عندما يفرض الغرب ديمقراطية على دول العالم الثالث: العراق نموذجا

سعد ناجي جواد
في مناقشة لأطروحة عن الديمقراطية في العالم الثالث شاركت بها في سن مبكرة من عملي الأكاديمي قلت ان سبب فشل الديمقراطيات البرلمانية المبنية على النموذج الغربي في العالم الثالث بعد الاستقلال هو ان كل من بريطانيا وفرنسا، الدولتان الأهم اللتان اقتسمتا العالم الثالث بعد الحرب العالمية الاولى، اسسوا لنموذج أعرج وفاشل لبناء ديمقراطيات في تلك البلدان. وهناك أمثلة كثيرة وشرح يطول في هذا المجال، لكن اهم ما يمكن ان يقال ان اعتماد مبدأ الانتخابات المباشرة في مجتمعات تسودها الأمية وهيمنة رجال الدين ويكون الإقطاع والمال والفئات المدعومة من الدول الاستعمارية المتحكمة في البلدان المُستَعمرة، بالاضافة الى عدم وجود قضاء نزيه و مستقل قادر على مراقبة ومحاسبة المتجاوزين، تكون نتيجته انتخابات مزورة وصعود وجوه اما غير كفوءة او فاسدة.من ناحية ثانية، وهذا هو السبب الثاني، فهو ان اغلب قادة هذه الدول المُستٓعمرة ، اي القيادات الوطنية التي حكمت بعد الاستقلال، فشلوا في تطوير النموذج الذي قدم لهم من الدول المستعمِرة، وظلوا يزيدون من سلبيات هذا النموذج عن طريق التزوير ومنع اي شكل من أشكال المعارضة من الوصول الى الحكم ولا حتى التعبير عن رايها بحرية. وهكذا عندما سقطت هذه التجارب بفعل انقلابات عسكرية او ثورات شعبية لم تظهر حركات مطالبة بعودة الحياة الديمقراطية، لان الغالبية العظمى من الجماهير لم تشعر ان هذه الأنظمة كانت تعبر عن طموحاتها و آرائها.

وبعد اربع عقود ونصف من فشل التجربة البرلمانية العراقية في ظل النظام الملكي جاءت الولايات المتحدة لتحتل العراق ولنفرض عليه نظاما برلمانيا مشوها لا يصل حتى لمستوى التجربة التي فرضتها بريطانيا بعد الحرب الاولى. والحقيقة التي تغيب عن ذهن اغلب المتحدثين عن ما يجري في العراق الان ينسون او يتناسون ان الولايات المتحدة لم تحتل العراق من اجل تدمير أسلحة الدمار الشامل الذي ثبت انها غير موجودة ولا بسبب عدم وجود ديمقراطية فيه او عدم احترام لحقوق الانسان او لإرساء نظام ( ديمقراطي) يوفر حياة كريمة للعراقيين، كما ادعت، وإنما من اجل تدمير هذا البلد العريق الذي كان يمثل بالنسبة لها بؤرة تحدي لمشاريعها وللمشاريع الإسرائيلية. وأنها عندما انجزت هذه المهمة واتت بمن يكمل هذا المشروع بإشرافها ممن جاءوا مع الدبابات الامريكية، او من التحق بهم من الداخل، و وجِهت بمقاومة عنيفة قررت ان تلجأ الى استراتجية ( الخروج المبكر) لكي تتفادى الخسائر البشرية التي كانت تمنى بها. ولتحقيق هذا الغرض بالسرعة المطلوبة كتبت للعراق دستورا مشوها ومليء بالألغام والمطبات، وقررت ان يتم إنجاز الدستور في شهرين ثم التصويت عليه ثم الذهاب الى انتخابات سريعة كي تقول انها أسست لديمقراطية وخرجت. والنتيجة كانت هذه ( الديمقراطية) التي تصدرها الفاسدون والمتاجرين بالدِّين والمنسلخين عن اي شعور وطني او غيرة على بلدهم.

