تحدي: إثبت ان “سانت ليغو” ضار… وأعطيك 1000 دولار!
صائب خليل
10 شباط 2018
إن كنت من المعتقدين بأن نظام حساب المقاعد “سانت ليغو” المستخدم في العراق، هو جزء مؤثر من المشكلة الديمقراطية لأنه يأخذ المقاعد من الصغار ويعطيها للكتل الكبيرة، فأنت سعيد الحظ. ما رأيك بحزورة حسابية – سياسية بسيطة لا تخرج منها إلا رابحاً جائزة ما؟
إن استطعت ان تبرهن رأيك بالأرقام، فيمكنك ان تربح ألف دولار! وإن لم تستطع فلك “جائزة ترضية” هي اكتشافك أنك كنت مخدوعاً لفترة طويلة من الزمن، واكتشافك أن الكثير ممن اعتمدت عليهم في تقديرك ذاك هم أما المخادعون المدفوعي الثمن من جهة لغرس تلك الكذبة، وهم القلة التي اطلقت تلك الفقاعة، أو من الذين ساروا بلا تمحيص وراء الإعلام ولم يبذلوا الجهد اللازم للمراجعة، ويقومون بنشر الخطأ دون إدراك، وهم الغالبية الساحقة! فهكذا يشتغل الإعلام وينشر فيروساته بين الناس بجعل أكبر عدد ممكن منه حاملا له.

فكرة هذه المسابقة جاءتني بعد شعور باليأس من اقناع قرائي بحقيقة هذه الفقاعة الإعلامية وبأن نظام “سانت ليغو” ليس بالسوء الذي يصور وأن الفرق بين اصنافه 1.6 و1.7 أو حتى 1.9 ليس بالحجم المهول الذي صور لهم. ورغم ان الموضوع يمكن اثباته بالأرقام التي لا تدحض، بدا لي وكأن من أحاول إقناعه يتشبث بالخطأ تشبثه بشيء عزيز، شيء يبرر به اليأس الذي يغرق فيه، ويصوره بأنه مؤسس قانونيا لا يمكن زحزته، وهو غير مستعد للتنازل عن الشيء لأن ذلك يضعه امام مسؤوليته. لذلك فكرت ان اضع حداً للنقاش وأعلن جائزة لمن يثبت أن سانت ليغو بالفعل “جزء من المشكلة” ويستطيع أن يبين أنه سلاح الكتل الكبيرة للهيمنة على المقاعد وأنه جزء من السبب في اليأس من الانتخابات لأنها “ستأتي بنفس الوجوه”… الخ.

لندخل في الموضوع مباشرة. لقد لخصت ادعاءاتي حول سانت ليغو 1.7 المستعمل في العراق (وكذلك 1.9 الذي اعتبره البعض كارثة إلى درجة أنهم سيروا التظاهرات ضده)، بثلاثة ادعاءات، وأنا اتعهد بان أدفع ألف دولار لمن يثبت خطأها، موزعة بالشكل التالي:
1- سانت ليغو 1.7 (أو 1.9 أو غيره) لا يسحب مقعدا كاملا من أية كتلة مهما كانت صغيرة! والمقعد الكامل هو المقعد الذي حصلت الكتلة عليه بالحصول على حصة مقعد من الأصوات، أي العدد الناتج عن قسمة عدد الأصوات على عدد المقاعد. (333 دولار)
2- الكتل التي تحصل أما على مقعدين أو أكثر (سواء كانت كاملة أو ناقصة) من سانت ليغو 1، لا يمكن ان تخسر أي من مقاعدها باستعمال سانت ليغو 1.7 (أو 1.9 أو غيره). (333 دولار)
3- ليست الكتل الكبيرة وحدها من تستفيد من سانت ليغو 1.7، بل كل الكتل التي تحصل على مقعد كامل أو أكثر من مقعد (أي كل الكتل التي تتجاوز عتبة المقعد الناقص) بحساب سانت ليغو 1، تستفيد من سانت ليغو 1.7 لأنها لن تخسر، وإنما يحتمل ان تكسب مقاعداً. (334 دولار، لإكمال العدد).

