المحاولات الصهيونية اليائسة لاستثمار قرار ترامب سياسياً
عميرة أيسر
إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنَّ مدينة القدس هي عاصمة الكيان الصهيوني الأبدية و بالتالي وجب نقل السَّفارة الأمريكية إليها بالتالي، وبناء على هذا القرار السِّياسي المتخذ قامت الخارجية الأمريكية بشراء أحد الفنادق التي تقع في وسط المدينة تقريباً من أجل استخدامه لاحقاً كمقر لسفارتها الدائمة هناك، هذا القرار السِّياسي الأمريكي الذي يحاول رئيس الوزراء الصهيوني بن يامين نتنياهو استغلاله باعتبار إصداره في هذا التوقيت بالذات، فرصة ثمينة وتاريخية بالنسبة لصهاينة، وتوظيفه بالتالي لخدمة الإستراتيجية السِّياسية الصهيونية المخطط لها في هذا الإطار، فسارع نتنياهو إلى التسويق لمدينة القدس كعاصمة مثالية في أنظار زعماء العالم وقادته، وبالرغم من الإجماع الأممي على أنَّ هذا القرار الأمريكي المتخذ غير قانوني وغير شرعي، هذه الهيئة الأممية الدولية و التي أثبتت معظم الدول التي تدخل ضمن نطاق عضويتها كما ذكرت ذلك صحيفة جيروزليم بوست الصهيونية لدونالد ترامب بأن دول العالم ليست للبيع كما قال مندوب فنزويلاً الدائم لدى الأمم المتحدة، بما فيها تلك الدول التي كان من المزمع أن تأخذ مساعدات مالية كبيرة من واشنطن كمصر والأردن واللتان كانتا ستستفيدان من مساعدات مالية عينية مُجزية في سنة 2018 م من واشنطن، تناهز قيمتها المليار دولار، فالموقف الدولي المساند لحقِّ العربي والفلسطيني بخصوص مدينة القدس، تريد تل أبيب وبمباركة أمريكية طبعاً، أن تجعله بدون قيمة سياسية من خلال محاولتها المستميتة إقناع حلفائها وإغرائهم تارة بالمساعدات المالية وإقامة مشاريع لتطوير البنى التحتية كما فعلت مع دولة ناورو التي كانت من الدول التي ساندت الموقف الأمريكي من القدس حيث وقبيل الإعلان قامت تل أبيب بإقامة محطة لصرف الصحي فيها بحوالي 70 ألف دولار مع التكفل بمصاريف النقل والإقامة لكل فرق المنشآت الصحية التي قدمت من الكيان الصهيوني إليها خصيصاً من أجل ذلك، أو من خلال علاقاتها التاريخية الوثيقة بدول كغواتيمالا والتي تمتد لحوالي 70 سنة، وهذا ما جعل رئيسها جيمي موراليس يقول في مؤتمر صحفي عقده في العاصمة غواتيمالا سيتي والتي تعني أرض الأشجار باللغة الناهواتيلية وهي اللغة التي كانت تستعملها شعوب الإنكا لاكتا أو الهنود الحمر بالتعبير المجازي المنحدرين من المكسيك، والذين رافقوا المستكشف الاسباني بيدرو دي الفاردو حين وصل إليها سنة 1520م، و في حينها كانت كل قارة أمريكا الوسطى مغطاة بالأشجار الكثيفة، بأن بلاده ستنقل سفارتها إلى مدينة القدس وذلك عقب حديث أجراه مع نتنياهو، وهناك دول أخرى مثلما ذكرت ذلك صحيفة إسرائيل اليوم الواسعة الانتشار في الكيان المحتل، تعتزم نشر بيانات مماثلة بعد أن عزمت الخارجية التشيكية على اتخاذ خطوة مماثلة، وإعلان كل من الفلبين والمجر بتاريخ 11 ديسمبر الجاري، بأنهما ستحذوان حذو غواتيمالا قريباً.

