اليمن: الذكرى الخامسة لاغتيال نصير الدولة المدنية جار الله عمر

ali mouhsin hamid

علي محسن حميد

عاش جار الله عمر طفولة يٌتم وكانت وصية والده لوالدته بأن تهتم بتعليمه وأن لاتتزوج وقد نفذت النصيحة الثانية أما التعليم فكانت ترى أن   تعليم القرية يكفيه ولكنها استسلمت أمام إصراره الذهاب إلى مدينة ذمار للدراسة بالمدرسة الشمسية التي كانت إحدى المدارس الدينية التي يجد خريجوها وظائف في سوق العمل الضيق في العهد الملكي. في 28 ديسمبر 2002 اغتيل جار الله أحد أبرز مثقفي ومناضلي اليمن  الوحدويين والعروبيين على يد متطرف كان! عضوا سابقا في حزب الإصلاح ( إخوان اليمن) وطالبا في السنة الثالثة في “جامعة الإيمان” ! التي أسسها وأدراها عبد المجيد الزنداني وكانت تقبل طلابا بشهادة رَجٌلي دين وليس بالضرورة بشهادة الثانوية العامة .

الرئيس الراحل علي عبد الله صالح أنشأها بقرار جمهوري لمحاربة القوميين واليساريين ونشر فكر الولاء والطاعة لولي الأمر بعد تحذيرمبكرمن حزب الإصلاح له من المذهب الزيدي الذي يجيزالخروج على الحاكم الظالم وكمكافأة للزنداني شخصيا صاحب  الفتوى الشهيرة بتكفير الجنوبيين وجواز قتل أطفالهم مع زميله الديلمي أثناء حرب 1994 ولحزب الإصلاح على دوره الذي وصفه الشيخ الراحل عبد الله حسين الأحمر ب”المشرّف”.

كان هدف الإصلاح مختلفا عن هدف صالح فماكان يهمه هو نشر السلفية الوهابية، للحصول على العون السعودي، والإخوانية، للوصول إلى السلطة  وتوسيع قاعدته وخاصة بين قبائل شمال الشمال وصغار السن بواسطة مخالبه السرطانية”المعاهد العلمية” التي مولتها عدة دول خليجية واشترى بها عوزألاف الأسرالتي ألحقت  أطفالها بها هربا من الفقر وكان هدف المعاهد والجامعة تشكيل وعي هؤلاء  لتحقيق هدف الإصلاح الاستراتيجي  كحزب سياسي ،الاستيلاء على السلطة،  وليس خدمتهاآنيا فقط، وإعادة اليمن إلى وضع أسوأ من وضع ماقبل ثورة 1962، وكان حصان طرواده الإصلاحي  لهذه الغاية هو الفريق علي محسن صالح الأحمر نائب الرئيس هادي اليوم.

حتى اليوم عجزكثيرون عن فهم حرص بعض دول  الخليج على تحويل اليمن إلى يمن سلفية بينما لاتقبل ذلك في بلدانها. اغتيل جار الله  في المؤتمر السنوي لحزب الإصلاح من قبل شخص طالب جار الله بإطلاق سراحه بعد أن مكث في السجن عشرين شهرا بدون محاكمة.تلك الفترة كانت فترة تأهيل عملي للقاتل لارتكاب جريمته التي لم يخف رغبته في ارتكابها أمام المسؤل الأول في الجهاز المركزي للأمن السياسي. والمفارقة أن جار الله عمر، الذي منحته أحزاب المشترك لقب مهندس المشترك ، ( أحزاب اللقاء المشترك  ضمت الاشتراكي والإصلاح والناصريين والبعث السوري واتحاد القوى الشعبية وحزب الحق )، قتل على يد عضو سابق! في أحد أحزاب المشترك وفي مناسبة سنوية لنفس الحزب . كان جار الله بالنسبة لصالح مشروع اغتيال واجب التنفيذ وقد تعرض لعدة محاولات فاشلة داخل اليمن وخارجه  وكان يتوقع اغتياله في أي لحظة ولكنه كان يريد أن يٌغتال أمام الملأ.

صالح حذرجار الله  من الاغتيال وعرض عليه سيارة صالون وحراسة وكان رد جار الله أن لاأحد غيره سيفعل ذلك. في مرحلة التهيئة  للتوريث أصيب صالح بالعمى السياسي والأخلاقي  والوظيفي وجرّف الساحة السياسية من بعض رموزها فبعد اغتيال جار الله بأسبوعين اغتال  يحي المتوكل أحد أبرز معاونيه ثم بعد عام واحد اغتال مجاهد أبو شوارب، ولم يحل دون إقدامه على اغتيال الشيخ الأحمر سوى أنه كان شيخ مشايخ قبيلته ،حاشد، وخشيته من رد الفعل القبلي ومراعاته للخدمات التي قدمها له في حرب 1994وأخيرا مرضه بالسرطان.

