بمناسبة ذكرى وفاة ماركس: إيضاح عن إقتصاد المجتمع واقتصاد أثرياءه

 

C:\Users\me\Pictures\paintings and Caricatures\Saieb's Paintings, caricatues & designs\Saieb's paintings\best copy\new things\DSC06874.JPG

كارل ماركس: بريشة صائب خليل

صائب خليل

14 آذار 2015

 

دهشت وأنا أطالع الكتاب القيم للسيد محمد باقر الصدر "إقتصادنا" لمدى عمق وإنسانية الإقتصاد الإسلامي وقدرته على اكتشاف التفاصيل والتنبؤ بتأثيراتها البعيدة وبالتالي القدرة على التعامل معها. ودهشت كذلك لمدى قرب الإقتصاد الإسلامي من الإقتصاد الماركسي، فهو وإن كان يختلف معه في الفلسفة العامة للحياة، إلا أنه يشترك معه في الهدف النهائي تماماً، وهو السعي لوضع خيرات الأرض في خدمة المجتمع كله وبأكبر قدر ممكن من العدالة الإجتماعية، ومعاملة تلك الخيرات على أنها هبة (من الطبيعة في الماركسية ومن الله في "إقتصادنا") على الإنسانية أن تحرص عليها وأن تراعي حصة أجيالها القادمة ايضاً..

ورغم أن السيد الصدر اكتفى بأن يعرض أن الإقتصاد الإسلامي مميز عن كل من الماركسية والرأسمالية، وهو محق بذلك، لكنه لم يشر بشكل واضح إلى أن اختلاف الإقتصاد الإسلامي عن الماركسية يكاد يقتصر على المنطلقات الأولى – وهو اختلاف يتحمل الكثير من المناقشة، في الوقت الذي نرى فيه الإختلاف بين الإقتصاد الإسلامي (ضمن مناقشة الصدر لذلك الإختلاف) إختلاف جذري وأخلاقي يتميز حتى بالتناقض في الأهداف والوسائل.

ويمكننا أن نصنف الإقتصاد إلى نوعين أساسيين: إقتصاد المجتمع، أو الإقتصاد الإجتماعي الذي يهدف إلى خير المجتمع، ويمثله كل من الماركسية والإقتصاد الإسلامي، واقتصاد الأثرياء أو اقتصاد النخبة، وتمثله الرأسمالية بشكل عام بكل تفرعاتها وتطوراتها.

وقد وجدت في "إقتصادنا" و "الماركسية" أقتصادين أخويين، ودهشت أن "أقتصادنا" يذهب في يساريته أحياناً إلى أبعد من الإشتراكية كما سنوضح في دراسة قادمة، ودهشت ايضاً أن بعض المبادئ المركبة في الماركسية تجد لها اصولاً في التعاليم والوصايا الإسلامية القديمة التي تعود إلى ما قبل ماركس بزمن طويل!

 

إننا حين ندرس نماذج الإقتصاد الإجتماعي نلاحظ أننا نرى الأشياء بوضوح تام لا تشوبه علامات استفهام، على العكس من النماذج والمفاهيم الإقتصادية الرأسمالية التي تفوح منها رائحة الإبتزاز والقوة والظلم المقنن والإحتيال.

ولعل ذلك ايضاً أنعكاس لحياة أبطال الإقتصاد الإجتماعي مثل ماركس والصدر اللذان عاشا بشرف وصبر وتحملا من أجل ذلك الكثير، مقابل أبطال الإقتصاد الرأسمالي من أمثال آدم سميث الذي يترك طلابه في منتصف السنة الدراسية ليتبع ثرياً يعطي أولاده الدروس، وولفريدو باريتو الذي سنأتي بالحديث عنه بعد قليل، والذي انتهى أمره بالإنضمام إلى فاشية موسوليني. ويمكننا أن نرى انعكاس أخلاقية هؤلاء ومدى أمانتهم في كتبهم ودراساتهم واضحة تماماً.