ما هو تأثير ارتفاع الرقم في سانت ليغو إذن؟ إنه نوع من “العتبة” التي يجب ان تجتازها الكتلة المتقدمة للمنافسة قبل ان تمنح مقعدها الأول وبالتالي حق دخول البرلمان، وتلك العتبة هي أن تحصل على (ما يقارب) قيمة المقعد الكامل من الأصوات (في سانت ليغو 1.7 تبلغ القيمة حوالي 85% من أصوات مقعد كامل، ليضمن حصولها على مقعد). والهدف من هذا الإجراء هو تقليل التشظي الكبير الذي تعاني منه معظم البرلمانات، ومنها مجلس النواب العراقي بالتأكيد، ويدرك المواطنون تلك الحقيقة ويشكون من كثرة الأحزاب فيه. لكنه من ناحية أخرى يزيد بعض الشيء من صعوبة دخول أحزاب وليدة لا تستطيع أن تحصل على أكثر من أصوات نصف مقعد مثلا، وهو ما يكفي لضمان صعودها في أنظمة أخرى مثل سانت ليغو 1. ورغم ذلك هذا لا يعني ان كل من لا يحصل على 85% من أصوات المقعد يفقد مقعده في سانت ليغو 1.7، إنما هو احتمال يزداد مع انخفاض عدد الأصوات، وهو أمر طبيعي. (إن لم تحب ان تدخل في التفاصيل التقنية للجداول، يرجى القفز إلى ما بعد الفاصل النجمي في الأسفل).

دعونا ننظر إلى امثلة لنتائج التوزيع حسب سانت ليغو 1 و 1,6 و 1,7، و أخيرا 1,9، في الجداول التوضيحية المرفقة، ونبدأ بتعلم حساب توزيع المقاعد وفق سانت ليغو. في الجداول افترضت للسهولة وجود عشرين كتلة متنافسة على 30 مقعداً وكان مجموع الأصوات 300 ألف صوت.
لحساب المقاعد، نكتب أولا عموداً بأسماء الكتل المشاركة (العمود الرمادي في اليسار) ونكتب على يمين كل كتلة عدد الأصوات التي حصلت عليها، فيكون لدينا عمود عدد الأصوات (الأصفر) إلى يسار الأول. على رأس العمود التالي على اليسار نكتب “ليغو” (بالأحمر في الجدول، وسنغير رقمه حسب الحاجة)، ثم سطرا الأرقام الفردية إبتداءاً من 3 ثم 5، 7 الخ، وبعدد يكفي لتغطية المقاعد المتوقعة للكتلة الأكبر.

الآن نبدأ الحساب وإملاء الجدول، فنملأ كل خلية في كل عمود من أعمدة الأرقام الفردية، بناتج قسمة عدد أصوات الكتلة، على الرقم في أعلى ذلك العمود، وبضمن ذلك عمود “ليغو”، ولأننا سنملأ جدول “ليغو 1” في البداية، نكتب الأرقام في عمود ليغو 1 نفس اعداد الأصوات التي حصلت عليها الكتل، لأننا نقسمها على ،1، وتحت عمود الرقم 3 نقسم أصوات كل كتلة على 3، وتحت عمود الرقم 5 نقسم الأصوات على 5 وهكذا نملأ الجدول الذي نحتاجه.
الخطوة التالية هي أن نبحث في الجدول عن أعلى الأرقام التي حصلنا عليها، لتغطي عدد المقاعد. وفي المثال هذا سنبحث عن اعلى 30 رقماً. وإن رتبنا الكتل حسب حجمها، فسنجد تلك الأرقام الأكبر في الزاوية العليا اليسرى من الجدول. لقد جعلت الأرقام الثلاثين الأكبر في الشكل، اسمك وأكبر من الأخرى للتوضيح.
والآن يمكننا ان نحسب عدد المقاعد التي حصلت عليها كل كتلة بحساب عدد ما يقع من الأرقام الكبيرة (السميكة الخط) في نفس الصف الخاص بكل كتلة. فنرى مثلا أن في صفة “الكتلة 1” هناك 7 أرقام كبيرة، فنعرف ان الكتلة حصلت على 7 مقاعد، والكتلتين 4 و 5 حصلت كل منهما على مقعدين وهكذا.

نضع عدد المقاعد هذا في عمود “عدد المقاعد” البرتقالي في اليسار. العمود الأخير على اليسار، إضافي (غير ضروري) حسبت فيه ما كلفه المقعد الواحد من الأصوات لكل كتلة.

