العراق: مزادات ومزايدات في بورصة المصائر!

الشيخ صادق الحسناوي

الديمقراطية هي سوط يوناني استثنى العبيد والنساء من هبته وحرمهم حق الادلاء باصواتهم ليُحصَر حق الانتخاب بالاحرار فقط ! فيما بعد انتقل السوط لايدي المعذبون وليمسكوه سوطاً يلاحق الاستبداد ويقتله بورقة داخل صندوق كبديل عن العنف الذي مارسه الجلادون مع مجلوديهم ! ما انبلكم ايها الضعفاء وانتم تستبدلون موت اباءكم وشقاءهم بورقة صغيرة تقصي الجلاد من الساحة ولاتعدمه الحياة !
مرت الديمقراطية بمسيرة شائكة ومعقدة تنوعت خلالها من ديمقراطية المدينة كما حددها ارسطو الى ديمقراطية الحزب والانتخابات الداخلية عندما ينتخب نفسه ويحدد قادته ويُلزِم الامة بالانقياد اليهم وطاعتهم وهي ديمقراطية الانظمة الشمولية في الحقبة الستالينية ومابعدها خاصة في بلدان الحزب الواحد كالعراق خلال حقبة 1968-2003 السوداوية المظلمة ، ورغم الممارسة الديمقراطية في العراق خلال العهد الملكي 1921-1958 الا ان تلك الممارسة لم تترك اثارها الاجتماعية المرجوة ربما لاستنادها الى الطبقية التي كانت سمة المجتمع انذاك وتاثرها بالمملكة المتحدة التي كان العراق واقعا تحت سيطرتها ولابد ان يحمل الرضيع بعضا من جينات مرضعه والا كان ابناً من سفاح ! وقد حملت الديمقراطية العراقية انذاك جينات المجتمع السياسي البريطاني الموزع بين طبقاته النبيلة ولورداته وباروناته! غير ان العراق تميز عن بريطانيا انذاك بنزاهة اغلب سياسييه فلم تكن المناصب تباع وتشترى وليس في البلاد ( خازن) يتوسط في بيع المناصب وشراءها وتلك كانت صِبْغة الديمقراطية الانكليزية كما يصفها البروفيسور موريس دوفرجيه في كتابه( الاحزاب السياسية) الذي درس فيه الاحزاب ونشوءها وتطور الديمقراطية في بلدان عدة استثنى منها العالم العربي لخلوه من اي تعددية حقيقية او ديمقراطية جادة ! والذي يهمنا من دراسة دوفرجيه هو الاسلوب الذي ادى الى القضاء على فساد طبقة الحكم ومزاد المناصب في بريطانيا العظمى وكان ذلك على عهد رئيس الوزراء ونستون تشرتشل لقوة شخصيته واستعانته بالصحافة الحرة وكان له ما اراد واصبحت بريطانيا تقاضي الوزير لو اسرف 60$ دولاراً بغير وجه حق!
انها الصحافة الحرة اذن والوعي الجمعي النزيه والشخصية الكاريزمية ذات الدهاء السياسي المبهر والنزعة الادبية العالية التي قادته الى نيل جائزة نوبل للاداب في خمسينيات القرن المنصرم وليس نوبل للسلام ! هذا قضت بريطانيا على تلك السُبّة وذلك العار .
في عراق العهد الامريكي و في اول انتخابات تجري فيه بعد 2003 ظهر وبقوة تاثير الدين على الديمقراطية وبرز ايضا دور المال السياسي في تقرير المصائر ! واجزم ان تاثير الدين كان ولايزال ايجابيا جداً رُغم الانتقادات التي وجهت للمؤسسة الدينية وهي انتقادات منشأها عدم الفصل بين الاحزاب السياسية الدينية وبين المرجعية كزعامة روحية ولاني لااريد الخوض في هذه التفاصيل الان فساتركها لمحلها ان بقيت الحياة ، واود التركيز على تاثير المال السياسي في صنع القرار وتغيير دفة السياسة نحو المجهول لعدة اسباب اهمها واخطرها هو المشروع الامريكي القذر في العراق الذي يدفع باتجاه التقسيم الى ثلاث دول يجمعها اتحاد فدرالي مشوه مبررين ذلك باستحالة التعايش بين المكونات العراقية ! ومستعينين بالحرب الاهلية التي اشعلوا فتيلها على امل ان يكون مشروع التقسيم هو الخيار الوطني للشعب فيما بعد !
