بريق أمريكا لا يزغلل العيون: مؤتمر كوشنر واصدقائه العرب

خالد صادق
بمشاركة تسعة عشر دولة من بينها دول عربية خليجية, وبغياب السلطة الفلسطينية ووكالة الغوث الدولية «الأونروا» كأهم مؤسسه داعمة للاجئين الفلسطينيين, انعقد مؤتمر اقتصادي مريب في واشنطن تحت عنوان «مؤتمر بناء اقتصاد قابل للحياة في غزة», دعا إليه صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمبعوث الخاص للسلام في الشرق الأوسط جاريد كوشنير, المؤتمر يشخص القضية الفلسطينية على أنها قضية إنسانية اقتصادية اغاثية وليست سياسية, ويأتي في وقت حساس يمهد فيه لتمرير ما تسمى بصفقة القرن, وقد مثلت «إسرائيل» في هذا المؤتمر وجلست على طاولة واحدة مع دول عربية تزعم أنها لا تقيم علاقات مع «إسرائيل» وهذا احد أهم أسباب انعقاد هذا المؤتمر.

وقد جاء هذا المؤتمر الاغاثي بعد تقارير دولية حذرت من كارثة إنسانية حقيقية في قطاع غزة, وانهيار كامل للوضع الإنساني هناك, مما ينذر بانفجار جماهيري شعبي في وجه الاحتلال تخشاه «إسرائيل» وتحذر منه فقد لا تستطيع مقاومته والتصدي له, فجاء هذا المؤتمر لعدة أسباب أهمها.

أولا: حفظ ماء وجه الإدارة الأمريكية التي قلصت مساعداتها للسلطة الفلسطينية ووكالة الغوث الدولية واتخذت مواقف عديدة وغير مسبوقة لصالح «إسرائيل» على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.

ثانيا: تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية لشعب محتل أرضه مغتصبة إلى قضية اغاثية وإنسانية الهدف منها تحسين الأوضاع المعيشية للناس وحل مشكلاتهم الاقتصادية.

ثالثا: إقامة علاقات مباشرة بين الدول العربية و «إسرائيل» والجلوس معها لإقناعها بتخفيف الحصار عن قطاع غزة, وتحسين أوضاع الناس في مقابل التطبيع وإقامة علاقات مباشرة مع الكيان الصهيوني.

رابعا: تبريد جبهة غزة ونزع فتيل التوتر بين الاحتلال والفصائل الفلسطينية, ولعب دول عربية دور الوسيط للقيام بذلك والقبول بسياسة الأمر الواقع وفق ما تمنحة الإدارة الأمريكية والاحتلال للفلسطينيين.

خامسا: تمرير ما تسمى بصفقة القرن بهدوء قدر الإمكان, والصمت على سياسة الإدارة الأمريكية الساعية للسيطرة على المنطقة وإدارتها سياسيا واقتصاديا, وفك عزلة «إسرائيل» من خلال ترسيخ سياسة التطبيع.

سادسا: زيادة الفجوة بين موقف السلطة الفلسطينية من جهة ودول عربية أخرى تتساوق مع الرغبات الأمريكية الخادمة للاحتلال على حساب الحقوق الفلسطينية المشروعة.

مؤتمر واشنطن اغاثي في ظاهره كارثي في مضمونه, يؤسس لواقع جديد للتعاطي مع القضية الفلسطينية, وتحويلها من قضية سياسية إلى قضية إنسانية اغاثية, ومشاركة دول عربية في هذا المؤتمر مدانة, حتى وان كان المعلن هو تخفيف الحصار عن غزة, فالدول العربية التزمت في قمم عربية سابقة بتقديم المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية, ولم يلتزم بهذا إلا عدد محدود جدا من هذه الدول, ولو كانت الإرادة حقيقية في دعم صمود الفلسطينيين ومد يد العون إليهم لالتزمت الدول العربية بما قطعته على نفسها من وعود في المؤتمرات السابقة, لكنه التساوق مع الرغبات الأمريكية, والتماهي مع سياساتها وكسب ودها ولو على حساب المقامرة بالقضية الفلسطينية, والمغامرة بمصير المنطقة برمتها بتمرير ما تسمى بصفقة القرن.

لا يمكن ان يقتنع أي فلسطيني بان إدارة ترامب وجاريد كوشنير وجيسون غرينبلات ومن قبلهم «إسرائيل» يبحثون عن حلول لمشكلات قطاع غزة بلا ثمن, فهذه لم ولن تكون في يوم من الأيام سياسة «إسرائيل» والإدارة الأمريكية, قطاع غزة يراد له ان يخضع للسياسة المرسومة أمريكيا وفق مخطط صفقة القرن, وهو جزء من الحل النهائي للقضية الفلسطينية, ومحاولة تهيئة قطاع غزة والحاقة بصفقة القرن لن تمر, حتى وان كان بريق الإدارة الأمريكية الاقتصادي يزغلل العيون ويخطف الأبصار, فالفلسطينيون لا يثقون بالإدارة الأمريكية, ولا ينساقون وراء إغراءاتها, ويدركون ان حل قضيتهم ليس بالمساعدات الإنسانية, وتحسين أوضاعهم المعيشية, إنما بفرض حلول عادلة تضمن استردادهم لحقوقهم من هذا الاحتلال البغيض, والعيش فوق تراب أرضهم بسلام لكي ينعموا بخيراته وثرواته بعيدا عن الاحتلال وأطماعه التي ليس لها حدود, وبعيدا عن الإدارة الأمريكية التي لا تتوانى في سلب الحقوق الفلسطينية وإهدائها للاحتلال على طبق من ذهب.
‎2018-‎03-‎19