فضخ خيوط المؤامرة ضدَّ الاستخبارات الجزائرية
عميرة أيسر
ولأن جهاز الاستخبارات الجزائرية يعدّ صمام الأمان الرئيسي لدولة والعقل المتحكم بأهم مراكزها الأمنية الحساسة، وإضعافه أو شله يعني توجيه ضربة قاضية للأمن القومي لدولة، وبالتالي حرمان صناع القرار الأمني والسّياسي و الاستراتيجي من المعلومات الضرورية اللازمة لعملية إدارة الدولة بكل هياكلها ومؤسساته العليا السّيادية، فمن يا ترى يعمل على إسقاط جهاز المخابرات الجزائرية وكيف تعمل هذه القوى المخابراتية المعادية للجزائر على تحقيق أهدافها الدنيئة تلك؟ والإجابة نجدها عند حركة النهضة التونسية وأجهزتها الإعلامية التي استغلت ولا تزال كل الأحداث السّياسية والأمنية الداخلية والتغييرات التي قامت بإجرائها القيادة السّياسية لدولة لتشكيك في المؤسسة الأمنية المخابراتية وفي رجالاتها، إذ استغلت إحدى القنوات التونسية المعروفة بتوجهاتها الاخوانية حادثة اعتقال الجنرال عبد القادر آيت عرابي المدعو بالجنرال حسان، و عملية التحقيق معه واتهمته بأنه من صنع فرق الموت التابعة لجماعات إرهابية والتي قتلت الآلاف من الجزائريين في سنوات العشرية السوداء، معتمدة على تقديم معلومات ومعطيات خاطئة ومغلوطة للرأي العام الداخلي في تونس، فهذه البرامج التابعة لتلك القنوات التي تتحامل على المخابرات الجزائرية في كل مناسبة ومنها برنامج بالمرصاد وفي حلقة له بعنوان “مصانع تفريخ الإرهاب في تونس بين التهويل والتضليل”، والذي حاول الربط بين زيارة المهدي جمعة إلى الجزائر في تلك الفترة في سنة 2014 م، وبين إلقاء القبض على الزعيم الإرهابي المدعو الصومالي المتهم بحادثة اغتيال الحاج إبراهيم، و هذا البرنامج وغيره من البرامج السّياسية التي تحاول التشكيك في وطنية الأجهزة الأمنية الجزائرية لم تتحدَّث إطلاقاً عن مصير الآلاف من الإرهابيين الذين دفعت بهم حركة النهضة التونسية المدعومة قطرياً للقتال في سوريا والذين بعد هزيمتهم السَّاحقة على يد الجيش السوري والقوات الرديفة المتحالفة معه، يكون مصيرهم الحتمي هو إماَّ التصفية على يد مشغليهم في الأردن أو تركيا، أو تعرضهم للاغتيال المنظم في تونس وهذا ما يحتاج بالتأكيد لغطاء سياسي وأمني، وذلك من أجل إقناع الرأي العام التونسي بضرورة فعل ذلك.
