متى يحتاج البلد الى الاستثمار الخارجي؟
صائب خليل
19 شباط 2018
تخيلوا معي، بلداً فقيرا، ولنقل يعيش معظم الناس فيه على الزراعة وبالكاد يكفي جهدهم لإدامة حياتهم البسيطة. وتكتشف الحكومة أن البلاد تحتوي على ثروة طبيعية تعد بمردود جيد ان استغلت. أو يكتشفوا أنهم لو ربطوا مدنهم بالبحر بخط قطار، لأمكن لهم ان يصدروا بعض انتاجهم الزراعي إلى الخارج، حيث يباع بسعر مجز. لكن الشعب لا ينتج إلا ما يكفيه واقتصاد البلد “مستقر” بشكل ثقيل وكل قرش فيه ضروري ومحسوب مكانه ولا يمكن الاستغناء عنه، ولا توجد طريقة لجمع المبلغ اللازم لإنجاز المشروع. 

في هذه الحالة فقط يكون الاستثمار الأجنبي مطروحا كحل ممكن، للخروج من دائرة الفقر. وبشرط أن يخطط الاستثمار ليتكامل ويتزامن مع خطة البلاد الاقتصادية والاجتماعية التي تضعها الحكومة لشعبها. وينطبق الأمر بتحفظ اشد على القروض الأجنبية، فخطرها أكبر. وما لم يكن المقترض متأكداً من أنه سوف يستعمل القرض بشكل مثالي يجعل من السهولة عليه تسديد فوائده ثم تسديده من خلال انتاجه او نتائجه، فيجب ان لا يتورط به ابداً. إن من يعرف التاريخ الرهيب للقروض وكيف قوضت دولاً واشعلت حروبا واستولت على حق طبع عملات دول كبرى، يعلم جيداً أنه يتعامل مع افعى سامة، وان عليه أن يكون في غاية الدقة وأن يكون العلاج الأخير ولا يلجأ اليه إلا بعد استنفاذ كل السبل الأخرى. 

من النادر أن تفلت دولة تورطت بقروض المؤسسات المالية الدقيقة التخطيط، إلا ان البعض قد فعل. ولعل خير مثال لهذه الحالة كان رومانيا، التي قررت قبل سقوط الشيوعية فيها، انها لا تملك بديلا سوى أن تجرب هذا الحل. وكان شاوشيسكو مدركا لخطورة الرأسمال الأجنبي على بلاده، رغم أنه كان يتمتع بصداقة مميزة مع دول الرأسمال وخاصة بريطانيا. فقام بالاقتراض، وحرص على استخدام القرض لتمويل إعادة قيمته. ورغم ذلك وجد صعوبة بالغة اضطر معها إلى إجراءات تقشف لم تكن سهلة، حين أحس أنه ربما دخل مدخلا خطرا على سيادة بلاده. لكنه تمكن في النهاية من تسديد القروض والافلات من قبضة رأس المال، وأخرج رومانيا بلداً غير مدان لأحد.

فهل ينطبق هذا على العراق؟ هل هو مضطر بالفعل للاستثمار الأجنبي والقروض، وهل ينتظر من تلك القروض أن تسدد قيمها وفائدتها من مشاريعها؟ إن كانت هناك دولة واحدة في العالم لا تنطبق عليها هذه المواصفات فهي العراق! فلا الحاجة موجودة ولا الشروط متوفرة. فالعراق يحصل على أمواله من ثروة في أرضه. ثروة هائلة، هي عبارة عن “استثمار” مجاني منحه الله (أو الطبيعة، كما تشاء) لهذا الشعب. استثمار بشكل منحة لا فوائد مترتبة عليها ولا فقدان للسيادة. ولو كان الشعب يعمل ويقيت نفسه بعمله كما يفترض، لكان يجب أن تكون معظم تلك الثروة زائدة وتخصص للمشاريع والتطوير وبناء المستقبل، أي “الاستثمار” الحقيقي، وليس عملية القرصنة التي يطلق عليها هذا الاسم للتمويه. فلماذا يتصرف مثل هذا البلد وكأنه محروم ينتظر رحمة المال الأجنبي لإخراجه من دائرة فقره؟ ما هي ميزة المال القادم من الخارج لينظر إليه وكأنه وحده المنقذ الصالح دون غيره للاستثمار؟ لماذا تصلح الدولارات الأجنبية للاستثمار، ولا تصلح لذلك الأموال التي تأتي بلا شروط، من ثروة البلد؟ لماذا ينظر الى الأولى بقدسية والثانية بإهمال؟ 

يقال “لا شيء يأتي صدفة في عالم السياسة”. إن من حرص على إبقاء البلاد في تخلفها خمسة عشر عاماً، هو ذاته الذي يوحي لها بالفقر والعجز المزيفين، ليدفع بها إلى فك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كما دفع الذين من قبلها. 

(مقتطف من مقالة لي حول مؤتمر “المانحين” في الكويت)
من داعش إلى “مؤتمر القتلة الاقتصاديين” في الكويت – وما سيلي
https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1733138176743244