جامعاتنا الجزائرية.. وظاهرة السمع والطاعة

محمد علي القاسمي الحسني
تعتبر الجامعة في الدول المتقدمة فضاء حرا للإبداع الفكري و البحث العلمي الذي يمكن الحكومات و الشركات الاستفادة من هذه العقول التي تنشئ لخدمة دولها ، و لكن النقيض في الجزائر التي ينشئ طلبتها على السمع و الطاعة للخطاب الموجه لهم لتوجيههم وفق ما يراد لجعلهم بيادق يسهل التحكم بها و تسييرها و هذا ما جعل الجامعة الجزائرية لا تنجب عباقرة أو مفكرين أحرار بقدر ما تخرج ألوف البطالين التبع سنويا .

إن الجامعة الجزائرية لم تكن يوما منقطعة عن النسق العام الذي تسير فيه البلاد ، فمنها تخرجت القيادات اليسارية و اليمينية و الإسلامية بل و حتى تلك التي قادت الجماعات الإرهابية يوما ، فهي التي أدخلت البلاد في صراع إيديولوجي ثم مسلح فقد كانت هذه الأخيرة و لازالت دوما بؤرة توتر و لم تنعزل يوما عن الواقع المعاش للبلاد و الطبقة السياسية العليا في البلاد على علم بهذه الحقيقة التي لا يتناقش فيها اثنان ، و لكن الإشكال المؤرق لماذا تصمت هذه الطبقة على حالة التخلف و الفساد التي تعرفها الجامعة .

فحالة الفساد و التخلف التي تعيشها الجامعة الجزائرية هي واقع مرير فرض نفسه بقوة على الساحة الوطنية و لعل الفضائح الدورية التي تنشرها الصحافة الوطنية و بعض صفحات وسائل التواصل الاجتماعي حول بعض القضايا التي يكون أبطالها مدراء جامعات أو أساتذة و المتراوحة بين إنجاح أقاربهم ، تزوير محاضر الدكتوراه ، قبض الرشوة لأجل إنجاح فلان و من هذه الحالات وقعت المئات ، كل هذا من نخبة يفترض أنها مثقفة و تمثل عماد المجتمع نظرا لتصديرها للكفاءات العلمية و العقول النيرة ، لكن الجامعة الجزائرية مع الأسف تتقهقر في كل النواحي يوما بعد آخر لعديد الأسباب المتعارف عليها لكن و مع الأسف يتجنب حلها لغاية في نفس يعقوب .

فالتحدث من قبل وزارة التعليم العالي عن تقدم الجامعة الجزائرية يعتبر أسطورة يكذبها الواقع المعاش و التصنيفات الدولية ، فالجامعة الجزائرية في السنوات الأخيرة أصبحت وكرا للممارسات اللأخلاقية ، فيكفي أن ست طالبات قتلن و انتحرن في شهر واحد هربا من عصابة فساد كن مشاركات فيها ، كما أن أفضل جامعة جزائرية تصنف رقم 2250 على المستوى العالمي ، أي أنها جامعات فاشلة لا تقدم وشيئا للبلد ، و إلا فكيف تفسر الحكومة عدم وجود بحوث استشرافية لأزمة النفط أو بحوث علمية للنهوض بالاقتصاد الوطني و الإصلاح المجتمعي ، ثم كيف يمكن للدولة الجزائرية التي تفتقر جامعاتها للمخابر البحثية و أحدث الإصدارات العلمية ، فكيف يراد للجزائر التخلص من التبعية لفرنسا الاستعمارية ، التي تعتبر أحد الدول الكبرى سياسيا و المتقدمة علميا و تشغل حيزا فكريا و علميا في الفكر البشري ، و هي التي لا تصدر مئة بحث علمي سنويا ؟؟؟؟

إن الوظيفة الأساسية للجامعة هي تخريج القامات الفكرية و اليد العاملة التي يستفيد منها البلد ، و لكن على النقيض فان الجامعة الجزائرية تخرج آلاف البطالين سنويا يدرسهم آلاف الأساتذة السائرين كالقطيع وراء الخطاب الرسمي خوفا من الفصل أو العقاب ، و بالتالي يبتعد هؤلاء عن تقديم التحليل و النقد و التفسير للظواهر المجتمعية إلى اللهث وراء تحصيل الراتب الشهري و الدوران في روتين دائم يتمثل في التدريس و حضور بعض الملتقيات دون محاولة البحث العلمي في المواضيع التي تهم الأمة و تنهض بها أو توجيه الطلاب إلى ما يمكن أن يجعل منهم قامات فكرية ، و بالتالي فقد تحولت الجامعة الجزائرية لمحتشد بشري يتخرج منه بطالون أو خطباء باسم النظام .

و في الأخير ، فان التقدم بالجامعة الجزائرية يتطلب تظافر الجهود بين وزارة التعليم العالي التي يجب أن ترفع ميزانية البحث العلمي داخل الجامعات و المراكز البحثية شبه المنعدمة ليقودها أساتذة لهم كفاءة فكرية و علمية عبر مجموعة أبحاث ترتقي بالعقل الجمعي الجزائري ممثلا أساسا في إصلاح عقول الطلبة و السير بها لتشكيل عقل نقدي مبدع سيؤدي لا محالة لنهضة شعبية للجزائر ، و إلا فان تصدير الجامعة للبطالين و الجهال سيستمر مع حالة الفوضى و الفساد السائدتان داخلها نظرا لتسييرها بطريقة اعتباطية في التفكير و التنظيم تؤدي لا محالة إلى بقاءها راكدة ، قليلة البحوث و عديمة الفائدة .
( الطالب الجزائري )
‎2018-‎03-‎20