الزاوية التشكيليّة فسحة فنّ وتبادل حضارات… وتمازج بين المدارس على أنواعها

رنا صادق


التشكيل ليس بدعة أو تجربة، بل هو حقيقة تجسيدية لبؤرة الواقع، أو الخيال الذي يعيش فيهما الفنّان التشكيليّ الذي يرسم بخطوط ريشته الملوّنة.

عجّ معرض بيروت العربي الدولي للكتاب برسومات الفنانين ومنحوتاتهم. إذ كانت للمعرض هذه السنة ـ كما السنوات السالفة ـ نكهة فريدة بمشاركة فنّانين عرب جاؤوا خصّيصاً للمشاركة في الزواية التشكيلية. ومنهم من دأب على المشاركة.

الزاوية التشكيلية السابعة في المعرض هي بمثابة لوحة فنّية لا تزيّن القاعة المخصّصة للعرض فحسب. بل هي محطّة جاذبة للزائرين ومحبّي الفنّ والمهتمين به. تلك الزاوية بعيدة عن الضجيج، عالم آخر من المعرض، يسحرك ويلفتك، ما فيه من تمازج حضارات عربية على اختلاف أنواعها.

نعم، معرض الكتاب، حديثه الكتاب والقراءة، يتردّد إليه القرّاء وطلّاب المدارس والجامعات. ولهذه الزاوية حصّة كبيرة من الإنتاج الثقافي الذي يعبّر عن النتاج الفكريّ وتطوّر الحضارت. لذلك كانت هذه الزواية قطاراً لطلّاب الرسم والفنون الجميلة على اعتبارها معرضاً غنياً شاملاً يجمع أقطار العالم العربي، كما تتنوّع فيها المدارس الفنّية التشكيلية، وتشكّل حلقة للتشاور والتحادث الفنّي الغنيّ بين الفنانين أنفسهم وبين الزوّار والفنانين.

«الكتاب»، هو الموضوع الأساس للّوحات المعروضة في الزواية، إلى جانب اللوحات التي تحكي البيئة، الحبّ، المرأة والإنسان بالمجمل.

هي طبيعة خلّابة لمن أراد أن يغوص في معالمها، تحكي الفنّ الممزوج بنكهة الحضارت والتاريخ، تخالط بين الريشة والمطرقة، وتفاعل فنّي ثقافي إنتاجي بين الفنانين.

لفتت هذه الزاوية انتباه الطلّاب ومحبّي الرسم والنحت، إذ كان النحت حاضراً بشكّل كبير ولافت، لكنّ لم يتسنّ لـ«البناء» التعرّف إلى أحد النحاتين. كثرت التماثيل التي تحكي الكتاب، وتجسّد المرأة وغيرها من المواضيع اللافتة.

أسيمة دمشقية

«البناء» التقت رئيسة لجنة الفنّ التشكيلي في «النادي الثقافي العربي» والمسؤولة عن إقامة المعارض في النادي و«معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» أسيمة دمشقية، وعدداً من الفنانين العرب المشاركين في هذه الزاوية المختصّة بالفنّ التشكيلي.

أشارت دمشقية خلال حديثها مع «البناء» إلى أنّ الكلمة بمفردها تكون جامدة، لذا منذ سبع سنوات، قرّرت الإدارة إضفاء روح على المعرض وحياة إلى جانب الكتب، وهي فسحة يُسمح من خلالها للفنانين الذين يشاركون بمعارض مع «النادي الثقافي العربي» أنّ يعرضوا أعمالهم في معرض الكتاب أيضاً، تشجيعاً للفنانين الناشئين والعرب.

الزواية التشكيلية عادة، تُخصّص لها مساحة مقدارها خمسة وخمسين متراً مربّعاً لعرض اللوحات، يشارك فيها من 35 إلى 55 فناناً أحياناً، بين نحاتين ورسّامين بحسب دمشقية.

