فنزويلا

يحيى شقير

 

قبل 37 عاما وطأت قدماي أمريكا اللاتينية، وإن كان اهتمامي بهذه القارة بدأ مبكرا، وكانت زيارتي الأولى (وأربع زيارات لاحقة) بداية محبة لشعوب ودول هذه القارة، ابتداء من كوبا وحتى تشيلي مرورا بالبرازيل وأورغواي والأرجنتين.


 

وأي عربي في أمريكا اللاتينية هو "تركي"، بسبب أن المهاجرين الأوائل منهم في بداية القرن العشرين كانوا يحملون جوازات سفر عثمانية.

وحقق العرب (خاصة السوريين واللبنانيين والفلسطينيين) وأحفادهم نجاحات مميزة في أوطانهم الجديدة التي تلقتهم بدفء ساهم في اندماجهم، إضافة إلى غياب التمييز ضدهم، فوصل بعضهم إلى منصب رئيس الجمهورية والوزارات ونجاحات اقتصادية أخرى.

أقول ذلك مقدمة لما أعلنته الولايات المتحدة أن فنزويلا تشكل تهديدا للأمن القومي الأمريكي. وهي نفس الحجج التي سبق أن اتهمت بها نيكاراغوا منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وقامت بحصار نيكاراغوا، إلا أن نيكاراغوا آنذاك بزعامة رئيسها دانييل أورتيغا نجحت في إحراج الولايات المتحدة بصدور قرار من محكمة العدل الدولية عام 1986 التي أقرت بأن الولايات المتحدة قامت بانتهاك الولايات المتحدة للقانون الدولي. وفيما بعد وبعد تمنُّع قامت الولايات المتحدة بدفع تعويض بملايين الدولارات إلى نيكاراغوا عن أفعالها غير المشروعة.

وفي بداية تسعينيات القرن الماضي، وبعد قيام العراق بالوقوع في الفخ الأمريكي باجتياح الكويت قام رئيس نيكاراغوا أورتيغا بزيارة بغداد عبر عمّان لتقديم النصح للرئيس الراحل صدام حسين بكيفية مواجهة الأزمة الذي أخبرني في مقابلة صحافية (أورتيغا عن استراتيجيته آنذاك).

التطور الأخير في العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا ليس جديدا، فالعلاقات المتدهورة بين البلدين ليست وليدة اللحظة بل أنها موجودة منذ عقود. فبعد سنوات من الطاعة العمياء للبيت الأبيض لم تعد دول أمريكا اللاتينية تذعن للتوجيه الأبوي الذي اعتادت عليه الولايات المتحدة حينما نشأ مصطلح "جمهوريات الموز". وأصبحت هناك فيما بعد ماركة ملابس باسم "جمهورية الموز".

وعندما جرى انتخاب هوجو شافيز رئيسا لفنزويلا عام 1999 رأت فيه الولايات المتحدة عدوا بسبب محاولته إعادة المد اليساري للقارة، وتقوية علاقاته مع كوبا كاسترو. وبدا أن الولايات المتحدة قامت بدعم محاولة انقلابية ضد شافيز عام 2002، باءت بالفشل بعد 48 ساعة بسبب خروج جماهير غفيرة من الشعب الفنزويلي بإحاطة القصر الجمهوري لحماية رئيسها الشرعي المنتخب انتخابًا ديمقراطيًا.

كما جرى اتهام الولايات المتحدة بأنها كانت وراء الإضراب الكبير الذي شهدته الصناعة النفطية الفنزويلية خلال الفترة من كانون الأول 2002 إلى شباط 2003، الذي كان يتغيا شل صناعة النفط التي تعتبر المصدر الرئيس للدخل الوطني، بهدف زعزعة نظام الحكم القائم في البلاد حتى يتهاوى ويسقط. وبعد وفاة شافيز (مرت ذكرى وفاته الثانية قبل أسبوع) أعلن نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا المنتخب عام 2013 عن استمراره بنفس الطريق التي سلكها سلفه.

ومعروف تاريخيا كيف أن الولايات المتحدة دعمت دكتاتوريات أمريكا اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين. ولم يرقها خروج فنزويلا عن مظلتها خاصة أن فنزويلا تعد خامس دولة مصدرة للنفط في العالم، وفيها أكبر احتياط للنفط بعد السعودية، وجرى اكتشاف النفط في فنزويلا قبل جميع الدول العربية.

وفنزويلا تاريخيا بلد سيمون بوليفار (1783-1830) الذي أصبح رمزا للثوار الوطنيين فى العالم على غرار تشي غيفارا.

لربما لا يوجد عدد من التماثيل في العالم لرجل واحد سواه. وتكريما له هناك جامعة ياسمه في كاراكاس وشوارع في مختلف دول العالم. وهناك حديقة باسمه في السويداء في سورية، ويوجد نصب تذكاري له وميدان باسمه فى جاردن سيتى بالقاهرة، إضافة إلى تماثيل في لندن وكولومبيا وبلباو في اسبانيا وبنما والأرجنتين والبرازيل والولايات المتحدة وألمانيا والبرتغال وفرنسا وإيران وأيضا في كاراكاس بفنزويلا.

والبوليفار الفنزويلي هو عملة فنزويلا لا بل أن الاسم الرسمي لفنزويلا هو جمهورية فنزويلا البوليفارية.

وإذا أردت معرفة المزيد عن سيمون بوليفار هناك كتاب بعنوان "إرث بوليفار" لمؤلفه سفير فنزويلا في الأردن "فاوستو فرنانديز بورخي"، وهو بالمناسبة رسّام ومؤلف، ولمحبته للعرب سمّى ابنه الأكبر فريد، ويحب مناداته "ابو فريد" على الطريقة العربية.

2015/3/15