تفاصيل محاولة اغتيال حنان الفتلاوي أمس وما وراءها

 

صائب خليل


"….. عند السيطرة التابعة للجيش أوقفونا، وقالوا أننا يجب أن ننتظر عشرة دقائق! عندها بدأت أشك بالأمر!! وأخيراً عندما سمحوا لنا بالمرور، وما أن تجاوزت السيارتان الأولى من المجموعة السيطرة ، وكنت في السيارة الثانية، حتى انهمر علينا الرصاص من جانبي الطريق كالمطر! "

 

هكذا وصفت لي الدكتورة حنان الفتلاوي محاولة اغتيالها أمس عندما كلمتها في التلفون هذا اليوم…

بدأت الفتلاوي الحديث عن زيارتها مع بعض المسؤولين للمناطق المحررة من صلاح الدين بدعوة تلقتها من الحشد الشعبي لـ "طمأنة الناس" بأن الموضوع ليس طائفياً و "زرنا منطقة البوعجيل، وعقدنا مؤتمر صحفي في المركز الصحي في الدور، وكان هناك ارتياح كبير وتفاعل حلو يبشر بالكثير من الأمل."

 

ووصفت الدكتورة حنان مقاتلي الحشد الشعبي بأن الكثير منهم شباب صغار ورجال كبار السن ، "نايمين بالتراب.. مع اغطيتهم البسيطة وأيديهم مشققة من البرد ووجوههم يملؤها الرمل.. الأكل يصلهم بشكل محدود".  وامتدحت نظام جماعة الحشد الشعبي وسيطرتهم على الموقف على العكس من الفوضى العراقية المعهودة، ورغم رؤية أختام داعش على البيوت في "البوعجيل"، لكن دقة وانضباط منتسبي الحشد الشعبي أشعرتها بالإطمئنان. وكان محافظ صلاح الدين معهم في الجولة.

وعن هدف الزيارة قالت أنه كان "توجيه رسالة طمأنة للناس بان القضية ليست طائفية وان الامور على مايرام بالمناطق المحررة وكذلك دعم الابطال الذين يقاتلون".

 

وفي طريق العودة، وعند مقر قيادة عمليات سامراء اقترحوا علي العودة بالطائرة، فرفضت وفضلت العودة بالسيارات كما أتينا، وكان معي كل من النائب كاظم الصيادي و حسن سالم، وكانت سياراتهم في نهاية المجموعة…"إنطلقت السيارات، ووصلنا إلى سيطرة الجيش……"

 

عندما رأت بقية السيارات، الهجوم على السيارتين الأولتين، بعد مغادرتهما السيطرة مباشرة، عادت السيارات الخلفية التي تقل الصيادي وحسن سالم إلى الخلف حيث احتموا بالسيطرة، ولم تكن هناك فرصة للعودة للسيارتين المتقدمتين. وتحت وابل الرصاص المنهمر، اتخذ سائق السيارة التي تقل الدكتورة حنان الفتلاوي قراراً حاسماً، ولأنه لا يملك اية معلومات عن الكمين وحجمه ومكان تركيزه، فقد كان قراره أقرب إلى المراهنة منه إلى حساب المخاطر، فضغط دواسة البنزين وانطلق إلى الأمام بأقصى سرعة… واستمر إطلاق الرصاص من كلا جانبي الطريق على السيارة المسرعة لفترة تقارب ربع ساعة.." (أفترض ان تقدير الزمن خطأ في هذه الظروف، وأنه لا يزيد عن بضعة دقائق يراها من يقع تحت النار طويلة جداً)…وأخيراً أنتهى الرمي فوقفنا نطمئن على بعضنا البعض ولدهشتنا كنا جميعاً سالمين، وثقوب الرصاص في كل مكان من السيارة من الجانبين!"

 

أنتهت محاولة اغتيال النائب حنان الفتلاوي، واغتيال "إرادتها" بالرصاص، بالفشل، مثلما انتهت محاولة محاولة اغتيالها بالتشهير الإعلامي الذي فضحناه في مقالة سابقة، بالفشل، وليس عندي شك بالعلاقة بين الطرفين!