 

لقد كتبت يوماً عن الرأسمالية باعتبارها "الإقتصاد المحتال"، وقد رد علي أحد الأخوة الإقتصاديين بشدة، لكني كلما قرأت كتاباً إضافياً يزداد إيماني بأن العالم الإقتصادي الغربي كان مشغولاً منذ القدم، وبخاصة في نهاية القرن التاسع عشر وحتى اليوم بالبحث عن "الأحاييل" لسرقة الناس، من خلال ابتكار حلول لمشكلة توزيع الأرباح الإقتصادية تسمح بسحب معظم تلك الأرباح إلى جيوب الأثرياء، وتبرير تلك السرقات واعطائها اسماء معقدة ولماعة، ومنح "جوائز نوبل" في الكثير من الأحيان لمراوغات وسخافات لا أكثر لا يحتاج المرء إلا إلى منطق سليم بسيط ولحظة تفكير واحدة ليرى الإحتيال الذي تقوم عليه واللااخلاقية التي تستند إليها بل وحتى إمكانية دحض الإستنتاجات التي تتوصل إليها. ومن هؤلاء المحتالين على سبيل المثال الإقتصادي الإيطالي ولفريدو باريتو(1)

 

الذي كان مبدأه لتقسيم الأرباح أو المردودات للمشروع الإقتصادي يقول بما معناه أنه مادمنا لا نستطيع أن نزيد حصة أحد الأطراف دون أن نقلل حصة الآخرين، فالتوزيع "كفوء" أو "مثالي"، أي أنه إن كان واحد من الأطراف يحصل على كل الكعكة ولا يحصل الباقين على شيء، فأن هذا توزيع "كفوء" و "مثالي" وفق باريتو، لأننا لا نستطيع أن نعطي الآخرين شيئاً دون أن نأخذ من حصة صاحب الكعكة!

ويمكنكم أن تتخيلوا نوع الإقتصاد حين تؤسس آلاف الدراسات الأكاديمية على أساس مبدأ باريتو هذا، والذي يعني أن من يتمكن من الشركاء من سلب الكعكة كلها فيجب أن يفعل ذلك وسيقف مبدأ باريتو معه في الدفاع عن ما تمكن من سلبه! وهذا المبدأ ليس فقط لا أخلاقي، وإنما أيضاً ليس له اساس حقيقي ويمكن دحضه إقتصادياً بكل سهولة ولا يمكن الدفاع عنه إلا في اللجوء إلى مبدأ أقتصاد الأثرياء. ولم آت بهذا إلا كمثال على نوعية أسس الإقتصاد الرأسمالي الذي يسود العالم.

 

ليس غريباً أن يوجه كم كبير من الجهد الأكاديمي للإقتصاد العالمي اليوم للأحاييل وأن تمنح الجوائز لأن الأثرياء يحاولون إقناع الناس بأن هذا "الإقتصاد" هو لصالح الجميع وهي مهمة صعبة جداً تتطلب مثل هذا الجهد الإحتيالي الكبير. لقد كتبت عن "الإقتصاد المحتال" وما أزال، بشكل حلقات مبسطة تكشف تلك الحقائق للإنسان غير المتخصص الذي يتم سلبه حقه في ثروة الأرض ويتم إرههابه بتعقيدات الإقتصاد وصعوبة فهمه.

وإن أراد الإنسان أن يستعيد حقه في ثروة الأرض وفي حياته، فعليه أن يطالب ويسعى لفهم حقيقة الإقتصاد الذي يسير عليه العالم وأن لا يقبل التهيب من التعقيدات التقنية التي صمم البعض منها خصيصاً لإبعاده عن رؤية ما يجري من سرقات مخيفة لحقه، ومنعه من رؤية الأسباب الكامنة وراء استمرار بؤسه رغم التقدم العلمي والتكنولوجي الذي رفع انتاجية الإنسان مئات المرات وأحياناً ملايين المرات في بعض الحقول.

يجب أن يتساءل الإنسان غير المتخصص ما هو هذا الإقتصاد الذي لا يبدو أنه يقود العالم إلى الخير، وكيف ذهبت كل إنجازات الإنسانية وجهودها دون أن تستفيد الإنسانية منها لا لسعادتها ولا لتأمين حياتها ولا لزيادة شعورها بالكرامة، بل ان هذه قد تدهورت في الكثير من الأحيان، حيث يعيش ما يقارب نصف العالم في فقر وتعيش البشرية حالة قلق مستمرة واضطرابات وأزمات وتجد الحياة على الأرض مهددة بالفناء أكثر من اية فترة مضت على وجودها الطويل.