اليوم يطلب من العراقيين ان يذهبوا الى انتخابات جديدة في ظل بلد دمرت ثلثه الحرب على تنظيم داعش الإرهابي وملايين المهجرين الذين لا يستطيعون ان يعودوا الى ديارهم التي سويت بالأرض. والادهى من كل ذلك فهم، اي العراقيون، مطالبون بان يختاروا من يمثلونهم من قوائم وائتلافات وأحزاب عاثت فسادا وسرقت خزينة و موارد بلدهم، ومن قوائم وهي في غالبيتها العظمى بل الساحقة، نفس القوائم و تضم نفس الوجوه التي اثبتت فشلها وفسادها منذ عام ٢٠٠٣ وحتى يومنا هذا.

في كل يوم تظهر التقارير المتعلقة بالعراق والتي تبث من على اجهزة الاعلام المختلفة ان هناك غالبية من العراقيين رافضة للذهاب الى او المشاركة في انتخابات ستكون نتائجها كسابقاتها، كما ان هناك دعوات لمقاطعة الانتخابات القادمة، ولكن هناك حقيقة اهم وهي ان الولايات المتحدة وبعض حلفائها مثل بريطانيا، تصر على اجراء الانتخابات و وفق نفس الأساليب السابقة لكي تقول للعالم انها أسست ( ديمقراطية) في العراق وان هذه الديمقراطية مازالت مستمرة، ولا يهم ما عاناه ويعانيه الغالبية العظمى من الشعب العراقي من هذه الديمقراطية المزيفة. على الطرف الاخر فان ايران ، الدولة صاحبة النفوذ الاقوى على الارض في العراق، تريد هي الاخرى اجراء الانتخابات بنفس الصيغ السابقة لان ذلك سيضمن بقاء الوجوه الموالية، او التابعة لها والمؤتَمِرة بامرِها، في الحكم . ونفس الموقف تقفه دولا خليجية خشية من ان تثير غضب الولايات المتحدة لو فعلت غير ذلك.

وهكذا و استنادا لكل الدلائل والمؤشرات المتوفرة فان الانتخابات ستجري بموعدها اولا وسيتم إعلانها، او تزويرها، كانتخابات ناجحة وبمشاركة جماهيرية!!! وستعود الغالبية العظمى من الوجوه الفاسدة والفاشلة والكالحة التي ابتلي بها العراق منذ عام ٢٠٠٣ ولحد هذا اليوم. السبيل الوحيد للاتجاه بطريق مغاير وصحيح هو ان يعلن العراقيين الرافضين للعملية السياسية المشوهة التي ابتلوا بها مقاطعتهم لهذه الانتخابات وعدم المشاركة فيها كي لا يكونوا شهود زور مرة اخرى ولكي لا يضفوا شرعية كاذبة على حكم وحكام فاسدين.

من الناحية الشرعية، وخاصة بالنسبة الى أولئك الذين يدّٓعون التدين او الذين يَدْعُون البسطاء للمشاركة في الانتخابات على أساسا ان هذا واجب شرعي على حد قولهم، فان الشرع يؤكد ان كل عمل يقوم به المسلم ، بل وحتى غير المسلم، لا ينم عن قناعة وايمان او انه قد يؤدي الى فساد، فانه يعتبر رياءًا او نفاقا، وهو بالتالي شركا، او كما اطلق عليه الرسول الكريم (صلعم) الشرك الأصغر، حيث قال ( أخوف ما اخاف عليكم الشرك الأصغر: الرياء)، او ان يكونوا في الدرك الأسفل من النار لكونهم من المنافقين، حسب الآية الكريمة ( ان المنافقين في الدرك الأسفل من النار و لن تجد لهم نصيرا).

أعيد وأقول انه بدون وقفة شعبية حازمة سوف يستمر الحال البائس في العراق ولا يحق للعراقيين ان يلقوا باللوم الا على أنفسهم لأنهم هم من يدعمون الفساد، ولو بصورة غير مباشرة، ويرفضون الانتفاض عليه او تغييره بموقف موحد وحازم.
‎2018-‎02-‎07