 

قبل فترة اثيرت ضجة عارمة على النواب حينما طالبوا بسيارات مصفحة لحمايتهم. وكانت النتيجة أن تلك السيارات اقتصرت على التنفيذيين من رؤساء ووزراء ووكلاء ومدراء عامين ومحافظين. ورغم أننا نرى أن تخصيص سيارة مصفحة لكل نائب، اي أكثر من 300 سيارة، تبذير كبير، فمن الذي يريد اغتيال نائب لم يفتح فمه يوماً ولم يسمع به أحد؟ لكن حرمان الجميع منها خطير أيضاً. فهل أن المدراء العامون يتعرضون للخطر أكثر من نائب مثل الفتلاوي؟ على الأقل يجب أن يمتلك المجلس عدداً من تلك المصفحات للسفرات الخطرة التي يقوم بها النائب، كما يمكن أن يطالب بسيارة مصفحة بعض النواب الذين يستطيعون أن يبينوا لرئاسة المجلس أنهم يتعرضون لخطر بشكل خاص. وتكون مسؤولية تقدير الموقف على عاتق رئاسة المجلس، وتتحمل مسؤولية ذلك التقدير، خاصة في حالة واضحة مثل هذه.

 

نعود إلى الجريمة ونسأل السؤال الطبيعي: من الذي يمكن أن يكون مدبّر محاولة الإغتيال؟ فيمكننا اتباعاً للقاعدة الجنائية التي تقول: إبحث عن المستفيد"، أن نضع من يمول الإعلام العراقي موضع الإتهام أيضاً! وعدا ذلك فالمستفيد من اختفاء حنان الفتلاوي من الساحة السياسية هم حكومة العبادي التي فضحت الفتلاوي دون غيرها، الطريقة التي تكونت بها وبينت بما لا يقبل الشك أنها كانت انقلاباً على الدستور. وهناك أميركا صاحبة الإنقلاب والدعم غير المسبوق لحكومته التي حملت بالمهمات الامريكية الثقيلة وغير المشرفة. وهناك أيضا ً قيادات كردستان التي قادت ذلك الإنقلاب لحساب الأمريكان ولحسابها حيث يعتمد على ذلك مصير عشرات المليارات من الدولارات كل عام، فأزاح "معصومها" المرشح الطبيعي (غير المأسوف عليه) ليضع المرشح الأكثر انبطاحاً الذي اختاروه في اروقة البيت الأبيض، والمحمل ببرنامج التدمير النهائي للعراق اقتصاديا وعسكريا وسياسياً.

 

ولا ننسى المجلس الأعلى المليء بالقطط السمان، من الذين وصل انهيارهم الأخلاقي أننا لا نستطيع اليوم أن نجد شريفاً واحداً في قيادته، والذين القوا بثقلهم وراء الإنقلاب ولتبرير اتفاقية النفط المأساوية المهزلة، والتي كان عرابها وأحد أكثر الشخصيات إثارة للإشمئزاز من قيادييهم، والمشبوه بالمشاركة أو التستر على جريمة السطو المسلح والقتل في بنك الزوية في بغداد. وأرسلوا الناطق باسمهم بليغ ابو كلل في حملة رخيصة وفاشلة ليسكت الفتلاوي حين كانت تفضح ما جرى من انحراف في تشكيل الحكومة وتجاوز الدستور والكذب والتزوير الذي صاحبها.. وأخيراً هناك الدواعش الذين يرونها أقوى داعمي الحشد الشعبي، وأسهمت مؤخراً بضرب الطائفية بدعوتها إلى دعم صمود حديثة واشادتها أكثر من مرة ببطولة الجبور والبونمر وغيرهم. ولكن إن لم يكن الدواعش من نفس الفريق أعلاه فلم يكن بالإمكان لهم أن يتواجدوا في تلك اللحظة في المكان المناسب، وان ترتب لهم السيطرة لحظة خروج الضحية!

 

ولا ننسى قبل أن نغلق قائمة المتهمين، أؤلئك الذين يخترقون الجيش، ويعملون كجناح لداعش، فيسحبون قياداته أمامها ويسلمون أسلحته لها ويتغاضون عن هجماتها التي تحدث قريباً منهم..