 

إن السر الأساسي يكمن في المفاهيم التي تم وضعها للإقتصاد وحصر النقاش الإقتصادي ضمن إطارها المفترض الذي وضعه الأثرياء. لقد كان الإقتصاديون قبل ماركس يعملون كموظفين لصالح الشركات الكبرى، فترى نظرية هذا تؤيد فتح الأسواق وتبرهن أنها في صالح الإقتصاد، ونظرية ذاك تدعم الحماية الكمركية و "تبرهن" انها في صالح الإقتصاد الوطني ايضاً.

 وحين تراجع مواقف الشركات التي توظف هؤلاء تجد أن نظرية كل منهم تدعم ما تستفيد منه شركته وما تأمله من قوانين وليست "مصلحة الإقتصاد الوطني" إلا أكذوبة مناسبة يتم وضعها في النظرية لإقناع الناس. ويتصرف اقتصاديوا "إقتصاد الأثرياء" بذات الطريقة تماماً اليوم، ويحصلون على رواتبهم الضخمة والترويج لكتبهم وجوائز نوبل وغيرها لنفس الأسباب.

إن ماركس الذي نحتفل اليوم بمناسبة وفاته (14 آذار 1883) كان أول من حطم تلك الأكذوبة في المجتمع الحديث، لكن محاولات أخرى سبقته في التاريخ ومنها الإقتصاد الإسلامي، وإن لم تكن تلك الإقتصادات تستند إلى تحليل الرأسمالية (وأغلبها نشأ قبل الرأسمالية نفسها) مثلما فعل ماركس.

ما أقوله أخيراً هو أن المجتمع يجب أن يبحث عن اقتصاده وليس اقتصاد أثريائه وأن يرفض فرض الأثرياء لمفاهيم اقتصادهم عليه. ولنعطي فكرة عن الفرق في تلك المفاهيم، نلاحظ أن "الأجور" بالنسبة للإقتصاد الإجتماعي هي جزء من "الأرباح" من المشروع الإقتصادي، بل هي أهم الأرباح. بينما هي جزء من "الكلفة" في المفهوم الرأسمالي! الفارق هنا أن قدرة المشروع على زيادة أجور عماله تعتبر نجاحاً كبيراً للمشروع في "اقتصاد المجتمع" ، بينما تعتبر كارثة في "إقتصاد الأثرياء". ومشروع لا يدر من أرباح سوى أجور عماله يعتبر ناجحاً ويؤدي غرضاً أجتماعياً كبيراً في اقتصاد المجتمع، بينما يعتبر مشروعاً فاشلا يجب غلقه في "اقتصاد الأثرياء"!

وإن عالماً يشغل كل الناس في معامل لا تربح فوق ما تحصل عليه لرواتب عمالها وموظفيها المجزية، هو عالم ممتاز للمجتمع، لكنه كارثة وفشل بالنسبة لأثريائه! فأي من مفاهيم هذين النوعين من الأقتصاد يمثل مؤشراً صحيحاً لمصالحنا، واي منهما يجب أن نسعى لتكون مقاييسه هي الثابتة في المجتمع؟

إن القلة الأثرياء منا يعرفون الجواب على هذا السؤال بوضوح ويعملون من أجله بهمة، ويحصدون نتائج همتهم، أما الباقين منا، فننظر بقلق وتوجس إلى هذا الإقتصاد ونتركه لـ "الخبراء"..

ولا يضع هؤلاء الخبراء إلا الأثرياء المسيطرين على العالم، فلا يأتون بأمثال ماركس أو الصدر ليحاضروا في الجامعات ويضعونهم على قيادة "البنك الدولي" أو "صندوق النقد الدولي" ولا يمنحونهم جوائز نوبل، بل يجدون المحتالين من أمثال ولفريدو باريتو، المكلفين بإقناعنا بأن أجورنا "كلفة" يجب تقليصها!

 

 

(1) Vilfredo Pareto
http://en.wikipedia.org/wiki/Vilfredo_Pareto

‏15‏/03‏/2015