وفي هذه النقطة بالذات تتقاطع مصالح حركة النهضة مع الاستخبارات الغربية فنجد التهم المعلبة والجاهزة والتي لا أساس لها من الصحة والشماعة دائماً هي أجهزة المخابرات الجزائرية التي حاولت التيارات الإسلامية في تونس وليبيا المرتبطة بدول الخليج تحميلها كل ما يجري في المنطقة مع قلائل واضطرابات، علما بأن جهاز المخابرات الجزائرية عمل ولا يزال على محاولة إعادة الأوضاع السياسية والأمنية في تونس إلى الاستقرار وهو بذلك يحاول أن يغيّر من موازين القوى التقليدية المتوارثة منذ عهد النظام البائد وهذا بالتأكيد سيطيح برؤوس سياسية وأمنية كبيرة في البلاد ليس من مصلحتها حدوث إصلاحات جذرية في بنية النظام السياسي والأمني فيها. الجزائر والتي ترى فيها قطر تهديداً جدياً لمصالحها الحيوية في تونس عبر حركة النهضة المرتبطة بها فكرياً وتمويلياً، فهذه الحركة المتهمة من طرف عدة أطراف داخلية وحتىَّ دولية بدعم وتمويل الإرهاب، وهذا ما يمكن أن يؤدي بالكثير من قياداتها إلى المثول أمام محكمة العدل الدولية، فالدوحة تعرف جيداً ولم تنسى بأن المخابرات الجزائرية من كانت وراء إسقاط حاكم قطر السَّابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بعد أن ثبت لها بالأدلة القاطعة أنه من وقف خلف عملية تيقنتورين التي كانت تهدف أساساً إلى شلِّ تصدير الغاز الجزائري إلى دول أوروبا الجنوبية وعلى رأسها فرنسا واسبانيا، بالإضافة إلى ذلك فإنَّ هناك الكثير من الأسرار التي تريد أجهزة المخابرات الغربية وعلى رأسها جهاز المخابرات الفرنسية معرفتها عن الترسانة التسليحية الوطنية ومنها مثلاً المراحل التي وصل إليها تطور برنامج الصواريخ البالستية الجزائرية، وهو ما نجح جهاز الأمن القومي الاستراتيجي لدولة المعروف عند العامة وفي الإعلام باسم الدياراس بنسخته القديمة طبعاً، في محو كل أثاره وكأنه غير موجود أصلاً.

ويبدو أن أجهزة المخابرات الفرنسية دقت نواقيس الخطر فعلاً وخاصة بعد تلك التقارير التي أعدها جهاز الموساد الإسرائيلي، والتي تشير إلى أن هناك شركات أسلحة روسية كانت ولا تزال تنقل شحنات أسلحة وصواريخ ومن ثم تقوم بعملية إفراغها في الجزائر، والتي بدورها تقوم بإعادة شحنها إلى إيران وسوريا واللَّتان تعانيان من حصار غربي خانق، وتضيف نفس تلك المصادر الاستخباراتية بأنَّ الجزائر قد أضحت حليفاً استراتيجياً مهماً لروسيا، فهي تستقبل أسلحة متطورة للغاية و من ثم تقوم بعملية إعادة تصديرها إلى وجهات محددة، وبالاتفاق مع موسكو طبعاً، كما أن تنصت أجهزة المخابرات الصهيونية على أرقام هواتف كبار المسئولين الإيرانيين أدت إلى التوصل إلى جملة من الاستنتاجات الخطيرة والمهمة، حول ما قامت به المخابرات الجزائرية والروسية بخصوص قيامها بنقل معدات عسكرية حساسة و كاسرة لتَّوازن الاستراتيجي في المنطقة الشرق أوسطية، وهو ما يهدد بالتالي بإفشال نجاح أي ضربة عسكرية قد توجهها القوى المعادية لطهران، لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية المُحصنة تحت الأرض واستنتجت تلك المصادر بأن الجزائر قامت بدعم أنظمة الدفاع الصاروخي لإيران وذلك في مقابل حصولها على تقنيات بالستية تكفل لها حقَّ الرد في عرض البحر الأبيض المتوسط، حتىَّ والأسطول السَّابع الأمريكي موجود في قواعده التي تقع جنوب مدينة نابولي الايطالية، والذي يقع على بعد حوالي 500 كلم من شمال العاصمة الجزائرية.