وعندما يحدثك الشيخ سنان أبو لحوم عن محاولات صالح لاغتياله تؤمن بأن صالح لم تكن لديه خطوط حمراء.صالح كان وراء اغتيال154 اشتراكيا بعد الوحدة ولم يصغ لمطالبات الحزب الاشتراكي بوقف الاغتيالات واعتقال الفاعلين  وكان موقفه بأنه لن يلقي القبض على أحد حتى لو قتل باب القصر الجمهوري.وكان ممن استهدفوا  للتصفية الجسدية أمين عام الحزب الاشتراكي السابق علي صالح عباد(مقبل) ورئيس مجلس النوب د. ياسين سعيد نعمان ومحاولة اغتيال بشعة لوزير العدل عبد الواسع سلام.

ولأن الثقافة واحدة فقد فجعت في نيودلهي بتبرير د. العكايلة وهو وزير تربية وتعليم سابق في الأردن في مطلع التسعينيات الذي رأس وفدا برلمانيا عربيا لرفع العقوبات الامريكية عن ليبيا بعد تفجير مرقص لابل دسكوتيك في المانيا أن هناك ثأرات ضد الحزب الاشتراكي تعود إلى حقبة حكمه للجنوب. جار الله اغتيل  بعد أن سمع اليمنيون وصاياه  التي شخصت أمراض النظام الأسري – المناطقي وحددت الطريق إلى مستقبل لامكان فيه للفساد والمناطقية والتطرف والإرهاب والتهميش واحتكار الحقيقة والسلطة والثروة وطالب فيها بالمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان وقال فيها بأن الديمقراطية في اليمن شاخت في وقت مبكر..من بديهيات الأمور أن يتباكى كل من كان له مصلحة في اغتيال جار الله ، كصالح والإصلاح والرموز القبلية ،باستثناء الزنداني، الذي لم يستنكرالجريمة التي مول فاعلها في عدن ببعض المال  واكتفى بالقول بأن جار الله كان يصلي.

وبدلا من اعتقال القاتل في سجن الدولة أخذه الشيخ الأحمر فورا إلى منزله وهناك حدث استجوابه بدون حضور للأمن والقضاء أو الحزب الاشتراكي وكان الغرض الظاهر هو نفي شبهة اضطلاع  حزب الإصلاح بدور في الاغتيال وكل ماتم هناك لايعلمه أحد حتى اليوم. نقل القاتل إلى السجن ثم قدم إلى المحاكمه وهناك تم التلاعب بالقضية وتم لعلي صالح ما أراد وهو الاستعجال في إعدام القاتل برغم اعتراض فريق بارز من أكفأ المحاميين تطوعوا لإظهار الحقيقة ولكن جبروت النظام كان الغالب.

اغتيال جار الله كان اغتيالا لرمز وطني يحمل مشروع حزبه والجماهير لبناء نظام سياسي ديمقراطي  – تعددي حقيقي اتفق عليه طرفا إنشاء دولة الوحدة في عدن في نوفمبر عام 1989 ولايزال صالحا اليوم برغم مايتعرض له الشعب اليمني من حروب من عدة أطراف تستهدف بالأساس  وأد حقه الطبيعي في بناء نظام سياسي ديمقراطي ودولة طبيعية. إن مايعانيه اليمنيون اليوم هو من زَرع صالح الذي لم يكن يحب شعبه ولم يكن مخلصا للوحدة وبيّت النية للانقلاب على  اتفاقاتها وإليكم الدليل.

في وثيقة محدودة التداول لأعضاء المؤتمر الشعبي العام بعنوان محددات العمل السياسي في ظل دولة الوحدة، العدد الثاني، صدرت في الثاني من رمضان 1410-ابريل  1990.تقول الوثيقة ” إن التعددية التي نص عليها مشروع دستور دولة الوحدة لن تكون خارج أهداف المؤتمر الشعبي وميثاقه الوطني”.

ورفضت الوثيقة التعددية السياسية التي كان قبول صالح بها هو مفتاح القبول بالوحدة والشراكة لبناء يمن لايشبه سابقه في الشطرين. تقول الوثيقة “ليس في شعبنا تعددية اجتماعية ومن ثم لن تكون هناك تعددية منهجية تتعارض وقيم الشعب الواحد”.

إن نفي التعددية الاجتماعية نفي لإرادة الله في تعددية كل شيء  خلقه وللتعددية  الطبقية والسياسية والفئوية وحتى القبلية وضد علم الاجتماع وأبجديات السياسة، أما التعددية المنهجية الملغزة  فكانت تهربا لا ينقصه الحياء من التعددية الحزبية  ولمحاربتها عملا بشعار أثير ساد في عهد القاضي الإرياني( 1967 – 1974)”لن نقبل الحزبية سواء أتت  بمسوح الرهبان أو بقرون الشيطان” وكان صالح مخلصا  لهذا النهج عندماحاول التوحيد القسري للحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي.