وتضيف: نحاول كلّ سنة إضافة أفكار جديدة على الزاوية لإنعاشها وإبعاد المعرض عن الكلاسيكية والرتابة. هذه السنة اضطرنا إلى استخدام ألواح خشبية كبيرة لعرض اللوحات، فأعطت جمالية ورونقاً للرسومات. شارك هذه السنة 27 فناناً.

كما أضيفت إلى المعرض استمارات للزوّار حول اللوحة، لمعرفة أيّ من اللوحات حصدت نسبة الإعجاب الأكبر. وهذه الاستمارة تحوي البيانات التالية: العمر، الفئة، المهنة، المدارس الفنية المشاركة في المعرض، واسم اللوحة التي أعجبتهم مع صاحبها، وبالتالي اللوحة التي تفوز ستكون السنة المقبل هي غلاف كتيب معرض الكتاب.

وتشير دمشقية إلى أنّ الإعلان عن زواية تشكيلية كان ضعيفاً، فكثيرون من زوّار المعرض لا يعلمون أنّ في الطابق السفلي من المعرض إلى جانب قاعات الندوات والمؤتمرات، معرضاً للتشكيل والنحت. لذا وجب الإخبار أكثر، الإعلان والتسويق أكثر للزاوية التشكيلية. كما أنّه من الضروري إعلام الزوّار والمشاركين والكتّاب، لأن كثيرين من الزوّار مثقفون وشعراء وأدباء يحضّرون لكتب ودواوين في السنوات المقبلة، وبإمكانهم التوجّه إلى الزاوية التشكيلية واختيار لوحات لإضافتها إلى صفحات كتبهم أو دواوينهم مستقبلاً.

تجد دمشقية أنّ تجاوب الطلّاب مع الزاوية أجمل ما في المعرض، يهتمون بالرسم والنحت، يحاولون دائماً معرفة المزيد والاستفادة من خبرات المشاركين من الفنّانين. ومن الجيد أنّ نرى هذا التشارك بين الأجيال حول الفنّ والفنون، فهو يشير إلى أنّ الفنّ مهد الحضارة ومستقبل الأمم.

تأمل دمشقية السنة المقبلة إعطاء الزاوية التشكيلية مساحة أكبر، لأن عدد الفنانين يزداد سنة تلو الأخرى للمشاركة بالمعرض.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ دمشقية فنانة تشكيلية شاركت المعرض برسوماتها التي تحكي العواطف والأحاسيس كلوحة «انتظار» التي تجسّد حياة المرأة المليئة بلحظات الانتظار. تنتظر الحبّ، العريس، المولود وتنتظر السعادة، كما تعكس اللوحة مساندة النساء لبعضهن خلال هذا الانتظار كأمّها، صديقتها وغيرهما. تجذبها المرأة لأن حياتها ليست سهلة، مليئة بالتناقضات والأحلام والحقيقة.

كما شاركت في المعرض بلوحة «الهروب»، خصوصاً الهروب من الحرب، فالمرأة أوّل من يرفض الحروب، تكرهها، تهرب من المشاكل والخطر، تهرب وأولادها لحمايتهم بانتظار الرجل. أمّا اللوحة الثالثة فتعبّر عن الحياة التي تحتاج إلى جناحين للعيش براحة، من خلال الزواج، والتعاون.

وأخيراً قالت دمشقية: أستمتع بالمشاركة في المعارض لأن هذه المشاركة تسمح بالتخالط الفكري الفنّي، كما يتعلّم كلّ فنان من تجارب الآخرين، ويتناقشون فيها، إنّ كانوا ناشئين ومبتدئين أم مخضرمين في الفنّ التشكيلي. كما أنّ ثمة تمازجاً عربياً من خلال تبادل الحضارات، وتبادل النظرات إلى الفنّ والتقنيات وخلط الألوان. فكلّ بيئة فريدة عن غيرها وهذه البيئات ما إنّ اختلطت تمازجت وصنعت فناً انسيابياً رائعاً.

تهوى دمشقية وتنضمّ إلى المدرسة التعبيرية الحديثة حيث أنّها تبتعد عن التقليدية، وتمثيل الطببيعة ومحاكاتها للتعبير عن الانفعالات والأحاسيس الذاتية.

