لعفرين ..لا لزيتون أنقرة
كتب أبوطالب البوحيّة 
– “عفرين مدينة سورية وهي جزء لا يتجزأ من الأراضي السورية والعدوان التركي عليها يندرج ضمن مجموعة الاعتداءات التركية التي تهدف لزيادة معاناة الشعب العربي السوري وتكشف الأطماع التركية التي تستهدف سيادة ووحدة الأراضي العربية السورية ومحاولة لتعطيل جهود الحلول السياسية” *تصريح لحزب البعث العربي الاشتراكي خاص للكاتب إبان كتابة المقال.
– “أردوغان لم يكن ليتجرأ لولا الموافقة الروسية وصمت الحلفاء، نريد عملاً لا نريد قلقاً” *من تصريح لقيادي كردي عبر منصة Facebook.
ربما تعكس الأحداث الجارية الآن في عفرين السورية معنى اسم هذه المدينة، فمشاهد الاشتباك المُركّب الذي تدور رحاه يشبه إلى حد بعيد ما وصلنا تاريخياً عما تعنيه كلمة ”عفرين” باللغات المختلفة والتي وصلتنا آثارها بشكل تراكمي تدريجي.
عفرين أو “عف روين” الآشورية ٨٧٦ ق.م في ترجمتها الأخيرة تعني “المياه ذات اللون الأحمر الترابي”، نسبة إلى النهر الذي يمر بأراضيها والمعروف بنهر عفرين بحسب ما ذكره المؤرخ اليوناني “سترابون” في القرن الأول قبل الميلاد.
وفي العربية يشير معجم لسان العرب بأن “عفرين” تعني “مأسدة” وقيل هو “الأسد”، وهو ما يلتقي بالمعنى الذي أورده معجم المعاني الجامع إذ عرّف الاسم بـ(النافذ في الأمر مع دهاء)!
أما في اللغة الكردية فإن (آفرين) تعني بمعناها العام “الخلق والعطاء”.
ولعل كل المعاني الواردة لاسم هذه المدينة يُصور لنا مقاربة تمنحنا الإذن بأن تكون مدخلاً لمجريات الوضع القتالي هناك.
عفرين السورية بدت حسب الأدبيات السياسية التركية الراهنة أرض لا ترى أنقرة مانعاً من إرفاقها بأراضيها، حيث وضحت المنشورات الداعية للالتحاق والتطوع بصفوف القوات التركية الغازية لأرض عفرين والتي أطلقتها الأجهزة الأمنية التركية مؤخراً في ولاية هاتاي الملاصقة للحدود التركية السورية إذ وصفت هذه المنشورات الالتحاق بعملية “غصن الزيتون” بأنه “واجب للدفاع عن أراضينا من الإرهاب“.
عفرين بقراها وصل عدد سكانها إلى ما يقارب ٥٠٠ ألف مواطن، المصادر الميدانية أشارت إلى وجود أكثر من ١٥ ألف مقاتل كردي وعدد قليل من المقاتلين العرب في مواجهة ما يزيد عن ٣٠ ألف مقاتل تحت راية العملية العسكرية التركية يتقاسمون مسميات متعددة أبرزها “القوات البرية التركية والجيش التركي الثاني ولواء المغاوير الأول بالإضافة إلى القوة الجوية التركية في الوقت الذي يشترك بهذه العملية قوات أخرى من مقاتلين سوريين وأوزبك وتركمان وشيشان غالبيتهم يشكلون ما يعرف بـ(فيلق الشام) و (السلطان مراد) و (الجبهة الشامية) وغيرها من التسميات التي تخضع للإدارة العسكرية التركية بعملياتها السابقة واللاحقة في الشمال السوري (تمويل وتذخير ناري واستخبار)”.