ولا جل توضيح تأثير رفع الرقم من ليغو 1 إلى ليغو 1,6، ثم إلى ليغو 1,7 وأخيرا ليغو 1,9، دعونا نقسم الكتل الى “كبيرة” ولنقل انها تمثل الكتلتان اللتان حصلت كل منهما على أكثر من 50 ألف صوت. وثلاث كتل “متوسطة” حصلت على ما بين 50 إلى 15 ألف صوت، وصغيرة بين 15 و8 ألاف، وصغيرة جداً، لما دون الـ 8 ألاف صوت.

Image

لننظر الآن ما يحدث حين ننتقل الى استعمال ليغو 1.6 بدلا من ليغو 1. لملأ العمود “ليغو” الآن نحتاج أن نقسم عدد الأصوات على 1.6 بدلا من 1، أما بقية الأرقام في الجدول فتبقى نفسها. نتيجة ذلك فأن ارقام العمود الأول ستصغر. وسنرى أن أصغر تلك الأرقام، والخاصة بالكتل الصغيرة جدا، (في أسفل العمود “ليغو”) لم تعد ضمن أعلى الأرقام الثلاثين المستحقة للمقاعد. ونتيجة لذلك، خسرت الكتل الصغيرة جداً، 15 و14، و13 مقاعدها، وكسبها كل من: الكتلة الأولى، فصار لديها 8 والثانية، فصار لديها 7 والكتلة الصغيرة 6 كسبت أيضا مقعداً كما نرى، فصار لديها مقعدان.

ولو طبقنا نفس الشيء مرة ثانية على ليغو 1.7 وقسمنا عمود “ليغو” على 1,7 هذه المرة بدلا من 1,6، لحصل تغير في الأرقام في العمود الأول طبعا، لكننا نلاحظ أن هذا التغيير لم يكن بالحجم الكافي لكي ينقل أي مقعد بين الكتل، فبقيت النتائج نفسها كما كانت لليغو 1.6. أي ان توزيع المقاعد كان نفسه في حالة استخدام ليغو 1,7 أو 1,6. أما تطبيق ليغو 1.9 فيرينا تغيرا في مقعد واحد فقط، خسرته الكتلة الصغيرة جدا 12 وكسبته الكتلة المتوسطة “الكتلة 3” فصار لديها 4 مقاعد بدلاً من ثلاثة.

*****

إذن الحديث الإعلامي عن استفادة الكتل الكبيرة من سانت ليغو 1.7 ليس خطأً في الحقيقة، لكنه مبالغ به إلى حد كبير. والحقيقة ان من يستفيد هو كل الكتل التي ليست صغيرة جداً، والصغيرة جدا هي التي لم تتمكن من الحصول على أصوات مقعد واحد كامل في الأصل. أما الباقية، فكما رأينا في الأمثلة هناك كتل لها مقعد واحد (في سانت ليغو 1) (الكتلة 6) حصلت على مقعد إضافي عند تطبيق سانت ليغو 1.6 و1.7، و1.9. فتصوير الأمر على أنه “تغول” للكتل الكبيرة ومانع قانوني اخترعته لإدامة سيطرتها على البرلمان، كلام مبالغ به جدا. فما يحدث بالضبط هو أن أصوات تلك الكتل التي لم تتأهل، يتم توزيع مقاعدها على أكثر الكتل استحقاقاً، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، وكلما حصلت كتلة على مقعد منها، قلت فرصتها في الحصول على مقعد ثاني.

نعود الآن إلى رهاننا أو “حزورتنا”. أرجو أولاً ان لا تخيفك كثرة الأرقام والحسابات في الجداول. فعمليات الضرب (باستعمال حاسبة) تجري لمرة واحدة، عدا عمود “ليغو”، والباقي سهل. ولتسهيل الأمر عليك أكثر فقد أنشأت ملفاً من نوع “اكسل” لحساب تلك الحسابات ذاتياً، (يمكنك تنزيله من الرابط في أسفل المقال) فما عليك من اجل إجراء تجاربك إلا ان تملأ عمود “عدد الأصوات” بجانب “الكتل المشاركة، وتختار رقم الـ “ليغو”، وستقوم الحاسبة بحساب كل شيء لك، لتجمع بعدها الأرقام الأعلى في الزاوية العليا اليسرى من الجدول وتحدد ما فازت به كل كتلة من مقاعد. ويمكنك أن تجرب مختلف أنواع سانت ليغو بتغيير الرقم الأحمر أيضا، وستعيد الحاسبة الحسابات من جديد، ويمكنك ان تشاهد التغيرات في مقاعد الكتل نتيجة ذلك مباشرة.
يمكنك أن تحاول مختلف المحاولات وتجرب مختلف الأرقام، سواء بالحساب اليدوي او باستخدام ملف اكسل، لترى إن كان بالإمكان إيجاد حالة واحدة تفند ما جاء في أي من عباراتي الثلاثة التي تبين صغر تأثير سانت ليغو على النتائج وعلى الديمقراطية، فإن تمكنت من ذلك، حصلت على الالف دولار، او بعضها، وإن لم تتمكن، حصلت على “جائزة الترضية” واكتشفت انه تم خداعك في هذا الامر وأن الهدف كان إلهاءك عن الحقائق المؤثرة بالفعل!