أمّا الرسم المباشر الذي يقام مرّتين أو ثلاث مرّات خلال المعرض، وذلك بحضور عدد من الطلّاب والزوّار والمشاركين، فيفسح المعرض المجال أمام جميع الراغبين بالمشاركة في الرسم الحيّ أو تعلّم تقنيات الرسم الذي يزيد من خبرتهم.

برهان حسّون

برهان حسّون، الفنان العراقي التجريدي، جاء إلى لبنان خصيصاً للمشاركة بمعرض زاوية تشكيلية على هامش معرض بيروت الدولي للكتاب.

فأعرب عن سعادته بالمشاركة في المعرض هذه السنة، وسنحت له الفرصة بالتعرّف إلى فنانين لبنانيين وسوريين على اختلاف المدارس التي ينتمون إليها.

وأشار حسّون إلى أنّ هذه المشاركة الثانية له في المعرض حيث لفته الحضور والمشاركات الجميلة في اللوحات والنحت.

تجربته التشكيلية مستقرّة في منطقة التجريد بعد أنّ مارس عدداً من الأساليب الفنّية من الكلاسيكية إلى التعبيرية وغيرها، إلى أن شعر أنّ المكان الذي يعبّر فيه عن نفسه هو التجريد، لأن الرسم التجريدي غير مقيّد وهو عبارة عن مجموعة ألوان وخطوط وتكوينات لا تحمل هوية، لا مناطقية أو دينية، أو طائفية، وبذلك تشبه لغة عالمية يتحدث بها الجميع من خلال الرسم، تماماً كالموسيقى.

يجد حسّون أن مشاركته في الزاوية التشكيلية مميّزة بحضور الفنانين المشاركين، الأمر الذي سمح بفرصة للمتلقي الواعي والمثقّف الذي يبحث عن الكتاب والتعرّف إلى الحضارات وباقي مناطق الإبداع أن يجد كلّ ما يحتاجه هنا، من أمسيات شعريّة، حلقات دراسية ومحاضرات. فزائر معرض الكتاب هو متلقّ جيد للفنّ التشكيليّ.

كما يتمنّى حسّون على الجهات المعنيّة الإكثار من هذه المناسبات التثقيفية، للحفاظ على العلاقة المتراجعة مع الكتاب باعتباره مصدراً هامّاً للثقافة والتعلّم، ورعايتها هذه المشاريع الأدبية والفنية والموسيقية والتشكيلية أمر بغاية الأهمية في المحافظة على التاريخ.

رياض سنتينا

أمّا الفنان التشيكيلي رياض سنتينا ابن بيروت، خرّيج الفنون الجميلة من الجامعة اللبنانية، فيشير إلى أنّه تفرّغ للرسم كلّياً بعد تقاعده من وظيفته. وبداية مشاركاته في المعارض كانت خفيفة، خصوصاً المعارض المشتركة. وهذه المرّة هي الأولى التي يشارك فيها سنتينا بمعرض فقط للفنّ.

يعمل سنتينا على الرسوم بالزيت، والأكرليك والفحم وغيره، يتبع مبدئياً بحسب قوله لـ«البناء» فنّ رسم الطبيعة والزهور، ولا يسمح لنفسه أن يسجن ببؤرة واحدة أو يتقيّد بمدرسة. مع العلم أنهّ يعتبر أنّ من المهم التعرّف إلى أصول المدارس الفنية المتنوعة، في ظلّ أنّ معظم الفنانين يحبّذون البقاء أحراراً بفنّهم، فمعظمهم يهربون من منهج المدرسة التي تقيّدهم.

