالية “البيضاء”، وخرج الزعيم “نيلسون مانديلا” من السجن (11 شباط 1990) بعد أشهُرٍ قليلة من انهيار جدار برلين (09 تشرين الثاني/نوفمبر 1989)، وبعد أقل من ثمانية أشهر من “وفاق واشنطن” (وفاق رُموز الرأسمالية العالمية على تسيير الإقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد انهيار الإتحاد السوفييتي – حزيران 1989)، وجرت أول انتخابات ديمقراطية سنة 1994، بعد الإتفاق على تفاصيل أساليب الحكم وتسْيِير الإقتصاد، ويتضمن اتفاق الحكم الإنتقالي الحفاظ على الإستقرار وعدم تأميم الأراضي والشركات وعدم مصادرة الأموال والمُمْتَلَكات التي اكتسبها الرأسماليون المُسْتَعْمِرُون البيض (الأوروبِّيُّون) من استعباد واستغلال السكان الأصليين للبلاد، لكي يتواصل الإستثمار المحلي، ويتواصل تَدَفُّق الإستثمارات الأجنبية… إن إلقاء نظرة سريعة على الوضع الحالي في جنوب إفريقيا يُعْتَبَرُ ضروريًّا وهامًّا للمُهتمِّين بنضال الشعب الفلسطيني، وهامًّا كذلك للمنظمات الفلسطينية، بهدف استخلاص الدّرُوس وتَصْويب الشعارات والمطالب والأهداف وأساليب النِّضال باتِّجاه تحرير الأرض والإنسان، ومزج برنامج التحرير الوطني بالتحرير الإقتصادي والإجتماعي…
قاوم مناضلو حزب “المؤتمر الوطني الإفريقي” نظام الإستعمار والميز العنصري في جنوب إفريقيا، وكان للحزب جناح مُسَلّح ضَمّ “نيلسون مانديلا” الذي أصبح أول رئيس لجنوب إفريقيا سنة 1994 بعد مفاوضات أفْضَتْ إلى تنظيم انتخابات عامّة، لكن الوضع الإقتصادي للمواطنين الأصلِيِّين السود لم يتغير كثيرًا، وسبق أن أوردنا بيانات وأرقام تُثْبِتُ ذلك في مختلف أعداد نشرة الإقتصاد السياسي… بعد أكثر من عقدين صارَ الصراع على السُّلطة يدور بين الزّعماء السُّود الفاسِدِين، وآخرهم رجال الأعمال “سيريل رامافوزا” ونائب رئيس الحزب الذي أصبح رئيسا لجنوب إفريقيا عقب إزاحة “جاكوب زوما” عن الرئاسة (18/02/2018)، ويُعْتَبَرُ الرئيس الجديد -لِأقْوَى اقتصاد في إفريقيا- أحَدَ كبار الأثرياء في قارّة إفريقيا بثروة قدرها 450 مليون دولارا، بينما لا يتجاوز الأجر الأدْنى الشّهري للعمال 250 دولارا (حوالي ثلاثة آلاف دولارا سنويا) وبلغت نسبة البطالة الرّسمية 27,3 % من القادرين على العمل (قوة العمل) سنة 2017، ولم يأت هذا الرئيس البُرْجُوازِي من خارج الحزب بل من داخله (منذ سبعينيات القرن العشرين)، وكان يقود المفاوضات مع النظام العنصري حول تفاصيل المرحلة الإنتقالية، وضمان عدم المساس بالأراضي والممتلكات والثروات التي جمعها المستوطنون الأثرياء الأوروبيون (البيض)، عبر المُصادرة والإستعباد والإستغلال الفاحش، وأصبح رئيسا للجمعية التأسيسية التي صاغت الدستور الجديد، ويمتلك “سيريل رامافوزا” امتياز “ماكدونالدز” في جنوب إفريقيا (رمز الأكل الرديء ورأس المال العابر للقارات، ورمز الهيمنة الأمريكية)، وكان مَسْؤُولاً في شركة التعدين “لونمين” التي انتفض العُمّال مرات عديدة ضد استغلالها الفاحش ورواتبها المنخفضة، وكان مديرا للشركة أثناء مجزرة منجم “ماريكانا” خلال الإضراب الذي نظمه العمال سنة 2012 وقتلت شرطة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي (الحاكم) 34 عاملاً مُضْرِبًا في يوم واحد، كما كان الرئيس الجديد مُدِيرًا في شركة الاتصالات الوطنية “إم تي إن”، ورَحّب المَسْؤولون عن نقابة أرباب العمل بالرئيس الجديد، كما ارتفع مؤشر أسهم بورصة العاصمة “جوهانسبيرغ” (مُؤَشِّر أكْبَر 40 شركة) بنسبة فاقَتْ 4%، وارتفعت قيمة العُمْلَة المحلية (الراند) لأعلى مستوياتها في ثلاث سنوات، مقابل الدولار الأميركي، لكن النمو بطيء منذ ثلاث سنوات ويُطالب الفُقَراء منذ نهاية نظام الميز العنصري بتوفير المياه والكهرباء والسّكن اللائق والرّعاية الصّحيّة، ولا يتوقع أن يهتم الرئيس الجديد بمشاغل الفُقَراء والعاطلين عن العمل والعُمّال والموظفين والمنتجين من ذَوِي الدّخل المُنْخَفِض، لأنّه ينتمِي إلى طَبَقَةٍ أُخْرَى…
