الاعتداءات الصهيونية المتكرِّرة على سورية: عوامل ضعف وانهزام

د. رائد المصري

يبدو أنَّنا أمام صورة شائكة ومعقَّدة في تحليلٍ لعلم السياسة بعدما بلغ مسار الأزمة السورية مبلغاً، بات يُحتِّم ضرورة التأسيس على ابتكار نظريات جديدة للعلاقات الدولية وشكل رسم المعادلات الإقليمية التي بدأت تلوح في الأفق، ومسارات الحراك الدولي الذي ينتظم بعد كلِّ نقلة جديدة على رُقعة الشطرنج التي ينشط فيها اللاعبون بحيوية قلَّ نظيرها، يبدأ هذا الأداء المرِن من أقصى الخصومة السياسية والعداء إلى القبول والطواعية والتعاون، لكن ضمن مسارات منفصلة وحلول متباينة في حقول التجارب من كوريا الشمالية إلى ليبيا واليمن والعراق ولبنان وسورية…
كوريا الشمالية لم تنصَعْ للقرارات الأميركية والأوروبية المرفقة بأوامر أممية، رغم كل الحصار والتضييق عليها، فهي لا زالت تطلق التجارب الصاروخية الباليستية في تحدٍّ واضح للإرادة الأميركية وللغرب، وقد نجحت في ذلك ومن خلال كشف الأكاذيب التي سوَّقتها الولايات المتحدة الأميركية بحقِّ الدول ونزع الشرعية عنها متى خرجت من فلكها، وبات العالم على تعايش تامّ ودائم مع كوريا الشمالية نووية وصاحبة تجارب عسكرية وقوة يُعتدُّ بها في محيط الشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا، وهو تطوُّر لافت في مزاج رسم العلاقات الدولية وكيفية صياغته..
الموقف الأوروبي وخاصة الفرنسي والإلماني فيه تميُّز واضح عن الالتحاق بالإرادة الأميركية وبرغبتها في صناعة القرارات الدولية، وفقاً لمصالحها، فكان التوجُّه والتحوُّل الأوروبي المخالف للأميركي في أكثر من ملف يعصف في منطقة الشرق الأوسط، وهي مواقف جسَّدتها فرنسا في سورية تباعاً وفي العراق وفي ليبيا ومن أحداث الأزمة اليمنية القاتلة، وآخرها في أزمة لبنان السياسية واحتجاز رئيس حكومته في الرياض الحليفة الاستراتيجية للولايات المتّحدة وربيبها الكيان الصهيوني الذي يعيش اليوم أسوأ حالات القلق والتوتُّر والخوف من المستقبل الذي يتغيَّر في نسق تامّ لم تشهد السوق الدولية السياسية إبَّان إنشاء هذا الكيان الوليد المشوَّه وزرعه في أرض فلسطين وطرد أبناء شعبها الى الشتات مثيلاً له…
دعونا نُمعِن النظر في كلِّ ما آلت اليه الأمور في المنطقة وما كان يُرسم لها من تفتيت واستنزاف وضرب لوحدة الدول فيها بواسطة الأدوات التكفيرية، ولإعادة رسم الخارطة الاقتصادية الرأسمالية العالمية وفق منطق النَّهب والتدليس ورفع الحواجز والحدود بين الدول، والاستباحة المنظمة لمنطق التفلُّت وهدْمِ القيم والأخلاق الإنسانية، تلبية لدعاة المنظِّرين وفلاسفة السياسة الغربيين ومدَّعي فرط وإعادة تجميع الدول، فكلُّها مجرَّد نظريات امَّحت بمرور الزمن عليها، ومن خلال تصدِّي أهل الأرض وأصحاب السيادة الحقيقيين لها، وصمودهم بوجهها البشع المقزِّز، وحوامله من القوى التكفيرية الراديكالية ورعاتها الإقليميين، من بعض المشيخات والرجعيات التي زاوجت بين نظام الحكم المستند إلى العصبيات القبلية والعائلات الشخصية الحاكمة، وفتاوى الوهابية المتزمِّتة والتراكم المالي وفوائضه، متَّخذين من جغرافية مكَّة والمدينة ورمزيتهما الوجدانية رهينة إسلامية ومسوِّغ لحكم قبلي يشرِّع لنفسه ولشخوصه ويبيح ما يحرِّمه على الآخرين..
