عن النقد والمراجعات*
أحمد الناصري


حاولنا في وقت مبكر من تجربتنا السياسية أن نمارس حق النقد والمراجعة، لكل التجارب والمواقف الفكرية والسياسية التي مررنا بها وعايشناها، وفق منهج فكري نقدي موجود في صلب وروح المنهج الماركسي، وهو ليس اكتشاف جديد على أي حال، إنما علاقة طبيعية وتبادلية واعية ومقاربة مع أفكارنا وبرامجنا وأعمالنا السابقة، وتحقيق لاستقلالية الإنسان، وتقدير لعقله ودوره ونشاطه الاجتماعي، باعتباره العنصر الأساسي في العمل والوجود الاجتماعي، وكشرط أساسي لتأسيس وإطلاق العمل اللاحق، حتى لا تكون هناك قطيعة وفراغ بين مرحلتين أو تجربتين، وأن لا يكون هناك شيء خارج النقد والمراجعة، حيث لا يوجد شيء مقدس بالمفهوم الديني الضيق والخاص، يطبق على العمل والنشاط السياسي والاجتماعي والثقافي، وكمسألة ضرورية وحاجة ملحة، حيث تلجأ جميع الدول والشعوب والأوطان والحركات السياسية والفكرية وجميع المؤسسات الأخرى الى استخدام هذه الأداة في كل الأوقات، في الانتصارات والنجاحات والتقدم، وكذلك في حال وقوع النكبات والهزائم وفي المنعطفات الكبرى، وهي كثيرة ومثيرة في حياتنا. وتحاول دراسة وتشخيص الأسباب والنواقص التي أدت الى النكبة والهزيمة، لكي تعالجها وتتجاوزها في الوقت المناسب، ولتجدد من نفسها وطاقتها وقدرتها على العمل السليم، ولتحقق شعاراتها وبرامجها وأهدافها التي تريد الوصول أليها. وقد دعوت ولم أزل أدعو للقيام بهذه المهمة الحساسة والصعبة والشائكة، وأن لا يمر الوقت دون أن نمسك به، وتندرس الشواهد ويغيب الشهود، وتجف وتنشف الذاكرة البشرية المؤقتة، وتضيع الوثائق والحقائق، في مجتمع شفاهي يهتم (بالقيل والقال والكلام المنقول) ولا يهتم بالتوثيق العلمي، ولا يعرف كيف يحافظ على الوثيقة بسبب ظروف تاريخية وسياسية كثيرة.
لذلك ربما تفاجأت قيادة الحزب الشيوعي العراقي بزخم وحجم الأسئلة والاطروحات والأفكار الدقيقة التي طرحناها عليهم، عن الأسباب الفكرية والسياسية والتنظيمية لخوض وفشل تجربة التحالف الذيلي مع البعث، والمطالبة بتقييم التجربة وتحديد المسؤولية الجماعية والفردية عن الكارثة، لكي نبدأ العمل الجديد بالجبال، وقد اتخذنا نفس الموقف مع مذبحة بشتآشان ومن قضايا فكرية وسياسية وتنظيمية عديدة أخرى ، وقد مارسوا ضدنا القمع البوليسي الهستيري بأقسى أشكاله.
المراجعات والنقد هما سمة من سمات العقل العلمي الرصين، العقل النقدي المنفتح، والإرادة الواثقة غير المترددة، لا يقوم بهما إلا من يملك الفكر وينتجه ويتعامل معه، وليس العاجز أو المستهلك الفكري والمتلقي السلبي، كون النقد خلاصة فكرية أخرى، لكنها مكثفة ومختلفة عن العمل الفكري العادي أو الاعتيادي، بسبب مهمة النقد ودوره وواجبه في معالجة الفكر المنتج وتفكيكه وفحصه ودراسته من الداخل مرة أخرى، لكن بصورة جديدة وطريقة مختلفة عن المرة الأولى، بعد مروره بمجال التجربة التطبيقية، ومدى النجاح أو الفشل فيها، أي بانتقاله من حالة التجريد النظري الى حالة التطبيق العملي، وهما حالتان مترابطتان، رغم الاختلاف النوعي المتحقق بينهما بهذه الدرجة أو تلك في نهاية الأمر.