فالتأثير الأمريكي على قرارات هذه الدول التي معروف عنها بأنها من الدول التي تدور في فلك واشنطن منذ زمن طويل، أعطى لإسرائيل قوة دبلوماسية متوهمة جعلتها تحاول بشتى الطرق والوسائل، أن تكسر الحصار السِّياسي الذي بات مفروضاً عليها حتىَّ من طرف دول حليفة لها تاريخياً كالدول الغربية أو دول عربية تقيم معها اتفاقيات سلام معلنة، فتحركها المعلن على المستوى السِّياسي والدبلوماسي تحاول من خلاله أن تبعث بعدَّة رسائل إلى أطراف داخلية، وخارجية وتحجِّم من دور المعارضة اليسارية الكبيرة المتنامية لسياسات نتنياهو وترامب الرعناء اتجاه ملف التسوية السِّياسية، إذ حذرت صحيفة هآرتس الصهيونية والتي يمكن اعتبارها أخر قلاع اليسار الليبرالي في إسرائيل، بأن نتنياهو سيدفع ثمن أخطاء ترامب غالياً. فهو يتجاهل كما أكد على ذلك المحلل السِّياسي الفلسطيني الدكتور صائب عريقات حوالي 380 ألف فلسطيني يقيمون في القدس الشرقية، وهؤلاء لا يمكن أن يتعامل معهم وكأنهم غير موجودين أصلاً، لأنهم يعتبرون وعاءً انتخابياً كبيراً بالمقارنة مع عدد الناخبين الإجمالي الذي يحق لهم التصويت، في مدينة القدس وبالتالي فإنَّ من المؤكد بأنه سيخسر أصواتهم الانتخابية في المواعيد والاستحقاقات الانتخابية القادمة، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن هؤلاء لو قاموا بإشعال انتفاضة فلسطينية جديدة في مناطق ما يعرف بالخط الأخضر، فإنه لا يمكن لأحد بالتالي أن يتنبأ بتداعيات تلك الانتفاضة على الدَّاخل الصهيوني، هذا إذا أخذنا بالاعتبار أنَّ الكثير من وسائل الإعلام وحتىَّ تلك المحسوبة على تيار اليمين في تل أبيب تعارض قرار ترامب وبشدَّة بخصوص مدينة القدس، فهي ترى فيه المسمار الأخير الذي سيدق في نعش عملية السَّلام في الشرق الأوسط، وسيفتح أبواب جهنم على مصراعيها في وجه إسرائيل، لأنَّ المتطرفين كما يسمونهم في الداخل الفلسطيني ويقصدون بهم حركات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس والجهاد الإسلامي، ستدعو كل عناصرها وخلاياها إلى ضرب الأهداف والمنشآت الإسرائيلية، وبالتالي سقوط عدد هائل من الضحايا الصهاينة وهذا ما كان يؤدي في الماضي ولا يزال إلى انتشار حالة من الرعب والهلع في المُجتمع الصهيوني يدفع ثمنهاَ في العادة مسئولين كبار في أجهزة المخابرات والمؤسسة العسكرية و قيادات حكومية وحزبية مهمة، وقد يكون نتنياهو أحد هؤلاء الذين سيتم التضحية بهم لامتصاص الغضب الشعبي الصهيوني بالتأكيد.

فالكيان الصهيوني وقياداته السِّياسية وحتى الأمنية لن تستطيع النجاح في مسعاها الرامي إلى إقناع الكثير من الدول بنقل سفاراتها إلى مدينة القدس المُحتلة بالنظر إلى مجمل التحولات الإقليمية، والدولية الراهنة والرافضة لهذا القرار جملةً وتفصيلاً، بالإضافة إلى التصريحات التي أطلقها قياديون كبار في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أو تلك التي أطلقها قياديون في حركة حماس وعلى رأسها رئيس المكتب السِّياسي للحركة سابقاً السيِّد خالد مشغل وآخرون، والتي أكدوا من خلالها بأنهم سيستهدفون سفارات تلك الدول التي ستقوم بنقل سفاراتها من مدينة تل أبيب المحتلة إلى القدس، بما فيها السَّفارة الأمريكية و بأنَّ تلك السفارات ستصبح أهدافاً مشروعا لهم، و لم يستثنوا من ذلك أيضاً القواعد الأمريكية التي أقيمت داخل الكيان الصهيوني، لحماية المصالح الأمريكية هناك، بعد أن عجزت إسرائيل عن فعل ذلك بعد أن منيت بهزائم متتالية على يد رجال المقاومة اللبنانية والفلسطينية منذ 2006 م وحتى السَّاعة، نتنياهو التي يتوقع الكثيرون أن ينتهي سياسياً قريباً يحاول أن يبيًّن لجميع بأنه لا يزال قوياً ويستطيع أن يفرض نفسه كزعيم سياسي قوي للكيان الصهيوني، بالرغم من تراجع شعبيته مؤخراً وفق أخر استطلاعات للرأي قامت بإجرائها وسائل إعلام صهيونية، وذلك بسبب تهم الفساد المالي والأخلاقي التي تلاحقه منذ سنوات، والتي إن تمَّ إدانته بارتكابها سيكون مصيره السِّجن بالتأكيد كما هو الحال بالنسبة لسلفه إيهود أولمرت حالياً.
‎2017-‎12-‎30
-كاتب جزائري