جورج حبش حارس (البديهة) والحلم الفلسطيني...
أحمد الناصري
في الذكرى السنوية لرحيل جورج حبش
جورج حبش عاد الى اللد، عاد الى فلسطين، بعد أن خاض تجربته العميقة
في الجدل لفهم ومواجهة الواقع دون صفقات وتنازلات…
لقد توقف قلب جورج حبش الشجاع والجسور عن الخفقان، ومات المناضل المثال والصلب، مات المناضل الزاهد والأمين، وبقيت تجربته العميقة والطويلة وفكره الوقاد وراياته لنا وبيننا.. فقد مات الفتى جورج، مات بن فلسطين، وبن اللد، لكنه عاد لهما. مات المناضل والمغامر، مات الجدلي والمتحول صعوداً من موقف الى موقف، رافضاً أن يبقى في مكانه فيما الحياة تدور وتتطور وتتبدل من حال الى حال.
جورج حبش واحد من الشخصيات النبيلة والجميلة والصادقة التي تعرفت عليها من خلال القضية الفلسطينية، باعتبارها قضيتنا الأولى والرئيسية، من خلال أحداثها الرهيبة ومأساتها ومشهدها الكارثي الطويل، الذي لم يتوقف بعد، بل يتصاعد ويتعقد بشكل خطير، كما هو المشهد الخطير في القدس وغزة والضفة الغربية ومناطق أل 48.
تأثرت بجورج حبش بسبب متابعتي المبكرة لنشاط الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وخطها الفكري والسياسي الثوري وعملها العسكري النوعي، الى جانب نشاطاته ومواقفه المعروفة في منظمة التحرير الفلسطينية، وتجارب الأردن ولبنان والمخيمات الفلسطينية في الشتات، وعمليات خطف الطائرات الشهيرة التي هزت العالم من تلابيبه، وتجربة مجلة الهدف وغسان كنفاني، والفكر والأدب الثوريين.
وحبش مثل عدد من الشخصيات العراقية والعربية والعالمية، السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية الكثيرة، التي أحس بقربها والفتها والعلاقة الحميمة معها. وهذه العلاقة الخاصة مع هذه الشخصيات، هي علاقة متحركة في صعود ونزول، حسب التجربة والنضج والتقييم والمراجعات والعلاقة النقدية بها، حتى فكرت في مرحلة معينة بالانظمام الى الجبهة الشعبية، متأثراً به وبفكره وبماركسيته الثورية ووضوحه وديناميكيته العالية.
كنت أتذكر جورج حبش كلما شاهدت صورة صديقه ورفيق دربه وديع حداد وهو ملثم في ملصق النعي الشهير في شوارع وساحات وجدران بغداد عام 78، وكنت يومها متخفياً ومطارداً مثله، يلاحقني الموت في كل زاوية وشارع ومنعطف، كما حاولت منظمات فلسطينية صديقة مساعدتي في الهروب الى لبنان لإنقاذ حياتي، من خلال صديق عراقي رائع يعمل في المنظمات الفلسطينية، وهذا من أسرار بغداد الكثيرة والقديمة.
بقيت صلاتي الخفية به كلما شاهدته من بعيد في بعض المناسبات في دمشق، أو أرى صورته البسيطة على واجهة أستوديو تصوير في مخيم اليرموك بدمشق، كما حاولت دراسة ومراجعة تجربة حركة القوميين العرب التي أسسها جورج حبش، مع أصدقاء لي من الحركة، وتابعت تجربة التحول اليساري الكبير نحو الماركسية، بما لها وما عليها، والذي حصل بعد هزيمة 67، والصراعات العنيفة داخل منظمة التحرير الفلسطينية ومجلسها الوطني، وكيف كان حبش صمام الأمان لمنع الانزلاق والانجرار نحو التسوية والاستسلام. وكيف سلم راية القيادة الى تلميذه ورفيقه