يَنُصُّ دستور 1996 على حرية تأسيس الأحزاب وعلى حق تأسيس النقابات وحق الإضراب (وهو ما كان ممنوعًا في ظل نظام الميز العُنْصُرِي)، ونَصّ الدّستور و”وثيقة الحقوق الأساسية” على مجموعة من الحقوق الإقتصادية والإجتماعية ومنها حق المواطنين في السكن اللائق والغذاء والماء والرعاية الصحية والعلاج والحماية الإجتماعية وغير ذلك من الحقوق التي بقي معظمها حبرًا على ورق، حيث ارتفعت نسبة البطالة والفقر، وتعمقت الفجْوَة الطّبَقِيّة، خصوصًا خلال العقد الأخير، رغم التطورات الإيجابية، حيث نما الإقتصاد (أو إجمالي الناتج المَحَلِّي) خلال حكم المؤتمر الوطني الإفريقي بمتوسط 3,5 % سنويا، وحصل ملايين المواطنين السّود على المسكن وعلى المياه النّقِيّة والكهرباء، لكن لا يزال 32,2 % من المواطنين محرومين من المياه الصالحة للشرب و19,8 % محرومين من الكهرباء، ويعيش حوالي 12 مليون مواطن تحت خط الفَقْر…
ظهرت نواقص أو سَلْبِيّات “الإنتقال السّلِس” منذ البداية حيث تظاهر 200 ألف عامل تحت لواء اتحاد العُمّال “كوساتو” يوم 12/02/1990، خلال أول لقاء مباشر بين نيلسون مانديلا وجمهور المؤتمر الوطني الإفريقي في ملعب العاصمة “جوهانسبورغ”، ثم في حزيران 1992 وطالب العُمال بحرية تأسيس النّقابات وبرواتب تُمَكّن العامل من العيش، وأَضْرَبَ أربعة ملايين عامل في آب/أغسطس 1992 من أجل زيادة الرواتب وتحسين ظروف العمل وحرية تأسيس النقابات، وطالب اتحاد النقابات “كوساتو” منذ 1992 ببناء مليون مسكن بأسعار مناسبة وتأمين الكهرباء لنحو 2,5 مليون مواطن، وتجهيز مليون مسكن قديم بالماء والصرف الصحي، قبل حلول سنة 2000، ونشر الإتحاد النقابي برنامجًا اقتصاديًّا (كِينزيا) يدعو إلى “التنمية الإقتصادية عبر إعادة توزيع الثّرْوة المُنْتَجَة” (وليس إعادة توزيع الثروة بشكل مُطْلَق) أي زيادة نصيب العُمّال والأجَرَاء، لكي يرتفع حجم استهلاكهم…
وضعت انتخابات 1994 (وانتصار حزب المؤتمر الوطني الإفريقي بنسبة تقارب 63 % من الأصوات وبنسبة مشاركة قاربت ال100 % ) حَدًّا لهذه الحركة الإحتجاجية والمطلَبِية، وبدل إرساء بَدِيل للميراث الإقتصادي والإجتماعي لنظام الميز العُنْصُرِي، عملت حكومة نيلسون مانديلا على طَمْأَنَةِ الرأسماليين وإقرار “اقتصاد السّوق” و”الإعتدال السّياسي”، بهدف “الحفاظ على مكانة جنوب إفريقيا في التقسيم العالمي للعمل”، وفق تصريح لوزير المالية (الأبيض) سنة 1994، وأثارت هذه السياسة احتجاجات الأُجراء الذين بقيت رواتبهم ضعيفة وساءت ظروف عملهم (إضراب عُمّال الصحة خلال شهرَيْ تشرين الأول وتشرين الثاني 1995)، وأقرّت الحكومة خصخصة بعض شركات القطاع العام وسَنّتْ قوانين معادية للعمال، مع حوافز وإعفاءات جِبائية لأصحاب الشركات والأثرياء (آذار/مارس 1996)، مما زاد من الجَفَاء بين الحزب الحاكم (الذي كان يمثل حركة التحرر الوطني) والطبقة العاملة (والأُجَراء بشكل عام)، وتمكّن المؤتمر الوطني الإفريقي من شراء دعم