وتشير نفس هذه المصادر كذلك إلى أن السفينة ARTIC SEA المخصصة لنقل الأخشاب والتي كان من المفروض أن تنقل كميات معتبرة منه من فلنداه إلى الجزائر قامت بالرسو في ميناء Kalimigrand العسكري الروسي لحوالي أسبوعين كاملين، قبل أن تفقد كلية في عرض المياه الدولية، ونجحت المخابرات الروسية في استعادتها من أيدي عملاء الموساد الإسرائيلي بعد ذلك، فالدول الغربية وأجهزة مخابراتها لا تريد لأيَّة مقاربة بين دول الجوار المغاربي أن تنجح وخاصة بين الجزائر وتونس فهذه المقاربة لا تخدم مصالح الغرب والقطريين. الدولة الجزائرية بتاريخها وموقعها الجغرافي الاستراتيجي وتاريخها الثوري والتلاحم الموجود بين القيادة العسكرية والشعب وبالرغم مما تعرضت له من دمار في سنوات التسعينيات ولكن بقيت واقفة في وجه الأعاصير السِّياسية التي حاولت إضعافها، فهذه القوى المعادية للجزائر لا تريد لها أن تكون دولة ذات سيادة و شموخ، بل تريدها هذه القوى الغربية والعربية أن تكون ضعيفة خاضعة لنفوذها الإقليمي والدولي، ولأن أجهزة المخابرات الفرنسية والإسرائيلية والأمريكية تتحمل الجزء الأكبر فيما وصلت إليه الجزائر في تلك الفترة السَّوداء من تاريخها، لذلك فالجزائريون يسعون للانتقام من جهة ومن جهة أخرى بناء علاقة متينة وقوية مع روسيا حتى تكون إلى جانبنا في حال حدوث أي مواجهة متوقعة مع الغرب، وبالتالي فإن على الجزائر أن تلعب دوراً يقوي عملية الحوار القائم بشكل أو بأخر مع الغرب، بشرط أن لا يصل الخلاف في ذلك الحوار إلى درجة الصدام العسكري، فالجزائر تريد الاستفادة من عودة روسيا وبقوة إلى السَّاحة الدولية وهي التي تريد أن تستعيد نفوذها ومكانتها عند حلفائها السَّابقين خلال الحقبة السوفيتية ومن تلك الدول بالطبع الجزائر، فروسيا التي تريد أن تكون تلك الدول من الركائز الأساسية التي ستساعدها في أي ضغوط قد تمارسها على الغرب من أجل ضمان مصالح معينة لها عند دوله، ولكن وكما هي علاقات الدول فيما بينها في العادة، فإن روسيا قد تتخلى جزئياً عن حلفائها من أجل أن تستطيع فرض شروطها التفاوضية مع الدول الغربية وعلى رأسها دول منظومة حلف الناتو العسكرية، وذلك لكسب ما يمكنها كسبه في لعبة الحوار الاستراتيجي والذي رقعته العالم بأسره.

ويجب الأخذ بعين الاعتبار بأن إيران والتي تعتبر من أهم حلفاء النظام السّوري ومن حلفاء موسكو الاستراتيجيين في عدَّة ملفات وقضايا دولية، ولكن لم تسلمها روسيا منظومة صواريخ S300 إلاَّ بعد مفاوضات شاقة وعسيرة فيما سلمت روسيا تلك المنظومة بنسختيها S300-400 للجزائر، وذلك كي تضمن أن تكون الجزائر بموقعها الاستراتيجي السند لها ومركز ثقلها الاستراتيجي في الجزء الجنوبي من البحر الأبيض المتوسط، وتدعمها بالتالي في أي مواجهة لها مع الغرب، فالمصالح المتبادلة والمنافع بين جهاز المخابرات الجزائرية والروسية و علاقات الجزائر المتميزة إقليمياً ودولياً أحبطت كل المحاولات الغربية لفكِّ الارتباط الوثيق بين مختلف أجهزة المخابرات الجزائرية وبين بقية مكونات الدولة، وهذه النقطة الأساسية التي راهنت عليها تلك الدول لتدمير هذا الجهاز وإسقاطه، وبالتالي سهولة تنفيذ كل مشاريعها المبيتة ضدَّ الجزائر حكومة وشعباً.
‎2017-‎12-‎28
-كاتب جزائري