الشهيد أبو علي مصطفى، الذي اغتيل في عملية إرهابية صهيونية عام 2001 في مدينة رام الله، وقد تسلم مهمة القيادة من بعده الأسير أحمد سعدات، لتستمر مسيرة الجبهة الشعبية، كفصيل يساري وطني وقومي أساسي، له قدرة كبيرة على التجديد والعمل والكفاح في سبيل تحرير فلسطين، رغم كل الظروف المعقدة والصعبة التي تحيط بالقضية الفلسطينية، وقد ورثت ونقلت الجبهة الشعبية كل ذلك من تجربة جورج حبش ورفاقه، وعليها التمسك بها والمحافظة عليها وتطويرها دائماً، في نضالها الوطني والقومي الشاق.
لقد عاش جورج حبش بسيطاً وواضحاً، كما عاش كل حياته وسط المخاطر والعواصف والتقلبات الكثيرة والعنيفة، كمناضل استثنائي عنيد، منذ مذابح مدينة اللد المحتلة عام 48، وهو لم يزل طالباً يدرس الطب في مدينة بيروت، وقد عاد الى المدينة ودافع عنها، وعاش المذبحة والمحرقة المروعة فيها لجثث أكثر من 400 شهيد، قتلتهم وحرقتهم العصابات الصهيونية الفاشية القادمة من وراء البحر في مدينة اللد وحدها، ورسخت تلك الأحداث في وعيه ومواقفه اللاحقة، فقد وقف حبش الى جانب شعبه العربي، وكرس أيامه وسنينه لخدمة الشعب العربي والشعب الفلسطيني، و لم يتنازل عن حلمه الحقيقي، بل ساهم في رسمه وتحديده، ولم يتراجع أو يتقلب مع ريح التحولات العاتية، ولم يهتز أو ينقلب على نفسه أو على رفاقه، مثلما فعل ويفعل البعض، وظل ثابتاً على مواقفه الأساسية، رغم إداركه لكل التحولات والتغييرات النوعية التي تجري في الحياة والعالم، وظل نشطا وفعالاً ومتحركاً، رغم محاولات الاغتيال والقتل والخطف الشهيرة التي تعرض لها، وقادها الموساد ضده.
لقد فقدت القضية الفلسطينية بموت جورج حبش أحد أبرز عقولها، وأحد أعمدتها الأساسية، كما فقد اليسار الوطني والقومي أحد أكثر المحرضين على الجدل والصراع الفكري والتجديد.
كم كان يحبه ياسر عرفات كمحاور ورافض عنيد ومشاكس نبيل ومعارض دائم؟ وكم سيفتقده نايف حواتمه؟ كما سيحتاج إليه البسطاء. فهو الحكيم والربان وماسك البوصلة، ومشعل مصابيح الفنار، وصاحب المفاتيح الوطنية والثوابت الوطنية وحارس الوحدة الوطنية، وهو صخرة القدس الصلبة، وزيتونة اللد والبلاد، وسنديانة فلسطين.
مات القائد الوطني الفلسطيني.
مات القومي الجميل والثائر الأممي البارز.
مات الزاهد والنقي والصادق.
سأغني لحبش وجيفارا ولكل الثوار الصادقين!
ستبقى ذكراه وأفكاره وتجربته لنا وبيننا، وقد عاد الى مدينة اللد الفلسطينية من خلال الاحتفال به من قبل عائلته ورفاقه وأصدقاءه ومحبيه. وكم كان الاحتفال بحبش بسيطاً ومعبراً وحقيقياً.
* لا أدري إن كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد سجلت تفاصيل تجربته الطويلة والغنية بالصوت والصورة، ولا أدرى إن كان الراحل قد ترك لنا مذكراته وسيرته مع الثورة الفلسطينية، لأنها ذاكرة فلسطين منذ أل 48؟ ومتى ستظهر آثاره وأوراقه ووثائقه الى النور؟

 
‎أحمد الناصري‎s foto.
‎أحمد الناصري‎s foto.
 
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=1979033685748976&id=100009270914346

‎2018-‎01-‎29