ثرثرة في رام الله


ثريا عاصي
عندما اعتقلت السلطة الإستعمارية الإسرائيلية خالدة جرار ممثلة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى إجتماعات اللجنة التنفيذية لتحرير فلسطين سنة 2015، راجت أخبار مفادها أن ذلك جرى بناء على طلب رئيس السلطة السيد محمود عباس الذي كان يرغب في إبعاد السيدة جرار عن إجتماعات اللجنة التنفيذية.

وفي هذا السياق كشفت السيدة ليلى خالد، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية عن ضغوط قوية مورست من قيادة منظمة التحرير ضد خالدة جرار من أجل إزاحتها عن تمثيل الجبهة في اللجنة التنفيذية.
إعتقلت خالدة جرار من جديد في 02 تموز 2017 ولا تزال في سجون المستعمرين الإسرائيليين.

(إعتقل الإسرائيليون أحمد السعدات أمين عام الجبهة الشعبية في 15/1/2002، وسط مهزلة جرت في سجن أريحا، شاركت فيها السلطة الفلسطينية، أميركا بريطانيا وإسرائيل ).

لذا لم تتمكن ممثلة الجبهة الشعبية من حضور المجلس المركزي الذي إنعقد في 15/1/2018 وصدر عنه بيان ختامي لم تعترض عليه خالدة جرار، فالسيد محمود عباس شأنه في ذلك شأن بطاركة الحكم في بلدان العرب، يمقت المعارضين للسياسة التي يتبعها ولا يتحمس للديموقراطية إلا في سورية!
كان لا بد من وضع هذه التوطئة تمهيداً لتناول بيان المجلس المركزي الفلسطيني على ضوء بعض المعالم التي ميّزت مسيرة منظمة التحرير الفلسطينية منذ أن اتخذت هذه الأخيرة طريق المنفى إلى تونس إثر الهزيمة الكبيرة التي لحقت بها في لبنان سنة 1982، متوجة سلسلة من الإخفاقات بدءاً من عمان 1970، جرش وعجلون 1971 تل الزعتر 1976.

فلقد اتضح في بيروت أن «المقاومة الفلسطينية» تغيرت وتبدلت في لبنان فتحولت إلى تشكيلات وفصائل تماثل نظم الحكم العربية ولا تشبه حركات التحرير الوطني!

لا أبالغ في القول أن تأثير قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي تمارس السلطة في رام الله حالياً تنامى وقوي في المنفى التّونسي، حيث تمكنت هذه القيادة من فرض النهج التفاوضي كأمر واقع وصولاً إلى توقيع إتفاقية أوسلو في سنة 1993 مما أدى بشكل أو بآخر، مصادفة أو عن سابق قصد وتصميم، إلى خلق ظروف أتاحت للإسرائيليين حصار ياسر عرفات في رام الله، حتى وافته المنية في سجنه.
لو كنت بصدد إعداد بحث عن القضية الفلسطينية في مرحلة ما بعد الغزو الإسرائيلي للبنان 1982، لضمنته فصولاً تحت عناوين : المنفى، إنتفاضة الحجارة، اتفاقية أوسلو، السجن في المقاطعة، السيدان ابو العلاء وأبومازن، إعتقال أحمد السعدات ورفاقه من سجن السلطة في أريحا، الجنرال الأميركي دايتون، الشهيد المشتبك باسل الأعرج أستشهد في آذار 2017، خالدة جرار، وعهد التميمي!
لأنتقل من بعد إلى بيان المجلس المركزي الذي إحتوى على تعداد لنقاط عن المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي يعرفها بحسب ظني جميع المعنيين بالقضية الفلسطينية، ولكن يـُفهم منه أن جماعة منظمة التحرير تتظاهر بأنه آن الأوان لكي تطلع الناس على هذه النقاط، استخفافاً بعقولهم أو إنكاراً للأخطاء الفادحة التي إرتكبتها هذه الجماعة فجلبت على الفلسطينيين مصائب كثيرة، أو تنويراً فهي الأعلم والأذكى مثل قادة العرب!
ما معنى أن تكشف الآن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الحالية، أي بعد أكثر من عشرين سنة على توقيع إتفاقية أوسلو في 1993 عن أنها إعترفت بدولة اسرائيل التي تحتل فلسطين وتمارس التمييز العنصري ضد الفلسطينيين، عن أن لديها جهازاً أمنياً يعمل في الضفة الغربية بالتنسيق مع الأمن الإسرائيلي، عن أن الولايات المتحدة الأميركية تريد فرض حل للقضية الفلسطينية من خارج الشرعية الدولية، وبالتالي فلا مصداقية لها بعد قرار نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس دعما لمشروع الدولة اليهودية، عن أن اسرائيل خالفت الإتفاقيات التي وقعتها مع السلطة الفلسطينية (كان المستوطنون يخالفون الإتفاقيات مع الهنود الحمر) وأخيراً أن هذه السلطة تريد فك الإرتباط إقتصادياً مع إسرائيل (تدعو إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية! وتدعم الهبة الشعبية أيضاً!) ودولة فلسطينية مستقلة على أساس حدود1967 عاصمتها القدس.
يحار المرء في أمر القيادة الفلسطينية الحالية، فأي وسيلة تـُمكن الفلسطينيين من إقناعها بلزوم إجراء جردة حساب لسياستها طوال العشرين سنة الأخيرة، إذ من البديهي أن هذه السياسة أوصلت الفلسطينيين إلى مأزق خانق.

لا شك في أن هذه القيادة تتحمل مسؤولية في فشل اساليب المقاومة التي لجأ إليها الفلسطينيون، لقد طاردت الذين حملوا السلاح والذين حملوا الحجارة والذين دعوا إلى النشاطات الإحتجاجية السلمية مثل التظاهر والإضراب ومنعت التفكير والبحث عن وسائل وأساليب نضالية جديدة. فما هو دور هذه السلطة الحقيقي؟
لماذا تنبهت إلآن إلى ممارسات الإحتلال البشعة، الإجرامية، في إعتقال الصبية والصبايا القاصرين عمرياً وإخضاعهم في السجون والمعسكرات الإسرائيلية للتحقيق وللإرهاب النفسي ولتلقين معلومات مفبركة مغلوطة عن مجتمعهم وعن ذواتهم. ماذا فعلت هذه السلطة عدا ما جاء في في بيانها عن المعتقلين القاصرين، ماذا فعلوا من أجل إطلاق سراح عهد التميمي مثلاً، هل استقالوا، هل أضربوا عن الطعام ؟ أم أنهم ينتظرون من أن الثرثرة عن عهد التميمي ستريحهم من عبء المسؤولية الثقيلة عما فعلوه بالناس ! ولكن أخشى ما يخشى هو أن تكون هذه الثرثرة عن الإجراءات التي تزعم القيادة الفلسطينية أنها ستتخذها، كذر الرماد في العيون.

كونها مرتبطة بحسب إعترافها بالإقـتصاد الإسرائيلي بالإضافة إلى أنها تعتمد على تمويل من الإتحاد الأتحاد الأوروبي وإلى أن حكومة مصر والمملكة السعودية موافقتان كما يبدو على إقتراحات الرئيس الأميركي (اللامشروعة، المتعارضة مع القانون الدولي) لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. هل يحزمون حقائبهم؟
‎2018-‎01-‎20