مرة أخرى … حول رواتب “المناضلين” التقاعدية!

سلام موسى جعفر


في تعليق لاحد الأصدقاء على منشور لي قبل يومين سألني فيه ان كنت استلم راتب خدمة جهادية. كانت اجابتي واضحة بينت فيها رفضي لأي تعويض مالي يحصل عليه المناضل.

الا أنى استلمت فجر اليوم عبر الخاص رسالة من مجهول يكاد يكون معلوما (حتما من بين معارفي)! يعترض فيها على عبارتي الواردة في اجابتي ” النضال ليس سلعة” وأنه ليس صحيحا قولي “لا أستلم أي راتب تقاعدي” وانني منافق وغيرها من الشتائم. قررت ان اتناول الموضوع مجددا. وبإمكان المجهولين ان يعلقوا بالطريقة التي يريدون، ولن أهمل تعليق أحد.

وكنت قد كتبت حول الموضوع سابقا ولمرتين ونشر في عدد من المواقع، بعضها حذفه! اود أن أوضح للصديقات والأصدقاء أنى شخصيا لا استلم أي راتب تقاعدي او غير تقاعدي في العراق، ولا أي نوع من الامتيازات الأخرى.

ورفضت جميع العروض التي قدمت لي. كما اود ان أذكر بقناعتي وايماني الراسخ من ان جميع الذين انتسبوا للحزب الشيوعي العراقي، وجميع الرفيقات والرفاق الذين التحقوا بحركة الأنصار لم يفكروا باي منفعة مادية من وراء انتسابهم للحزب او التحاقهم بالحركة.
الرواتب التقاعدية للمناضلين
لا توجد إحصائية رسمية بعدد “المناضلين” السابقين من المشمولين برواتب تقاعدية من الدولة بعد اقتسام السلطة فيما بين الأحزاب التي كانت تعارض نظام صدام حسين.

لكن هناك تسريبات وتقديرات تتوقع ان العدد يصل الى أكثر من ثلاثة ملايين مناضل. بعض المناضلين يحصلون على أكثر من راتب تقاعدي واحد بالإضافة الى امتيازات أخرى كالبيت وقطعة ارض وسلف معفاة من الدفع.

المناضلين من قادة الأحزاب ومن درجة رجال الاعمال، لا يفوتهم شمل افراد عوائلهم بهذه الرواتب! فتجد الزوجة والاخت والاخ والابن والبنت والعشيقة من المشمولين بامتيازات المناضلين والمناضلات حتى لو كانوا قد ولدوا بعد سقوط النظام! أو كانوا من جنسيات أخرى! وفي كردستان لوحدها تدفع رواتب تقاعدية لحوالي 400000 فرد مسجل فقط تحت بند ” تقاعد البيشمركة” وهناك مئات من الالاف الأخرى المسجلة رسميا تحت بنود أخرى.
أريد لهذه الملايين من المشمولين بالرواتب التقاعدية والامتيازات الأخرى، والعاملين تحت يافطات ” منظمات المجتمع المدني” ذات التمويلات الحكومية المحلية والاجنبية ان تكون جزءا أساسيا من ” الطبقة الوسطى” التي يعتمد عليها النظام السياسي الذي أقيم بعد الاحتلال الامريكي للبلاد.
للأسف الشديد تضم قوائم المشمولين بهذه الرواتب اعداد من الشيوعيين السابقين، ولو ان نسبتهم قليلة جدا ولا يمكن مقارنتها بالأعداد الكبيرة لمنتسبي الأحزاب الأخرى من المشمولين بتلك الرواتب.

من بين الشيوعيين بضعة مئات من الرفاق العرب الذين التحقوا بحركة الأنصار، بعضهم يعيش في بلدان المهجر، ولدى الجميع دخل ثابت.

عندما أقول للأسف الشديد وانا اتحدث عن هؤلاء الشيوعيين، فإنني انطلق من حبي لهم وحرصي على سمعتهم كرفاق وأصدقاء ومن حرصي على الشيوعية عموما التي ارتبط اسمها بالأخلاق الحميدة والأمانة ونكران الذات والتضحية دون مقابل. وحجتي في ذلك الشهداء الشيوعيين الذين ضحوا بحياتهم عندما تطلب الامر.
صحيح ان النضال السياسي هو عمل يخص المجتمع عموما، الا ان قرار الانخراط فيه وممارسته هو قرار يخص الفرد نفسه! هو اختيار شخصي، تطوعي، غير ملزم لأي فرد.