 

وهكذا فلدينا مشكلة مع المتهم الذي "يضيع دمه بين القبائل"! لكن لحسن الحظ، فأن كل هذه "القبائل" لها رأس واحد يقودها، ومهما كان انتماء الذين كانوا يطلقون الرصاص، فأن الأمر قد جاء من ذات المصدر، وأن هذا المصدر الذي يحرك كل هؤلاء، لا يجهله أي عراقي! إنه ذات الإرهاب الذي اغتال الجنرال مبدر الدليمي ليأتي مكانه عملاء يتركون مكانهم لداعش، وهو ذات الإرهاب الذي اغتال ممثل الأمم المتحدة الرائع دي ميلو ليأتي بعده من يتصرفون وكأنهم موظفين في السفارة الأمريكية أو يرتبطون مباشرة بإسرائيل، فمن يحارب ذلك الإرهاب ولصالح من يعمل؟ ومن الذي يدعمه؟ ولماذا لا يسارع الجيش باغتنام الفرص للقبض عليه عندما يمكن ذلك؟

 

 أما كان بإمكان السيطرة التي حدثت عندها محاولة الإغتيال أن تتدخل؟ ألم يكن ممكنا أن تتصل فوراً لاستقدام طائرات سمتية لمطاردة المهاجمين؟ إن شيئاً من هذا لم يحدث، مثلما لم يحدث أي شيء منه عندما تركت حامية مدينة عنه العسكرية "القاعدة" تهاجم المدينة منذ منتصف الليل وحتى الصباح، دون أن تتدخل، تاركة اهالي المدينة يدافعون عنها بما لديهم من رشاشات خفيفة!

 

وهل حقق أحد في السيطرة التي قامت بتأخير موكب السيارات عشرة دقائق، دون أي سبب محدد، ليمنحون "القاعدة.. أو .." الفرصة ليستكملوا كمينهم قبل دفع الركب إلى الجحيم؟ لا شك عندي أن أحداً لم يحقق مثلما لم يحقق أحد مع الجندي الذي اطلق النار على المعتصمين في الأنبار أمام عدسات التلفزيون في محاولة لإثارة القتال والتسبب في مجزرة بين الجيش والمعتصمين، وما يتبعها من نتائج خطيرة. ومثلما لم يحقق أحد مع فراس الغضبان الحمداني الذي اخترع قصة السيوف في جريمة كنيسة سيدة النجاة لكي يؤكد إسلاميتها ودوافعها الإرهابية الدينية، رغم أننا فضحناه في أكثر من مقالة… فمثلما كان المالكي أضعف من أن يحاسب الجندي أو يحقق مع صحفي أو يحاسب ضابطاً يترك مدينته وسلاحه، فإن العبادي الأكثر انبطاحاً لن يحقق مع جنود السيطرة التي كانت تتعاون مع الإرهاب فتؤجل مغادرة القافلة بلا عذر وتمتنع عن حمايتها بلا عذر أيضاً!

 

هذا إذن هو العراق الذي أمامنا، وعلينا أن ننتظر المزيد من الكوارث مادمنا نتجاهل الحقائق الخطيرة التي تصرخ محذرة. وقد يكون الحشد الشعبي هو أنظف مؤسسة في البلاد، رغم أنها مخترقة أيضاً بالتأكيد في مكان ما. ويبدو أن الحشد قد تمكن بهؤلاء الفتية الذين "ينامون في التراب" من إزعاج مسيرة الأسطورة الداعشية التي يراد لنا أن نؤمن بها. ويبدو أن الأصدقاء الوحيدين أمام العراق  هم الإيرانيون الذين لا يخبرونا أن داعش بحاجة إلى 30 عاماً لدحرها، ولا يماطلون تسليم السلاح الذي ندفع ثمنه مقدماً، ولا يدعمون داعش في سوريا و "يقاتلونها" في العراق، ولا تلقي طائراتهم المعونة لداعش بالخطأ.

هل من شك أو تردد هناك في تحديد أصدقاء العراق وأعدائه؟ هل تترك نتائج الأسابيع الأخيرة أية شكوك في أي المؤسسات تم اختراقه بشكل شديد وأيها مازال يمتلك المصداقية ويقاوم؟ إن التردد في تحديد الموقف خطير للغاية، فهو قد يضيع الفرص القليلة للنجاة، ما لم تستغل بشجاعة وسرعة، كما فعل سائق حنان الفتلاوي عندما قرر أن يستغل الفرصة الوحيدة امامه للنجاة، فضغط على دواسة البنزين بكل قوة!

 

لقد أكدت لي النائب الفتلاوي، أنها ماضية في طريقها، فهذه الفتاة لم يرهبها ما رأته من هول. لكنها رغم شجاعتها وقوتها بحاجة أكيدة إلى الدعم وأن لا تشعر أنها وحيدة في المعركة، وأن لا يشعر أعداء العراق أن التخلص منها ينهي إزعاجاتهم، ويخلصهم من الصوت الوحيد الذي بقي يتكلم ويكشف التآمر في ساعة الصمت.

‏11‏/03‏/2015