والمراقب الخبير بعسكرة المنطقة لا يُخفي صعوبة صمود (قوات حماية الشعب) بأصنافها وتقسيماتها المعروفة أمام إمكانية القوات المهاجمة، لكن ثمة حدث مفصلي في هذا الاشتباك العنيف يُعرّفه مبدأ (قوة الأرض) والذي يعني بالعلم العسكري قدرات المقاتلين أصحاب الأرض وما تمثله معرفتهم بجغرافيتها من تعديل في ميزان هذه المواجهة.
ولعل أسباب العملية العسكرية التركية بغض النظر عن تفسيراتها وتحليلاتها الاستراتيجية والتي تبدو ضبابية بسبب مواقف أغلب القوى السياسية والعسكرية المشمولة بمفاهيم (التحالفات) من جهة و (الاستدراج والقفز على النتائج) من جهة ثانية، تبدو الأسباب الرئيسية لها هي محاولة أنقرة مسك ورقة تفاوضية جديدة أمام المشروع الزمني البياني (السوري -الروسي-الإيراني) لإنهاء ملف الحرب في البلاد، أما السبب الآخر هو هز عُرى الحليف الامريكي الجديد المحاذي للأراضي التركية ممثلاً بالقوات الكردية المدعومة في ما سبق بالمساعدات العسكرية الأمريكية، وتلك ورقة أخرى يخرجها الجانب التركي لإبراز صورته المعنية بإنتاج حالة النظام كلاعب إقليمي يعمل على الأصطفافات الغرائبية مستعيناً بخليط التحالفات الآنية والاستراتيجية في الإقليم.
تأتي هذه الأسباب متناسقة مع ما ذكره “ماكس هوفمان” المحلل السياسي الأمريكي في مركز Progress center for American”” إذ يقول “تركيا كانت شديدة الاستياء من توازن القوى القائم في شمال سورية، حيث بات يميل كثيراً لصالح الأكراد والجيش السوري، وإنها تخشى قيام كيان على حدودها الجنوبية بحكم الأمر الواقع مما يعمق التغاضي الأمريكي عن التحالف البنيوي مع أنقرة”.
كذلك هو رأي المستشار العسكري السابق في الجيش الأمريكي في العراق “براد باتي” والذي يرى “أن تركيا ترى مصلحتها في تفادي حصول الولايات المتحدة على شريك عسكري جديد في المنطقة ممثلاً بالأكراد وبالتالي فإن وجود هذا الحليف سيجعل البيت الأبيض أقل مطواعية على مستوى الاستجابة لمطالب تركيا والذي يعني خسارتها الكثير من النفوذ في حلف شمال الأطلسي”.
واستناداً إلى ما سبق فإن الأتراك يرسمون ضمن الممنوح لهم من توازنات القوى وأهدافها في سورية “قالباً جديداً” يهدف إلى دخولهم من باب واسع إلى صالونات المفاوضات المعنية بمستقبل سورية في المرحلة المقبلة خصوصاً مع استفادة أنقرة من استعانتها بمقاتلين سوريين ينتشرون ضمن مساحة كافية للتأثير على سير عملية التفاوض المتعثرة حتى الآن.
كل تلك الأسباب كانت شئناً هاماً لسياسة تركيا الخارجية، أما على صعيد سياستها الداخلية، فثمة ثيمة واضحة لتثبيت النهج القومي لحزب العدالة والتنمية المهتم بحشد الأصوات القومية التي تُيّسر جلب أكثرية برلمانية في ٢٠١٩.
السياسة الروسية هنا تبدو واضحة بانتهاج دور المراقب وعدم التدخل في الصراع التركي-الكردي، خصوصاً بعد ما وصفته مصادر روسية عاملة في مركز الدراسات العسكرية والسياسية في موسكو بالممارسات الكردية المتماهية مع الموقف الأمريكي واعتبار الأكراد ذراعاً أمريكياً يريده البنتاغون قائماً في الشرق والشمال السوري.