تضيف الوثيقة تنصلا ثالثا هو”أن الوحدة هدف سبتمبري عظيم ” وهنا لاذكر للثورة اليمنية التوأم  ثورة 14 اكتوبر، التي  ظلت تعامل  في الشمال كنكرة رغم أنها هي التي حققت استقلال الجنوب ولولاها والحزب الاشتراكي ما تحققت الوحدة. أما البغي السياسي الرابع فهو قول الوثيقة إن” اتفاق عدن كان تتويجا لجهود القيادة السياسية الحكيمة والمؤتمر الشعبي العام” وهنا تتجلى نرجسية صالح ونيته المبيتة لتهميش شريكه في مرحلة أولى ريثما يتم القضاء عليه في مرحلة لاحقة ويحضرني هنا ماسمعته من الرئيس علي ناصر محمد عندما سأل الرئيس صالح هل تريد الوحدة فعلا وكان الجواب بالنفي.

هذه هي بيئة التأمر والغدر التي عاش فيها جار الله منذ الوحدة وحتى اغتياله وهي بيئة عانى فيها جار الله الأمرين من صالح وحليفه الإصلاح الذي أنشأه صالح مع الشيخ الأحمرلإضعاف الحزب الاشتراكي والتنصل من اتفاقات الوحدة واستمرار هيمنة نخبة المركز المقدس القبلية والعسكرية على السلطة والثروة.

 وعند مثول قاتل جارالله أمام القضاء حدثت مهازل لا سوابق لها كسماح الأمن لصحف بإجراء حوارات مع القاتل عملا بمبدأ الرأي والرأي الآخر! وكتواطؤ القضاء وتماهيه مع رغبة السلطة في عدم تقديم أخطر المساهمين في خلية جامعة الإيمان للمحاكمة ومنهم  طبقا لرسالة محاموا الشهيد إلى المحكمة: “أمل قاسم الضاوي، د. أحمد محمد الدغشي، عبد الجبار المرّاني ، ضيف الله الحاشدي، علي رسام، عمار النوفاني ،هناء الكبوس،عبد السلام الحريري، محمد الزبيري، وعمران الراعي للتستر على جناة مساهمين في ارتكاب الجريمة”، وكإفراج رئيس الجهاز المركزي للأمن السياسي بضمانة الزنداني عن عبد السلام أمين الحريري (اسمه الحقيقي أحمد الخولاني) ولكن رئيس الجهاز في رسالته إلى المحكمة التي أخطرها فيها بالإفراج عنه بضمانة الزنداني  كتب الاسم التنظيمي وليس الحقيقي وكأنه كان غافلا عن كل ما يحيط بقضية الاغتيال من خلفيات وعن دور جهازه فيها والمستفيدين من الاغتيال ومن غياب جار الله المادي وليس السياسي والروحي عن الساحة السياسية اليمنية.

القاتل السعواني لم يخضع للتفتيش في مؤتمر حزب  الإصلاح كبقية المدعوين ومن ساعده على الدخول هو عبد الجبار المرّاني الذي لم يخضع للتحقيق وكان وقتها أمين سر هيئة القضاء للتجمع اليمني للإصلاح وعضو خلية جامعة الإيمان التي خططت للاغتيال برجالها ونسائها وكان جامع مسيك أحد ملتقيات الخلية ومن عناصرها عائض الشايف والشيخ محمد الآنسي إمام الجامع الذي كان يخلي المنبر في بعض الجمع للقاتل لإلقاء خطبه التحريضية لتكفير جار الله عمر والعلمانيين.

كانت معظم جوامع اليمن تخضع لرقابة الأمن وخاصة جوامع حزب الإصلاح ولكن  المصلحة المشتركة جعلت الأمن يتغاضى ويتواطأ. لقد كان التوريث ومناخ مابعد حرب 1994 وفتوى الزنداني ود. الديلمي وهما قامتان إصلاحيتين محافظتين عوامل ساعدت على انتشار ثقافة  التكفير والعداء للقوى الجديدة تحت ستار محاربة العلمانيين التي لم يتوقف الإصلاح عن الولوغ فيها في جوامعه وإعلامه رغم عضويته في اللقاء المشترك.كانت هناك قائمة طويلة من القادة الحزبيين والأكاديميين والناشطين مرشحة للاغتيال بما يعني حدوث مجزرة لحملة المشاريع الوطنية التحديثية المغايرة لمشاريع  السلطة وحزب الإصلاح وقدافتدى جار الله كل هؤلاء بدمه.

استشهد جارالله وخلد للراحة بعد رحلة نضال دافع فيها عن ثورة سبتمبر في حصار السبعين يوما وعن ثورة اكتوبر بقيادته لمقاومة وطنية في المناطق الوسطى في شمال اليمن وكانت سلوته الوحيدة هي أنه صاحب رسالة وقضية أكثر أهمية من حياته.

2017-12-31