مادة قديمة عن الناصرية البعيدة والأصدقاء والحزن….
يسقط الحزن!
أليها….
أحمد الناصري


أكتب عن ألواح وطبقات وأنواع الحزن المتخثر فوق رفوف وجبين وأصابع الزمن، وعلى الأبواب والشبابيك والغرف والممرات الأليفة والقديمة، في مدينة تتمسك بالحياة، وتنأى وتلوذ بالعذاب والخيبة. اكتب عن مرايا الأحزان.
المسافة بين بيتي الأول وبيتي الأخير، مليئة بالرائحة الأولى، وطعم الخبر والحنين، والذكريات الراسخة، وبقايا سجادة قديمة، تقطعت وتساقطت خيوطها حتى تلاشت ألوانها الأصلية، كأنها لوحة من تراب، تراكمت وترسبت عليها عاديات وعذاب الزمن وغباره وآثاره. كانت السجادة تتلاشى وتذوب، رويداً رويداً، مثلما تذوب الشمعة في ظلام الزمن المديد. المسافة الطويلة بين بيتي الأول وبيتي الأخير، معلقة الآن كسجادة العائلة الأليفة تلك، تنقش وتمضغ الوقت على جدار وخارطة العمر، وهي مليئة بالصور والأحداث والأهوال والحروب والحزن والصداقات والخيبات والفشل والمرارة والبؤس والأمل والضحك والزنازين والفقدان، صور القتلى والشهداء والضحايا وهي تكتظ بهم وبذكرياتهم الضائعة والمهشمة، وصور المدن والمحطات والجبال والقصائد والنساء والمطر والغياب والحضور والألق.
في منعطف الزمن، أو في جريانه المستمر، أحاول أن أتربص به وأمسكه من تلابيبه وأقطعه إلى أجزاء صغيرة، لكي أضعه وأحفظه في أناء مصنوع من الهواء، أو أرسله إلى معصرة ومختبر الزمن ذاته، كي أحصل على الخلاصة النهائية المختصرة، أو خلاصة ما، أو ما يسمى بحكمة الزمن وتجاربه ودروسه. رغم أنني (أحياناً) لا أكترث بالزمن ودروسه وخلاصته ومواعظه، مهما كانت جامدة أو قيمة وباهرة، ولا اكترث بالزمن الهارب أو القادم من الضفة الأخرى، أو من العدم. كما أنني أكره أحياناً لعبة الزمن ولعبة الساعات، ولا أتوقف عند الزمن المقتطع أو المتوقف على جدران الزنازين الكثيرة التي دفعت أليها مراراً، أو الزمن المنسكب في وقته وساعاته الوهمية أو الحقيقية! والزمن مادة سائلة، وأحياناً صلبة، بمعنى من المعاني، وهو عبارة عن صور ولقطات متلاحقة، ثابتة أو عابرة، مثبتة على شريط ووجه الحياة. فآه يا زمن، ما لذي قد فعلناه، كي تفعل بنا ما فعلت؟ وأية خطيئة قاتلة أرتكبها أحد ما كي يحصل لنا ما حصل؟ بيتي ومكاني الأخير، المكان السحيق والغائر في حقول وتفاصيل الزمن المتلاشية في البعاد والنأي، السقف والحائط الأخير، هو مملكتي الصغيرة، البسيطة المتواضعة، لا أريد أكثر، ولا أسعى إلى أزيد. أنه مؤثث بالكلام المريح وبالصداقة والحب والعوز وروح الطفولة العذبة، رغم أنه مُستقر قلق ووهمي، بعد بيتي الأول في الناصرية، احمله كعربة الغجر، يجرها حصان غريب، أعبأ ذكرياتي بالقناني والصناديق وأكياس النايلون الرخيصة، وأسير به نحو دروب المجهول والغربة. أحياناً ألجأ أليه كما تلجأ السلحفاة إلى ترسها، وأنام فيه باطمئنان كامل، أرصد وأراقب العالم الخارجي بهدوء مطلق رغم الصخب والضجيج والعنف، أو أحمله كما يحمل الحلزون القوقعة وأسير به ببطء مبالغ فيه، من غير هدى، نحو المجهول البعيد أيضاً، أو إلى حيث لا أصل. وقد ألجأ أليه بسرعة خاطفة، كما يدخل القنفذ السعيد الى جلده. لكن بيتي مليء بالزهور والورود والكتب والأغاني والأحلام، من دون أشواك، لأنني أكره الشوك (لكنني أحب ثمرة الصبار وأتعاطف مع نبتة الحنظل والدفلى)، بل أنني ضحية من ضحاياه الكثر، وهو كثير في طريقي وحياتي، وطالما أستللته بأناة وصبر منقطع النظير، بل بصبر غير ضروري أحياناً. وفي كل مرة، أغسل يداي بماء الينابيع والمطر وأشفى من الشروخ والجروح.
في بيتي الفقير والأخير، أصيخ السمع إلى صوت (الرسولة ذات الشعر الطويل) يأتيني من بوابات السماء البعيدة والخفيضة، المفتوحة والمغلقة، يناديني ويعلمني ممازحة القمر، وتأثيث الحياة بالصدى وبالأمل الجميل، ويرش الملح على معنى الحياة، فيصبح كل شيء عندي ذو معنى محدد.
في بيتي الأخير والمتواضع، طالما استدعيت أصدقائي، المتنبي والمعري والبحتري وبن عربي والجواهري والسياب والبياتي وسعدي يوسف وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور ومحمود درويش، واستمعت فيه إلى حكمة بن رشد وواصل بن عطاء وماركس ورامبو ولوكاش وفهد، كلما ضاق الكون والمكان والبيت والسجن، وكلما (ضاقت العبارة)، وتخثر الحزن، وصار حزيناً، كالدمع الحار، كصمغ الشجرة التي تنوح على الريح، أو مثل الرصاص الكثيف أحياناً.
بيتي الذي أنا منه وفيه، أطل منه على نفسي، وأتتبع خطاي الحائرة والمترددة في منفى طويل وبعيد، لا يريد أن ينتهي أو يتوقف. أطل على العائلة الصغيرة، فأرى دفئها يتصاعد من موقد البيت وينتشر في أرجائه، أطل على وجوه الأصدقاء والصداقات، فأرى حديقة عامرة من شجر حميم، لا ينام ولا يسقط ولا يبتعد. أتجاوز وأنسى وجوه الأعداء، وأطل على البحر فأراه موجة تطوي موجة من دون كلل، أطل على الريح فأراها سادرة نحو الأبدية، أطل على الدنيا فأراها ترتب أشيائها بأناقة منقطعة النظير، وهي عامرة ومكتظة بألوان الحياة الزاهية، يضيئها قمر ليموني، فأطل على الناصرية، عندها يتفجر الشوق، ويسقط الكون بهياً من مكانه العالي، ويتفتت إلى زجاج منثور في الروح، وفي مهب الذكريات!!
ما زلت أزيل وأمسح ألواح وطبقات الحزن المتيبس فوق عيون الزمن، لم أتعب من لعبة الحزن والانتظار بعد، لكنني قد اتعب.
فليسقط الحزن!

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=1973357242983287&id=100009270914346
‎2018-‎01-‎19