والمراجعات والنقد ليسا عملية شكلية أو ذاتية، ولا تدخل في باب المناكفات والمشاكسة والاستعراض والتخريب، لأنها تتصدى لقضايا ومشاكل كبيرة. ولا هي رغبة بالتوقف في ممرات ودهاليز الماضي أو الجلوس على عتباته وأطلاله، أو العودة الإرتكاسيه الى ما سبق حدوثه وإنجازه، بل هما تجاوز كامل للماضي بكل ما له وما عليه، وتأسيس وتمهيد لإطلاق فكر جديد ينتج عنه وعي جديد لحالة جديدة أخرى تولد في رحم المستقبل، لمنع تكرار وعودة أخطاء الماضي، لذلك فأن التشخيص الدقيق والكامل للحالة، بالإضافة الى استغلال عنصر الوقت المبكر والمناسب والتمسك به، باعتباره من أهم عناصر التشخيص والمراجعة والنقد والتقييم قبل استفحال الظاهرة السليبة، وقبل انتشار المرض في كل الجسم، عندها سيكون الوقت قد مر. وهذه أحد المشاكل الرئيسية في بلادنا وفي عموم المنطقة العربية والبلدان المتخلفة، وهي من الأسباب الرئيسية لتأبيد وإعادة إنتاج التخلف وتكرار الأخطاء والكوارث.
تحتاج عملية النقد والمراجعة الى شروط دراسية وتوثيقية علمية كثيرة، والى تعميم وترسيخ ثقافة النقد، والقناعة والحاجة الحقيقية وليس الشكلية بضرورتها، والى ظروف سياسية طبيعية أو شبه طبيعية، خاصة ما يتعلق بحرية البحث والوصول الى المعلومة وحرية نشرها، كما تحتاج الى الدقة والموضوعية والجرأة والجهد المستقل الذي يبغي الوصول الى الحقيقة، دون نقص أو قصد آخر أو تحريف، ودون غرض سياسي آخر يهدف الى التضليل أو الدعاية أو عدم الاعتراف بالوقائع من خلال حجب أو تشويه المعلومات والوثائق الأساسية والضرورية.
القضايا والملفات المقترحة والمطروحة كثيرة جداً، ولا يمكن إنجازها بسهولة أو بجهد فردي، وهي قضايا فكرية وسياسية وثقافية واجتماعية تشمل كل مجالات الحياة. والعملية تحتاج الى مؤسسات متخصصة والى إمكانيات علمية ومادية كبيرة، لكن هذا لا يمنع البدء باقتراحات ومشاريع صغيرة تتطور تدريجياً الى أن تصبح مشاريع مقبولة ومؤثرة في حياتنا الثقافية والسياسية. فلدينا تجربة صعود وسقوط الفاشية في بلادنا، وتتبلور وتمثل أمامنا الآن كارثة الاحتلال كتحول نوعي للنمط الاستبدادي المتخلف وقضية الإرهاب والطائفية وظاهرة الإسلام السياسي والفساد والنهب المالي والإداري الشامل والتخريب الاقتصادي، ولم يجر تقييم تجربة التحالف الذيلي مع البعث بشكل موضوعي حقيقي، ولم تكشف كل الوثائق والحقائق، ولم تقيم تجربة الحرب العراقية الإيرانية ولا كارثة غزو الكويت، ولم ندرس بعد بطريقة واسعة تجربة كردستان، ولم نهتم بأزمة انهيار أول تجربة اشتراكية في العالم ، ولم نتابع أزمة الماركسية وأسبابها وطرق معالجتها، ولم نقترب من أمور عربية كثيرة في مقدمتها فشل النظام العربي الرسمي والمشكلة الفلسطينية، ومشاكل التخلف والاستبداد والجوع، وملفات ومسائل كثيرة أخرى تحتاج الى رصد ومتابعة وموقف.
يتيح الإنترنيت وتوفر المعلومات بسهولة فرصة كبرى وإمكانية قصوى لإنشاء مواقع بمواضيع وملفات معينة، وترسيخ تجربة الكتابة على الانترنيت بجميع أشكالها، السريعة والآلية، أو الكتابة والنشر العلمي والموضوعي الرصين، وتجاوز الأخطاء والنواقص الكثيرة الموجودة الآن، والاستفادة من البرامج الكتابية المتطورة. كما توفر الفضائيات مساحة كبيرة للحوار والنقد والمراجعات في برامج هامة. ويمكن لكتابة المذكرات والسير الذاتية والشهادات الموضوعية الرصينة، أن تلامس وتفيد بهذه الدرجة أو تلك مسألة النقد والمراجعة في خط وعمل مساند.
لا يزال الوضع في بلادنا لا يسمح ولا يشجع على المراجعات والنقد، وهناك عدد كبير من المواضيع والملفات التي يمنع الاقتراب منها وتقليبها. لكن يمكن التأسيس ونشر البذور السليمة في كل مكان. لقد توفرت إمكانيات جيدة في كردستان سابقاً وحالياً، وتوفرت إمكانيات أكبر في دول الخارج الذي لجأ إليها العراقيون منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي وتوفرت جامعات ومعاهد ومكتبات ووثائق وظروف وفرص كبيرة، لكن المحصلة كانت بسيطة وربما معدومة للأسف الشديد.