فإذا كان ما تقوله هذه الجداول والادعاءات الثلاثة صحيحاً، فأن تأثير سانت ليغو على الديمقراطية في العراق، قد لا يكون سلبياً، ولا إيجابيا بمعنى ما، لكنه في كل الأحوال تأثير تافه، لا يكاد يمكن ملاحظته. فلماذا تثار كل هذه الضجة عليه وكل هذا الإعلام والتظاهرات الشعبية، ويتم تجاهل حقائق هائلة الحجم تمزق الديمقراطية تمزيقاً، ولعل أهمها حقيقة أن كل رئيس حكومة في العراق حتى اليوم تم تنصيبه تنصيبا من قبل الأمريكان ولم يأت عن طريق الاقتراع لا من مجلس النواب ولا من الناس؟ فأياد علاوي وضع عنوة ضد إرادة مجلس الحكم، ثم تمت إزاحة اول رئيس حكومة منتخب (الجعفري) من قبل تآمر أمريكي كردستاني وأعيد التصويت ليأتي المالكي. ثم أزيح المالكي بتجاهل تام لنتائج الأصوات وبتآمر أمريكي كردستاني أيضا وجيء بالعبادي الذي لا يعرفه أحد من وراء الكواليس، مع تهديد أمريكي صريح ومباشر بضرورة قبوله وإلا تركناكم لداعش! هذه هي الكوارث في الديمقراطية العراقية وليس سانت ليغو أو قانون الانتخابات أو بقية الملهيات التي يبثها الإعلام وبعض القادة.
يمكننا ان نعدد تدخلات أمريكية مدمرة أخرى في كل شؤون البلاد، مما يجعل الحديث عن الديمقراطية وحكم الشعب، مسخرة كبرى، لكن دعونا نكتفي بهذه الحقيقة التي ليس فيها مجال للمناقشة. والسؤال هنا: كيف قرر ساستنا وقادتنا السياسيون والدينيون والاخلاقيون، أن يركزوا الضوء ويسيروا التظاهرات والغضب على احتمال(!) لخسارة كتل لا ترى بالمجهر، لم تستطع الحصول على أصوات كاملة لمقعد واحد! وصوروا لنا الأمر وكأن حياتنا وديمقراطيتنا والفساد مرهون بهذه الكتل المجهرية القادمة لإنقاذ العراق دون غيرها! والأغرب من ذلك ان كل هؤلاء ليسوا من تلك الكتل، وأنهم يستفيدون من سانت ليغو، ولا يمكن أن يخسروا بسببه، سواء كانوا كتلا كبيرة أم صغيرة، فلماذا لا يستفيدون من المقاعد الإضافية لإنقاذ البلاد وتحطيم الفساد كما يدعون؟
هل هناك من تفسير غير أن من أطلق تلك الحملة يهدف إلى إلهائنا عن الحقائق الكبيرة المتمثلة بالدور الأمريكي في تنصيب الحكومات وتوجيهها، والذي لا يثيره أحد إطلاقاً؟ ما الذي يخبرنا ذلك عن هؤلاء الساسة، وعن الإعلام الذي شارك بكليته في عملية خداع الشعب تلك؟

رابط الى إكسل لحساب سانت ليغو لمختلف الدرجات
http://www.mediafire.com/file/dge1utsj7f430ws/%u0633%u0627%u0646%u062A%20%u0644%u064A%u063A%u0648.xlsx
‎2018-‎02-‎12