من هنا نشأت وبدأت تتركَّز في الآونة الأخيرة فكرة تحالف سعودي «إسرائيلي» في المنطقة، لأنَّ الارتباط التاريخي منذ النشأة واحد لكلا الكيانين، ولأنَّ أيضاً وحدة المصير والمسار والتهديد الجدّي والحقيقي بات قاب قوسين أو أدنى، بالسؤال حول مشروعية وجودهما ووظيفتها ودورهما في المنطقة، وعمَّا إذا كانت المرحلة الدوليّة وإعادة رسم التشكُّل الدولي والإقليمي يسمح بمثل هذه الأشكال المشوَّهة من البقاء والاستمرارية، لذلك زادت حالات الهجوم «الإسرائيلية» على سورية، رغم أنها في عزِّ الحرب والاستنزاف من قبل التكفيريين وباقي الأدوات الاستعمارية الغربية، وهذه الهجمة السعودية الشعواء على اليمن الجريح والمُثخن أهله بالجوع والألم والموت، كذلك حالات السُّقوط المدوّية لعملاء كلٍّ من السعودية و«إسرائيل» وأدواتهم في المنطقة كما في لبنان مثلاً وما حصل مؤخراً، حيث إنَّ العمالة لا تعتمد على الإغراءات والضعف الذي يصيب الشخص العميل فقط، بل هي علاقة استتباع يرى فيها طرفٌ ما نفسه ذليلاً ودونياً وطرف يرى نفسه متفوقاً وكبيراً، لذلك ودائماً سيكون لأميركا ولـ»إسرائيل» وللسعودية عملاء أكثر في المنطقة ممَّا لهذه الدول، وسيسعى أغلبية المثقَّفين العرب الى خدمة المصالح الغربية في بلادهم وتمثيلها بعيداً عن صفات الشعوب وأخلاقياتها ومزاجها.
مَن يمتلك المهنة الحقيقية في بلده وفْق إرادة الإنتاج الاقتصادية البعيدة عن منطق أصولية السوق، لن يكون بحاجة لامتهان العمالة لبلد أجنبي، وبغضِّ النَّظر عن المستويات الاجتماعية بين أبناء الشعب الواحد، فالتحوُّل إلى أداء المهنة المرتبطة بالأرض وبالحياة الاجتماعية تجعل له هوية وثبات وعدم انحناء أمام الأهواء، ولن يلعب دور الخائن لبلده ولشعبه.
أمّا مَن يعمل مِن المثقَّفين المتحوِّلين لدى جمعيات أجنبيّة، ويُريد أن يتمايز عن مواطنيه والاستئثار بالمنجزات، فإنّه حُكماً سيجِدُ مصالحه في تعارضٍ مع مصالح غالبيّة المجتمع. فهؤلاء الموظفون بحاجة الى رواتب ومستوى معيشي لائق ليمارسوا أعمالهم، فهم ليسوا مضطرِّين للتحوُّل ناحية الإنتاج الاقتصادي الحقيقي، فهم يريدون الشيء الأسهل في ممارسة أعمالهم لكونهم من نخب المجتمع وطموحهم الدائم يجعلهم ساعين حثيثاً للتسلُّق ولاتِّباع منهج الوصولية حتى لو كان على حساب الوطن…
أخيراً نوجز بأنَّه لو كان هناك من معنى وبُعدٍ لممارسة الدولة الوطنية دورها الحقيقي في الإنتاج والعمل، لعملت على تأطير هؤلاء النُّخب والمثقفين المتحوِّلين ولملمتهم عن الطرقات والتسكُّع ليتمّ استثمارهم في مناحٍ عديدة، لكن عندما يُتركون على أهوائهم وفقاً لمنطق حرية التعبير والتنوُّع والتعدُّدية، فسيسعى كلُّ واحد منهم للبحث عن رعاة ومموِّلين جدد، فيستحيلون خطراً على مجتمعاتهم، وهو ما نراه اليوم في الأدوات الغربية الاستعمارية وعملاء «إسرائيل» في كلِّ مكان…
أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
‎2017-‎12-‎04