هناك من لا يقتنع بالنقد ويتجاهله ويقاومه ويرفضه، وهناك من يسخر أو يشكك بنوايا وأغراض وجهود المنتقدين، ويعتبره عمل تخريبي أو عبثي بدون طائل أو نتيجة، وهناك من يريد تأجيل النقد بحجج وذرائع مختلفة، منها الخوف من العدو وإمكانية استغلاله للنقد وكشف الأخطاء، بينما العكس صحيح تماماً، حيث أن العدو يخشى المراجعة وتصحيح الأخطاء والانتقال من الضعف الى القوة، وتجاوز حالة الفشل والإحباط. بينما يحاول البعض القيام بمراجعات جزئية أو شكلية، وبطريقة إنشائية دورانية، والاعتراف بجزء من الحقيقة والمشكلة، أو بما يناسب هذا النهج أو ذاك حسب اعتقاد وأغراض أصحابه، بحيث يصبح عدم النقد والتقييم أفضل وأرحم من ممارسة النقد بتلك الطريقة البائسة التي تضيع الوقت والجهد وتساهم في التشويش من دون فائدة تذكر.
توجد ظروف وأسباب كثيرة ومؤثرة، سياسية وأمنية وثقافية واجتماعية، الى جانب تقاليد وأخطاء وحالات كسل وشلل عقلي وإضاعة للوقت والفرص بشكل مقصود أو غير مقصود، منعت وتمنع عملية تقييم ومراجعة الفترات السابقة، خاصة ما يتعلق بالحقبة الفاشية وكوارثها وسجونها وجلاديها وحروبها الكثيرة، وكل ما أوصلنا أخيراً الى كارثة ومأزق الاحتلال، الذي يحتاج الى جهود كبيرة واستثنائية لدراسته وتحليله والرد عليه، لطرده والتخلص منه.
نحن بحاجة الى مراكز لتسجيل وتوثيق جرائم الاحتلال وحربه العدوانية والخسائر البشرية والمادية والبيئية الهائلة التي تعرض لها شعبنا ووطننا، ونحن بحاجة الى مركز خاص لمتابعة المعاهدة القادمة وشرورها على بلادنا، وتخصيص ملفات وموقع مستقل لها لتثبيت كل الآراء والوثائق المتعلقة بها، ولنقل تجارب الشعوب التي قاومت المعاهدات الاستعمارية وأسقطتها. ونحن بحاجة الى مراكز لتسجيل وتوثيق وكشف جرائم الإرهاب الأسود والطائفية البغيضة، ومعرفة كل شيء عنهما، وكشف ملفات السجناء والمعتقلين، حيث أن التوثيق أساس التقييم والدراسة والكشف اللاحق لكل حالة أو قضية مررنا بها.
لقد فتح عصر الإنترنيت والمعلوماتية أبواباً مشرعة وواسعة لا يمكن غلقها بعد الآن، وقد انطلقت القاطرة. وهذا ما تخشاه أنظمة وحركات وجهات تقليدية عديدة، فهي ترى فيه شر مستطير آخذ بالتوسع والانتشار التدريجي من دون توقف أو عودة الى الوراء. وهناك من يستغل الإنترنيت بطريقة مشوهة وخطيرة الى أبعد الحدود، والبعض يعيب عليه انه بلا عنوان محدد في الداخل أو الخارج، رغم أنه يكتب من الخارج لكنه يقصد الموقف والمضمون الذي يريده بلون معين، وهو لا يدرك أهمية وقدرة التطور العلمي الجديد في الوصول الى أية نقطة من دون استئذان. بينما يحاول جيل آخر متعلم ومتنور نثر بذور سليمة تشق طريقها تدريجياً الى الهواء الطلق والى التجديد العقلي والروحي، بأشكال وأساليب جديدة وراقية، عبر المواقع والمدونات والرسائل الفورية التي تصل الى كل مكان بدون تأخير، والعمل المتواصل على جسر الهوة الحقيقية بين الداخل والخارج بسبب الظروف المعقدة التي تمنع التواصل والمتابعة والاندماج. وهنا سيدور الصراع بين القديم والجديد، وهو صراع طويل وقاس، لكن الغلبة ستكون للجديد.
نحن نعرف إن أطرافاً عديدةً لا تهتم بالمراجعة والنقد، ولم تمارس هذه العادة (العقيلة)، وهذا العمل الصعب في حياتها، وتطرح حجج خاطئة. لكن اليسار قريب من هذه المهمة والممارسة، وهي من صلب منهجه وعمله وعلاقته بالعمل الجماهيري والتوجه للناس وعرض كل شيء عليهم والاعتراف لهم بأخطائه بثقة كبيرة. إن اليسار جدير بالتصدي لهذه المهمة الكبيرة والأساسية، وهو يمتلك الأداة، كجزء من معالجة قضايا المرحلة المعقدة الحالية التي يمر بها شعبنا ووطننا.

المادة منشورة عام 2008 وهي لم تكن الأولى!

‎2018-‎03-‎11