يقول ميخائيل الكسندروف “الأكراد لم يتوانوا عن تنفيذ أوامر الأوصياء الأجانب“!
وهي رؤية تعبر بمضمونها عن نوعية موقف الحكومة السورية الذي بدا مدافعاً عن عفرين كأرض سورية لكنه غير داعم للقوات الكردية التي سبق وإن رفضت الطروحات الحكومية السورية بدخول الجيش السوري إلى مناطق عفرين مستمراً في ظل ذلك قرار القيادة السياسية الكردية بالرهان على الولايات المتحدة التي خانت في ما سبق اتفاقاتها بأكثر من حدث يخص الأكراد إن كان في العراق وسورية.
القيادة السياسية والعسكرية الكردية المستبعدة مسبقاً من أي اجتماعات دولية تخص الأزمة السورية يجدون أنفسهم اليوم “دشم عسكرية” في الساتر الأول لإحتراب القوى الكبرى، سرعان ما دُمرت في أول نزال إقليمي دولي حقيقي يتوضح منذ سنوات الأزمة السورية السبعة، إذ يُبصر المتابع لبوادر ختام الحرب الجارية (اقتتال هذه القوى بصورتها الواقعية وبمسمياتها الواضحة) لتثبيت خريطة نهائية تسبق جلوس الأطراف المؤثرة في هذه الأزمة على طاولة (فك الاشتباك).
الأكراد اليوم وهم يواجهون نتيجة خياراتهم السياسية والعسكرية عليهم التسريع بالاستفادة مما تعنيه كلمة مدينتهم التاريخية (النافذ بالأمر مع دهاء)، فبالرغم من المشاكل التي يطرحونها بوجه الحكومة السورية يبدو أنه من الضروري في حالة الأمر الواقع القائمة تعجيل اتفاقات مضمونة مع دمشق، تمنح الأخيرة ثقة الدعم العسكري الكامل لهذه القيادة، وتأجيل المطالب الحادة التي تراها الحكومة السورية في الخطاب الكردي.
لكنها الحرب جارية، كما يجري نهر عفرين، بتناقضات مروره في الأراضي التركية والسورية “والسورية المحتلة” من قبل الجانب التركي -أي لواء الاسكندرون-، حرب تركية قد نرى إحدى معاركها اليوم متمثلة بما يُعرف بحملة “غصن الزيتون” في الوقت الذي تشير المدلولات التاريخية باستقراء معارك مستقبلية لن تنتهي ضد الأكراد، و المصلحة العظمى الوحيدة للقوى الكردية التعامل مع هذه الحرب بوجود الداعم الشعبي والرسمي السوري الذي عبرت عنه الرؤية الحكومية في أكثر من موقف.
الأكراد شعب محب مخلص، وهو ما لمسه الكاتب خلال زيارة مفصلية له لمناطق سيطرة الأكراد في الشمال الشرقي منذ أعوام، وان كل ما يصل عن تاريخ هذا المكون يوضح سباقه المحموم للحصول على حقوقه الثقافية ودوره في التمثيل السياسي المرجو ككيان بشري لا يتجزأ من المكون البشري السوري، وكل الطروحات الداعية للانفصال ماهي إلا ثغرة وهمية تستعملها القوى الطامحة للتلاعب باستقرار المنطقة.
يقول مسؤول سوري رفيع في دمشق للكاتب “نحن على استعداد دائم للدفاع عن عفرين” ويردف “لن نتأخر يوماً في بيان مشاعرنا تجاه قضية نعتبرها لا تتجزأ عن قضايا البلاد المصيرية”.
عفرين بصمودها المتوقع ودفاع أهلها عنها لعلها مُنتج حيويٌ لتغذية منهج حل الخلافات الداخلية في سورية، ونبوءة صادقة تنحو باتجاه تغيير مزاج سياسة القادة الكرد نحو طبيعة اختيار الصديق والعدو.
المصدر: دمشق الآن
‎2018-‎01-‎31