قيادة الإتحاد النقابي (كوساتو)، عبر ترشيح قياداتها للبرلمان والمؤسسات المحلية ولمناصب ووظائف حكومية برواتب مرتفعة، وتحولت “كوساتو” من اتحاد نقابي مناضل إلى جهاز بيروقراطي يعمل على “تطْبِيع” العلاقة بين رأس المال والعَمل، أو ممارسة “الوفاق الطبقي”، لكن القاعدة النقابية لم تمتثل لهذه السياسة وتعددت الإضرابات بين 1996 و 1998 (3,8 مليون يوم إضراب سنويا) من أجل تحسين الرواتب وظروف العمل وضد الخصخصة (المُدَرِّسُون وموظفو القطاع العام وعمال البلديات وغيرهم)، وظهرت بداية من 1999 حركات اجتماعية شعبية مُعارضة للخصخصة وضد غلاء إيجار المَسْكن، مع المطالبة بتوفير الكهرباء ومياه الشُّرْب للجميع، وحركات تطالب بتوزيع عادل للثروة، حيث أظهر بحث نشره مركز خدمات بحوث العمل (ليبور ريزيرش سرفيسز) ارتفاع رواتب أصحاب الوظائف في أعلى السّلم بنحو 29 % سنويا بين 1995 و 2005 بينما ارتفع متوسط رواتب العمال وصغار الموظفين بنحو 6,5 % سنويا، أو ما يُعادل نسبة التضخم، مما أثار غضب مليون موظف في القطاع العام الذين أضربوا لمدة أربعة أسابيع في حزيران 2007، وارتفع عدد المظاهرات (وعدد المُشاركين) ضد التفاوت الطبقي، وتجسّدت مقولة “الأثرياء يزدادون ثراءً والفُقَراء يزدادون فَقْرًا”، خصوصا بداية من 2006 حيث ارتفع عدد المظاهرات المحلية أو التي ليست لها صبغة وطنية شاملة (في الأحياء الشعبية وضواحي المدن الكبرى) إلى قرابة ستة آلاف مظاهرة سنويا، كما ارتفع حجم مُشاركة النقابيين في نضالات المواطنين خارج مكان العمل (العاطلين عن العمل والفُقراء والمحرومين من الخدمات الأساسية)…
مثلت إضرابات عُمّال البناء، قبل فعاليات كأس العالم 2010 وإضرابات عمال المناجم بداية من 2012 قطيعة بين الطبقة العاملة وقيادة المؤتمر الوطني الإفريقي من ناحية، وقطيعة بين القيادة البيروقراطية للإتحاد النقابي “كوساتو” والطبقة العاملة من ناحية أخرى، وشكلت هذه الإضرابات (وما تلاها من قَمْعٍ وحْشي) فُرصة لتعزيز النقابات المستقلة بعناصر مناضلة من العمال، غادرت “كوساتو”، لأن قياداتها أصبحت تُدافع عن نظام الحكم بدل الدفاع عن مصالح العُمّال… أما القطيعة مع منظمات “المجتمع المدني” المناضلة والتي كانت حاضنة الحزب الحاكم في الأحياء الشعبية، فقد تجسّدت في الإحتجاجات ذات الصبغة المطلبية والإجتماعية المتواصلة في مُدُن الصفيح (تاون شيب) منذ أيار 2009 من أجل توفير الوظائف للعاطلين وتوفير المسكن اللائق والكهرباء وماء الشُّرْب في هذه المناطق التي كان سُكّانها في طليعة المناضلين ضد نظام الميز العنصري…
يمكن استخلاص عديد الدُّرُوس المُفِيدة من تجربة نضال المؤتمر الوطني الإفريقي، ومن ذلك المزْج بين مختلف أنواع النضال، وممارسة النضال السياسي والجماهيري والسّرِّي والمُسَلّح، وانغراس المنظمة في الأوساط الشعبية وأوساط الفُقَراء والطبقة العاملة والمُثَقّفِين، كما وجب استخلاص الدّروس من الشعارات وسير المُفاوضات (رغم الوضع الدولي الخاص الذي سمح بحصول هذه المفاوضات)، وتقييم أداء حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في الحكم… قد لا يَجُوز تشبيه وضع جنوب إفريقيا بوضع “أشباه المُسْتَعْمَرات” أو البلدان الواقعة تحت الهيمنة الإمبريالية، لأن جنوب إفريقيا بلد ذو اقتصاد قوي وشركات مُهيمنة في ميدانها على المنطقة والبلدان المجاورة، لكن الإقتصاد يعتمد في جزء هام منه على قطاع المناجم، حيث لا يزال وَضْعُ الطبقة العاملة مُزْريًا والرواتب منخفضةً وظروف العمل والسّكن سيِّئةً جدًّا…
