عربون الوفاء المتبادل بين الصهاينة وبريطانيا والولايات المتحدة
إعلان بلفور: وعدٌ أم وسيلة؟
فواز طرابلسي

دخلت القوات البريطانية فلسطين في 16 تشرين الثاني/نوفمبر1917 أي بعد أقل من عشرة أيام على نشر رسالة بلفور واحتلت يافا، فانسحبت القوات التركية شمالا. ودخل اللنبي القدس يوم الأول من كانون الأول/ديسمبر على رأس قوة من المشاة يتبعه بيكو وكلايتون ولورنس. وقد نفّذ اللنبي المهمة قبل حلول عيد الميلاد، حسب الأمر الذي أصدره له لويد – جورج.
الظرفي والستراتيجي في التفسير والتأويل
في ضوء ما بسطناه أعلاه من تاريخ، يجدر إلقاء نظرة على بعض التفسيرات الرائجة لدوافع إصدار الإعلان وأسبابه. وهي كثيرة على أنها تجمع بين اعتبارات ظرفية وبين دوافع شخصية اعتمدت لاحقاً في معرض التفسير. على أن المشترك بينها تغييب الاعتراف بأي مطامح لبريطانيا في فلسطين والاقتصار في تفسير الإعلان على الوجه المتعلق بدعم الـ»الوطن القومي اليهودي» أو «الدولة اليهودية» في فلسطين. مع تطور الاستيطان اليهودي في ظل الانتداب البريطاني، وخصوصا بعيد نكبة 1948، سوف يغلب على كثير من التفسيرات، بل قل على الرواية السائدة، تنزيه بريطانيا على اعتبارها ضحية للنفوذ اليهودي العالمي، بل أنها منقادة للمؤامرة اليهودية العالمية.
لنتوقف الآن أمام الأكثر تداولا بين الدوافع والاعتبارات وراء إعلان بلفور 1917.
٭ إعلان بلفور بما هو عربون وفاء لأثرياء اليهود الذين موّلوا المجهود الحربي لبريطانيا والدول الحليفة. أن يكون ثمة أثرياء يهود موّلوا الحرب العالمية الأولى أمر مؤكد. لكننا لسنا نعلم، ولا مَن يسوّق الحجة يعلم، ما نسبة مساهماتهم المالية في تمويل الحرب. علما أن عملية تمويل، على هذا المستوى من الضخامة، غالباً ما تتم بشراء سندات خزينة وسندات حرب، لقاء فوائد باهظة. فليس ثمة من فضل لأولئك الممولين الذي جنوا ثروات طائلة من تمويل الحرب. هذا مع العلم أن أثرياء يهودا موّلوا المجهود الحربي لألمانيا وحلفائها أيضا.
أما عن دور إعلان بلفور في استرضاء الأثرياء اليهود للاستمرار في تمويل الحرب، فذوو النفوذ والمال من أثرياء آل روثتشايلد لم يكونوا معروفين بأنهم شديدو الحماس للصهيونية، كان المطلوب بذل الجهود لإبعادهم عن الموقف الاندماجي المعادي للصهيونية واستمالتهم لمشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين. فلم يتوفق الصهاينة مثلا في كسب أسرة روثتشايلد إلى صفهم إلا بعد أن ورث لورد والتر روثتشايلد أباه ناثان العام 1915.
٭ الإعلان بما هو مكافأة لحاييم وايزمان على تأمين إنتاج كميات كافية من مادة الآسيتون اللازمة لصناعة فتائل بطيئة الانفجار بديلة عن البارود للمجهود الحربي. تساق الحجة مع الإشارة إلى العلاقة المميزة بين لويد – جورج ووايزمان عندما كان الأول وزيراً للذخائر الحربية. وقد أتى لويد -جورج على موضوع الآسيتون في مذكراته. أما وعد اليهود مشروع دولة في فلسطين لقاء اكتشاف كيماوي، فيدعو إلى السخرية. وقد سخر وايزمان ذاته من رواية أنه مُنح الدولة اليهودية مكافأة له على اكتشافه الكيماوي. بقي أن نعلم أن المخترع الصهيوني لم يحرم من المكافآت على اختراعه فقد سجّله رسميا وباع براءة الاختراع إلى شركة Commercial Solvents Corporation وتقاضى عليه ما يتوجب من عائدات مالية.( Fromkin, 285).
٭ الدوافع الدينية لدى الساسة البريطانيين. لا شك في أنها كانت واردة عند عدد من السياسيين بصفاتهم الإفرادية. وثمة تفسيران متناقضان لتلك الدوافع، بل تفسيرات متعددة. واحد يشدد على أن الذي غلب على دوافع السياسيين البريطانيين في دعم إصدار إعلان بلفور هو نزعة العداء لليهود (اللاسامية) وأن الوعد بالوطن القومي كان غرضه التخفيف من الاضطرار لاستقبال أعداد كبيرة منهم في بريطانيا، خصوصا في أعقاب المجازر ضد اليهود في روسيا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. هذه حجة تتكرر باستمرار وإن كانت ضعيفة الإسناد. فالمعروف أن الأكثرية العظمى (85٪) من اليهود الفارين من مذابح روسيا في السبعينات من القرن التاسع عشر هاجروا إلى الولايات المتحدة، كما أسلفنا.
