رأي منشور قبل سنة حول قضية ملحة تتفاقم الآن….


أحمد الناصري
عادات (نظرية) شعبية… حول البداية والمدخل الخطير لنشر الجهل المقدس…
هناك قضايا وأمور تتكرس بحكم العادة والتكرار، دون فحص وتحقق من صحتها وقيمتها أو دقتها، ثم تتحول بحكم العادات والتقليد إلى موروث شعبي شائع ومقبول، وكأنها حكمة او بديهة لا يطالها الشك والنقاش، وهي قاطعة مانعة، رغم خطئها وبؤسها وخطرها.
من أخطر هذه الأمور أو هذا السلوك، هي منع شغل وتشغيل العقل، وصولاً إلى منعه وتحطيمه وتحقيق استقالته، لفرض مفاهيم أخرى خاطئة ومتخلفة وجائرة. هذا ما يتعلق بأهمية العقل وحريته.
من الأشياء العجيبة والمزعجة التي يطلقها البعض على أي قضية سياسية وخبر ومتابعة وموقف القول أو الرد (كافي تنظير) نريد عمل! وهي تقال فقط او ضد من له رأي وموقف مخالف ومغاير، ولا تقال لمن لا يعمل او يقوم بأعمال خاطئة وخطيرة.
بينما المشكلة الأساسية والنقص الأساسي الخطير، هي غياب التنظير وربما انعدامه في بلادنا منذ عقود (صناعة طاولة خشبية بسيطة تحتاج إلى تفكير وأدوات ثم تنفيذ). كما إن التنظير (التفكير) المجرد يسبق العمل ويضع له الخطط، ويتشابك معه في علاقة تطبيقية عميقة وحساسة، ولا يتعارض معه أو يعرقله ويعطله. نحن في بلادنا (كذلك المنطقة) بلا تنظير ماركسي كبير ومهم (عدا بعض المحاولات المهمة التي لم تتحول إلى تيار نظري) وبالنتيجة والتتابع بلا مواقف وعمل صحيح، مع تدمير الجامعات والتعليم وغياب مراكز الدراسة والبحث المستقلة!
التنظير عملية عقلية مجردة ومعقدة، وهي اختصاص نادر جداً يتحقق بشروط معرفية وتاريخية صعبة. هناك فكر سياسي يهتم بدراسة وتحليل وضع ما، ويطرح شعارات ومهام وبرامج سياسية، وهذا أمر مختلف طبعاً، لكنه يستند على التنظير (النظرية). هناك ثقافة ووعي يدعمان الفكر (التنظيري) والسياسي.
لذلك فالقضية لا تحتمل التفسير الشعبي المتداول والسائد (رغم شيوعه وتعميمه)، الذي يشبه إلى حد كبير القول والرد الشعبي الآخر (لا تتفلسف أو بلا فلسفة) حول امر لا توجد فيه أية فلسفة ولا يتطلبها! وقد يتوسع ويصل الأمر إلى (من تفلسف تزندق)، على طريق المنع والتحريم والتكفير لتحطيم العقل، لأن الفلسفة تطرح أسئلة وتمارس الشك والبحث عن أسباب الظواهر، وتحديد العلاقة بين السبب والنتيجة مثلاً…
مع انهيار تجربة الاتحاد السوفيتي، الذي كان انتصارا كبيراً للرأسمالية في صراعها الوجودي، جرى طرح مفاهيم (أيديولوجية) مثل نهاية التاريخ وموت الايدلوجيا. وهو أمر مقصود به موت الماركسية بالتحديد وحصراً، كموقف ودعاية مضادة، وليس الآيديولوجيا (الفكرة والتفكير لأن هذا الطرح بحد ذاته أيديولوجي محض!)) التي لا تتوقف ما دام العقل يعمل (نشاط فسلجي) والواقع والحياة يطرحان أسئلة جديدة. طبعا هناك أفكار خاطئة وخطيرة وغير إنسانية (ضد الإنسان) بينما هناك نظريات وأفكار تتقادم وتتجاوزها الحياة نتيجة للتطور والتحول والتبدل، كلياً أو جزئياً، لكن ليس على الطريقة الشعبية التي تقول (كافي تنظير)…
الخطوة الأولى لمواجهة الواقع والوضع والكارثة ومصير الإنسان في بلادنا و(منطقتنا) هي تفسير الواقع والعمل على تغييره… هنا النقص والمشكلة، لكنها البداية الوحيدة أيضاً والطريق الوحيد لإنجاز مشروع التنوير والنهضة، للدخول في التاريخ الإنساني الطبيعي…
‎2018-‎02-‎27