أما خارج المدن الكُبْرَى فإن ملايين السّكّان يعيشون في مدن الصفيح في وضع شبيه بالعديد من بلدان إفريقيا وأمريكا الجنوبية وبعض بلدان جنوب آسيا، فقد ارتفع حجم الثروات (الناتج الإجمالي المحلي والناتج الوطني) كما تَعَمَّقَت الفجوة الطّبَقِيّة، وفي مثل هذه الحالات، فإن التغييرات وبعض المُكتَسَبات التي تحقَّقَتْ منذ انهيار نظام الميز العنصري لم تَرْتَقِ إلى مستوى التضحيات وإلى مستوى الآمال التي عَلَّقَها الفُقَراء على حكم المجلس الوطني الإفريقي، لأن شعار “لكل مواطن صوت” لا يتجاوز مستوى الحريات الديمقراطية الأساسية، أما المساواة الحقيقية فتعتمد على أساس “من كل حسب جُهْدِهِ (أو طاقته في مرحلة ثانية) ولكل حسب احتياجاته”…
بالعودة إلى المقارنة التي يُجْرِيها البعض مع فلسطين، نُشِير مرة أخرى إن الوضع يختلف إذ لا يجُوز مُساواة المُستعْمِرِ -المُسْتَوْطِن الذي ينفي وُجُودَ السكان الأصليين- مع أصحاب البلاد، الذين شَرّدَ مُعْظَمَهُمُ هؤلاء المُسْتَوْطِنون المُسلّحون والمدعومون من الإمبريالية، كما لا يَجُوز مكافأة المُسْتعمِر-المُسْتَوْطِن بإهدائه جُزْءًا من البلاد (الوطن) التي اغتصبها، أو تقاسُم الوطن وثرواته معه، لأنه في تلك الحالة سيبقى مُهَيْمِنًا سياسيّا واقتصادِيًّا، رغم ارتقاء فئة صغيرة من أهل البلاد بضع درجات في السّلّم الطبقي (بعض قيادات “فتح” وبعض العُملاء)… إن قضية فلسطين هي قضية تحرير وطني ذي خلفية اجتماعية وطبقية، وهي تهدف إنهاء الإستعمار الإستيطاني، وليست قضية مُساواة بين المُسْتَعْمِر والمُسْتَعْمَرة أرضُهُ ووطَنُهُ، وعلى أي حال فإن هذه المساواة مُسْتَحِيلَة، لأن ملكية أرض البلاد وسمائها وبحرها وثرواتها تعود إلى الشعب الفلسطيني (كمجموعة وكأفراد)، ولا حق للمستوطنين في أي شبر منها…
عندما أصبح نظام الميز العُنصُرِي يُشكِّلُ عِبْئًا على الإمبريالية التي كانت تَدْعَمُهُ، بدأت بالتّخَلِّي عن هذا الشكل من الحكم (نظام الميز) وبدأت تبحث عن الشكل المُناسب للحفاظ على مصالحها، وبدأت بعض الشركات الكُبْرَى تستجيب لمطلب المُقاطَعة لأن الخسارة جراء التعامل مع نظام جنوب إفريقيا أصبحت تفوق الرّبح، ولذلك وجب نَشْر وتوسيع وتعميق مطلب وشعار وممارسة مقاطعة العدو الصهيوني في كافة المجالات (السياسية والإقتصادية والأكاديمية وغيرها)، مع تكثيف كافة أساليب المُقاومة، لكي يرتدع راس المال عن الإستثمار (في مناخ غير مُسْتَقِر) ولكي يُغَيِّرَ السائحُ وجْهَتَهُ ولكي ينخفض عدد المُسْتَوْطِنِين الجُدُد، بل لِيُهاجرَ بَعْضُ القُدامَى، وهذه عوامل تُساعد في إضعاف الكيان الصهيوني في مرحلة أولى، قبل انهياره، وانهياره لن يكون تلقائيّا أو نتيجة عوامل داخلية فقط، بل باشتداد الضغط…

المراجع: “معهد دراسات الكُمُنُوِيلْث” (جامعة لندن) – “الحركات الإجتماعية في جنوب إفريقيا 1994-2011” – وثائق نقابة “كوساتو” 1996- 2014 + موقع صحيفة “فايننشال تايمز” (بريطانيا) + “النشرة العمالية لجنوب إفريقيا” أو “ساوث أفريكان ليبور بولتان” و”التقرير السنوي للبحوث العمالية” أو “ليبور ريزرش سرفيس أنّوال ريبورت” من 2011 إلى 2016 + دراسة نشرتها مجلة “مونثلي ريفيو بْرسْ” عن الحركة الإجتماعية خلال فترة حكم المؤتمر الوطني الإفريقي بعنوان ( We are the poors : Community Strggles in Post-Apartheid South Africa 2002-2004
‎2018-‎03-‎21
عن نشرة كنعان