لذلك فان المجتمع غير ملزم بالتعويض عن الاضرار الناتجة عن الاختيار التطوعي، فكيف الحال اذا ما عرفنا ان هذا الاختيار لم يلحق خسارة بالفرد نفسه؟! كذلك الأمر نفسه ينطبق على العمل الانصاري.

لم تقم حركة الأنصار نتيجة لانتفاضة شعبية، وانما نتيجة لخلاف وقع بين الحزب الشيوعي العراقي وبين حزب البعث الحاكم. لذا فان الشعب العراقي غير ملزم بتعويض الافراد على سنوات وجودهم ضمن حركة الأنصار.

ربما سيستدرك البعض ويقول ان رواتب الأنصار الشيوعيين تدفع من ميزانية وزارة البيشمركة في أربيل.

لذا اسمحوا لي ان أوضح:
أولا: ان ميزانية وزارة البيشمركة ورواتب المنتسبين اليها والمتقاعدين تدفعها الحكومة المركزية حسب تعريفات النظام السياسي القائم.
ثانيا: يعتقد البعض خطأ ان حكومة الإقليم هي من يسدد تلك الرواتب! وهذه الحجة تسيء الى المناضل نفسه على اعتبار ان هذا المناضل قدم اعترافا بتبعية حركته للحركة القومية الكردية وفك ارتباطها بعموم قضية الشعب العراقي.
ثالثا: وبغض النظر عن مصدر تمويل هذه الرواتب فأنها جزء من منظومة الفساد والافساد، يتحول فيها المناضل الى عالة على المجتمع، الى طفيلي يعتاش على قوت الفقراء والمعدمين ويزاحمهم في معيشتهم وارزاقهم، سواء في مدن الإقليم او عموم العراق.
ان النضال ليس سلعة للبيع، ينتظر منها المناضل مردودا ماديا! وانما هو موقف انساني واخلاقي ووجداني يسمو فيه المناضل ويترفع من خلاله عن مغريات الحياة المادية.
وكما تعلم الأغلبية ان نسبة العراقيين الذين يعيشون تحت خط الفقر وصلت الى أكثر من 30%، وهي نسبة مرشحة للزيادة بسبب انخفاض أسعار النفط، مقابل الزيادة المطردة في عمليات نهب أموال الدولة وتهريبها الى الخارج، وازدياد الديون الخارجية التي أدت بدورها الى إطلاق يد صندوق النقد الدولي وفرض شروطه بتخفيض الدعم عن السلع الأساسية وتخفيض الرواتب وخصوصا رواتب المتقاعدين وبيع أملاك الدولة للشركات الأجنبية والمحلية المرتبطة برموز الفساد. لهذا فان معالجة قضية معيشة المناضل القديم الذي لا يستطيع اعالة نفسه او عائلته انما تقع ضمن علاج مشكلة الفقر عموما عن طريق تأمين المجتمع لمعيشة لائقة لمن يحتاجها.
اعتقد ان قطع الرواتب التقاعدية للمناضلين السابقين من مختلف انتماءاتهم السياسية وتقليل مصروفات الإدارة السياسية غير الضرورية، ستخفف من وطئة الازمة الاقتصادية بشكل ملحوظ. وهذا أمر لن يحدث بدون تحرك جماهيري ثوري يكتسح منظومة الفساد والافساد التي أسسها المحتل الامريكي.
حتما سأواجه عتب، معارضة وتشهير على اقتصار المنشور فقط على المناضلين السابقين من الشيوعيين.

وفي هذا الصدد اود ان أوضح ان القوى السياسية الأخرى لا امل يرجى منها لأنها تمتهن الفساد والافساد واكرر ما قلته سابقا من “أنني انطلق من حبي لهم وحرصي على سمعتهم كرفاق وأصدقاء ومن حرصي على الشيوعية عموما التي ارتبط اسمها بالأخلاق الحميدة والأمانة ونكران الذات والتضحية دون مقابل. وحجتي في ذلك الشهداء الشيوعيين الذين ضحوا بحياتهم عندما تطلب الامر”.
وأتمنى على رفيقات ورفاق الامس ان يعيدوا التفكير بمواقفهم من الامتيازات المرتبطة أساسا بالعملية السياسية ومنظومة الفساد الناشئة عنها.

وادعوهم الى الامتناع عن مواصلة المشاركة في منظومة الفساد من خلال التوقف عن استلام تلك الرواتب التقاعدية، واخص منهم صاحب الدخل البديل.

وأريد ان أسأل: الم ترسل لكم بعد، ياترى، عمليات حرق مقرات الحزب الشيوعي الكردستاني التي قامت بها الجماهير الشعبية الغاضبة في السليمانية أية رسالة او إشارة لأعاده التفكير؟!
‎2018-‎01-‎11