يعترف ( بيترو غالبريث) في كتابه ( نهاية العراق -كيف تسبب القصور الامريكي في اشعال حرب لانهاية لها!)(The End of Iraq-How American Incompetience Greated Awar With out End
ان العراق بلد غير متجانس كما وصفه قائلاً( صحيح ان العراق يعتبر مزيجاً من الاعراق والديانات ولكنه لم يكن ابداً وعاء صهر لهذه الطوائف : فالاكراد يسكنون في كردستان والشيعة يسكنون في الجنوب ، وحتى في المدن المختلطة مثل بغداد،يميل كل من الشيعة والسنة والاكراد الى السكن في مناطق خاصة بهم.هكذا ، وبسبب الحرب الاهلية ، اصبح العراق الان اقل مزجاً مما كان عليه )- نهاية العراق -الصفحة 199_ ان غالبريث يرى ان العراق قطع خطوات طويلة نحو التقسيم كما اعترف ان جولات زلماي خليل زاد بين الفرقاء كانت بهدف توقيع اتفاق سلام ثلاثية الاطراف ( وفي جولاته المكوكية بين الفرقاء كان يتعامل مع عملية وضع الدستور ليس كممارسة لمبدأ (بناء الدولة) بل كمفاوضات لانجاز معاهدة سلام ثلاثية الاطراف ، وهي خطوة صحيحة بدرجةٍ كبيرة.) نهاية العراق الصفحة (215) وكما هو بيّن فان الامريكان يعتبرون زعزعة التعايش بين المكونات العراقية هي الخطوة الاهم للتقسيم ولهذا عدّوها بديهية جداً ولابد من سلام ثلاثي الابعاد يضمن عدم اعتداء كل دولة على جارتها ! ولاجل تحقيق مايرومون شرعوا الفساد وفتحوا ابوابه واسعة امام سياسيين عراقيين بهدف تشجيعهم على تاسيس كيانات سياسية تتولى تحقيق المشروع الامريكي في العراق ولعل هذا مايفسر وقوف الهيئات المختصة صامتة ازاء سياسيين اعترفوا من على محطات التلفزة بفسادهم واقتسامهم للمغانم والكعكة وتلقيهم رشىً وكومشنات !!
لقد افسدت المقاومة الوطنية ذلك المشروع وتلك الخطة ولاشك ان المواجهة المبكرة بين جيش المهدي وقوات الاحتلال الامريكي ورفع المقاومين لشعار( اخوان سنة وشيعة هذا الوطن مانبيعه) وعبور الخطاب الطائفي ادى الى ترنح المشروع التقسيمي القذر وسارع الى عزل الانفصاليين شعبياً لتنتصر ارادة المقاومة ويندحر الارهاب وهو الوجه الاخر للمشروع الامريكي واحد اخطر ادواته من اجل التقسيم ونشر الكراهية بعدما تحولت المقاومة الى ثقافة شعبية وخيار وطني بعد سنوات كان خلالها صوت ( عراقيو امريكا) هو المرتفع والرافض لاي شكل من اشكال المقاومة مبررين رفضهم بثنائية غبية مفادها ان مقاومة الاحتلال/ التحرير لاتعني غير التمهيد لعودة البعث!!
امام كل تلك الحقائق التي يطول المقام لو اردنا سرد تفاصيلها اعتقد ان من الواجب ان تقضي انتخابات 2018 على بقايا وفلول المشروع الامريكي في العراق وذلك سيتحقق باذن ان توفرت اشتراطاته التي من اهمها الا يترك العراقي لاحد فرصة للتلاعب بعقله واشغاله بامور جانبية تبعده عن الهدف الاسمى الرامي للمحافظة على وحدة البلاد واجتثاث جذور الفساد
‎2018-‎03-‎11
العراق -النجف