ولا شك في أن تلك الدوافع الفردية كانت موجودة. لكن الطريف هو تجاهل أنها لم تكن متطابقة فيما بينها ولا كانت من مصدر واحد. فمارك سايكس الكاثوليكي المذهب يتصور احتلال بريطانيا للقدس انتقاماً لخسارة الصليبيين المدينة المقدسة على يد صلاح الدين. في المقابل، ينظر البروتستانتي لويد – جورج إلى احتلال القدس وكامل فلسطين على أنه تحرير للأرض المقدسة من أيدي الفرنسيين الكاثوليك وأشباه الملحدين، حسب ما نسبه إليه رئيس الوزراء آسكويث. أما لورد شافتسبوري، كبير «المسيحيين الصهيونيين» فيرى في عودة اليهود إلى فلسطين مقدمة للعودة الثانية للمسيح على الأرض. والطريف في تلك الحجج عن الدوافع الدينية انها لا تتوقف كثيرا عند البريطانيين اليهود بمن فيهم السياسيون، وقد تابعنا أعلاه مقدار الانقسام بينهم حول ما إذا كان يوجد شعب يهودي وأمة يهودية أم لا، وحول الموقف من الصهيونية، والدولة اليهودية في فلسطين.
٭ تشجيع الرئيس ولسن على دخول الحرب الى جانب الحلفاء باسترضاء أبرز مستشاريه من اليهود الصهيونيين أمثال لويس براندايس. أول ردّ عل تلك الحجة أن الولايات المتحدة دخلت الحرب في السادس من نيسان/أبريل 1917، أي قبل أشهر من صدور إعلان بلفور. ثم إنه، على العكس تماما من السائد والمتداول، لم يكن الرئيس ولسن بحاجة إلى استرضائه بإصدار إعلان يؤيد قيام وطن قومي يهودي في فلسطين، فالعكس هو الأصح: كان المطلوب بذل الجهود لإقناع الرئيس ولسن ذاته بالإعلان وتشجيعه على تأييده، كما فصّلنا أعلاه.
٭ إقناع قادة الثورة الروسية على البقاء في الحرب إلى جانب الحلفاء، من خلال كسب ود اليهود ذوي الحضور البارز في قيادتها. والمقصود هنا الثورة الروسية الأولى، المعروفة باسم ثورة شباط/فبراير 1917. حقيقة الأمر أن رئيس الحكومة المؤقتة كرنسكي، وهو يهودي المنشأ، كان داعية للاستمرار في الحرب ولم يكن بحاجة إلى إقناع. وقد زار وفد رسمي من دول التحالف سان بتروغراد للبحث في أمر الحرب والحكومة المؤقتة مصممة على البقاء في الحرب، لكنهم اكتشفوا أن سوفيات سان بطرسبرغ، الممسك بالسلطة الفعلية في العاصمة، قد صوّت على قرار بوقف الحرب والتخلي عن سياسات الاحتلال والإقلاع عن الدبلوماسية السرّية والعمل من أجل انتصار حق الشعوب في تقرير المصير.
ومن مفارقات الأمر أن ثورة تشرين الأول/أكتوبر البلشفية اندلعت في اليوم ذاته الذي نشر فيه إعلان بلفور في الصحافة البريطانية. أما عن دور الإعلان في تشجيع القادة البلاشفة من أصل يهودي على الاستمرار في الحرب، فينهض في وجهه واقعان دامغان. الأول أن الخروج من الحرب كان أحد أبرز أهداف الثورة البلشفية وقد وضعت شعارها «تحويل الحرب الاستعمارية إلى حرب أهلية» منذ أن اندلعت الحرب، ووضعته موضع التطبيق منذ الساعات الأولى لانتصارها. والثاني، أن المكتب السياسي للحزب البلشفي ضم ثلاثة قادة بارزين من منشأ يهودي هم تروتسكي وزينوفييف وكامنييف، غير أنهم كانوا معروفين بأنهم في طليعة المواجهين للصهيونية منذ معارك البلاشفة مطلع القرن مع الاتحاد العمالي اليهودي ـ البوند ـ الذي كان ينادي بإنشاء نقابات منفصلة للعمال اليهود، في مقابل التشديد البلشفي على وحدة الأداة النقابية والحزبية للطبقة العاملة.
ولا بد من القول إن قسماً كبيراً من المبالغة في دور اليهود يعود إلى وايزمان نفسه، ومهاراته في تسويق قضيته. نسبت إليه تسمّية «اليهودية العالمية» ذات المال والنفوذ السياسي عبر العالم، يلوّح بها ويغري بها، بما يتجاوز بكثير واقع الحال الفعلي. حتى أن وايزمان حاول إقناع الأمير فيصل بدعم الوطن القومي اليهودي في فلسطين على اعتبار أن قوة اليهود العالمية قادرة على مساعدة الأمير العربي على تحقيق الاستقلال للعرب.
مهما يكن، فإن هذه الاعتبارات والوعود الظرفية المتعلقة بالحرب والدوافع والتصورات الشخصية، على أهميتها، لم يكن لها أن تفعل فعلها في السياسة البريطانية لو لم تنضو في إطار المصلحة الأبرز لبريطانيا، الضمنية حينا والمعلنة أحيانا، المتحكمة بالمواقف والسياسات منذ أن بدأ البحث في اقتسام النفوذ والسيطرة في المنطقة: تبدأ بمشروع سايكس لربط الهند من خلال العراق بقناة السويس بواسطة خط سكة حديد يصل إلى شرقي البحر المتوسط، في حيفا لذلك الغرض، وتأمين قناة السويس بالسيطرة على ضفتيها الغربية والشرقية التي تزايدت أهميتها الأمنية والستراتيجية بعد الكلفة الباهظة لدفاع القوات البريطانية عنها (والأحرى القوات الأسترالية والهندية).
وفي الخلاصة، لا بد من القول إن بريطانيا، داعية العروبة وبناء مملكة عربية، في مطلع هذه العملية، لجأت لإزاحة فرنسا عن فلسطين وانتزاع الانتداب عليها إلى المنطق إياه الذي شرعنت به فرنسا حججها لاستعمار سائر الولايات العربية: منطق حماية الأقليات.
(يتبع)