وردّاً على سؤال ما إذا كان الفنان يعبّر عن ذاته أكثر خارج قيود المدرسة الفنية، أجاب: بالطبع، خارج المدرسة يستطيع الفنان أن يعبّر بطلاقة عن ذاته لكنّه من دونه لا يستطيع أنّ يخرج عن أصول الرسم. لأن المدرسة الفنّية هي التي تعلّم الفنان أصول المنهج الفنّي الصحيح، وبعد أنّ يتقن هذا المنهج له الحريّة في الانصياع أو عدم الانصياع لمبادئها. بمعنى آخر بإمكانه التحرّر من القاعدة المألوفة إنّما عليه أولاً الإلمام بها إلماماً شاملاً كي يستطيع الخروج منها بالطريقة الأصحّ.

وأضاف سنتينا: ثمة عدد من القواعد المهمة على كلّ فنان أن يعرفها، ويعرف كيفية استخدامها، كالتوازن اللوني، ميزان اللون، الألوان الحارّة والألوان الباردة، الوجهات الأساسية للصورة وغيرها من القواعد والاستخدامات.

وعن مشاكته في المعرض أشار إلى أنّها من أجمل المشاركات وأوسعها شمولية خصوصاً لجهة التجاوب القوي بين الفنانين والزوّار.

منى العاني

وأخيراً، التقت «البناء» الفنّانة منى العاني التي قامت بالرسم الحيّ أثناء المعرض، لكي يتعلّم الزوّار المهتمون بالرسم ويكتسبوا طرقاً ربما كانوا يجهلونها عن الرسم، حيث يشاهدون مراحل اللوحة المختلفة وتأليفها، من توازي الألوان ومزجها، والخطوات الأوليّة والأخيرة، لاكتمال اللوحة، وكيفيّة وضع الخلفية والخطوط العريضة والتفاصيل فيها، كلّّ ذلك هو مادّة حيّة مسليّة استكشافية يستفيد منها الزوّار ومحبّو الرسم. بالتالي، المشاهد يحبّ أنّ يرى ويتعرّف إلى مراحل اللوحة، كما أنّها طريقة لإيصال رسالة الفنّ إلى الناس من خلال التفاصيل.

العاني فنّانة تشكيلية من أصول عراقية، تتميّز لوحاتها بالتراث العربي، الذي يحكي الحضارات، من البيوت القديمة، أرصفة الطرقات، زوايا المحال التراثية، ويرجع ذلك إلى تعلّقها الشديد بالتراث. لكّنها ترسم التراث عبر الحداثة الفنّية غير الكلاسيكيّة التي تمتّع المُشاهد وترغبه بالتعرّف على هذا التراث العريق. ونحن لدينا كمّ هائل من التراث الذي يجب علينا أنّ نتغنّى به ونمثلّه حيّاً في أعمالنا، ونحيّيه في كلّ مناسبة.

كما أنّ للفولكلور اللبناني حصّة في رسومات العاني إضافةً إلى العراقة العربية الأصيلة.

ترسم بالأكريليك وذلك لسهولة استخدامه وحلّه في الماء، كما أنّه يجفّ بسرعة، ويعطي نتائج جميلة على اللوحة، إضافةً إلى أنّها تنضمّ إلى المدرسة الانطباعية.

وتضيف: هناك علاقة متينة بين الكتب والفنّ التشكيلي كثقافة مشتركة، فهي تندرج في مفهوم القراءات، فالفنّ التشكيلي عبارة عن قراءات لونيّة تأليفية والكتب عبارة عن قراءات أدبية كتابية، بالتالي بينهما علاقة تكتمل ببعضها البعض.

وتختم العاني: ثمة ظلم كبير للفنّ التشكيلي، فقلّة قليلة من المثقفين ممن يستذوقون هذا الفنّ ويتابعون جديده. هناك قلّة اهتمام بالرسم والرسومات. ونحتاج من وزارة الثقافة رعاية للفنّانين من تقديم مساعدات، فسح المجال لهم في المعارض من خلال اشتراكات في الغاليريات.

يبقى بذلك الفنّ التشكيلي أداة للتعبير عن الحضارة، التاريخ والذات. رغم الاحتياجات التي تنقصه، يحاول الفنانون دائماً أن يستمرّوا بفنونهم رغم صعوبة الظروف المحيطة بهم والبلاد العربية.

2017-12-11