حين سقطت السعودية فى ” الاملاء
أحمد الحباسى
فضيحة ، فضيحة سياسية و أخلاقية و دينية و استراتيجية بامتياز ، هذا بالمحصلة ما نتج عن قرار النظام السعودى احتجاز رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريرى داخل السعودية و منعه من التواصل الحر مع العالم الخارجى و بالذات مع ” رئيسه ” اللبنانى ميشال عون ، طبعا النظام السعودى الجديد مغرور و سكران و لذلك تتوالى علامات الفشل السياسية و العسكرية اضافة الى تنامى حالة غير مسبوقة من مشاعر الكراهية لدى كل الشعوب العربية التى تنتظر بداية انهياره و أفول وجوده و خروجه من معادلات اللعبة الدولية القذرة فى الشرق الاوسط باعتباره الممول المالى الاكبر لكل المؤامرات الصهيونية الغربية الامريكية على الدول العربية اضافة الى وقوفه وراء كامل منظومة الفكر التكفيرى الرجعى بواسطة ما يسمى بالمؤسسة الدينية السعودية ، هنا يجب التأكيد أن احتجاز الحريرى بهذه الطريقة المهينة التى تشبه فى كثير من التفاصيل الوسائل القذرة التى تستعملها المخابرات العالمية فى التعامل مع معارضى النظام أو ما تقوم به بعض المجموعات الارهابية أو قراصنة البحر .
ظهر سعد الحريرى فى الفيديو اياه و لعل النتيجة الوحيدة التى خرج بها اللبنانيون و بقية المحللين أنه لا يزال على قيد فى حين أكدت زيارة الرئيس الفرنسى ماكرون أن وراء الاكمة ما وراءها و أن عملية الاحتجاز كانت مدبرة منذ فترة للإطاحة برئيس الحكومة اللبنانية ، فتصريح ماكرون يقول ان الحريرى سيغادر السعودية مع عائلته الى منفاه الباريسى و أن هناك ضغوط فرنسية و صفقة ما تمت تحت الطاولة بحيث لا يواصل النظام السعودى عملية الاختطاف التى تضعه فى مواجهة الرأى العام العربى و العالمى و فى المقابل تتعهد فرنسا بحماية الحريرى و ضمان عدم ” اسرافه ” فى الكلام الممنوع اضافة الى ضرورة اصراره على تقديم الاستقالة و لو اضطره الامر للرجوع تحت الحراسة الفرنسية الى بيروت لتقديم الاستقالة رسميا للرئيس عون و العودة فى نفس الطائرة الى باريس ، يبقى السؤال لماذا تحركت فرنسا و بطلب من أى طرف خاصة و أن الولايات المتحدة قد طالبت على لسان وزير خارجيتها بإطلاق سراح المخطوف حتى يعود لبلده لتقديم استقالته ان لزم الامر مما يؤكد ان الخلاف بين الحريرى و الملك القادم هو خلاف لا يقل خطورة عن الخلاف بين الملك و بين بعض رموز ما سمى بالفساد فى السعودية .
حسب تقديرات عديد اجهزة المخابرات و المحللين الذين تناولوا بالتحليل شخصية ولى العهد محمد بن سلمان فان انهيار الجماعات الارهابية السعودية فى العراق و سوريا و لبنان وفشلها في الإطاحة بالأسد و فشل تيار الحريرى فى منع حزب الله من طردها من لبنان والحرب الفاشلة الجارية في اليمن والتي كلفت السعوديين مئات الملايين من الدولارات دون نتيجة اضافة الى اعداد القتلى و الجرحى نتيجة الصمود اليمنى و عودة النفوذ الايرانى بقوة الى الساحة خاصة بعد الانتصار السورى و قبول امريكا و بقية الدول الغربية ببقاء الاسد كل هذه الانهيارات التى انتقدتها بعض رموز العائلة المالكة و طالبته باتخاذ قرارات مؤلمة لتصحيح السياسة السعودية قد جعلته يختار سياسة حافة الهاوية و لم يجد من “حائط قصير ” سوى ابن النظام و حليف المؤامرة الحريرى ليجعله يدفع فاتورة الفشل و يجعل منه الحدث القادر على التعتيم على كل المؤاخذات السلبية التى يتعرض اليها النظام خاصة بعد فشله فى التعامل مع الحالة القطرية .
” اذا مش التنين الخميس ” …هكذا علق الكاتب الكبير ناصر قنديل على تواتر خبر عودة الحريرى من مكان احتجازه السعودى الى لبنان فى اشارة الى كثرة الاخبار و الاشاعات التى استمرت بمجرد خروج رئيس الحكومة فى ذلك الفيديو لإعلان استقالته مع تبرير رأى فيه المحللون انه قمة الاستهانة بالعقول و بالمسئولية الحكومية ، يؤكد الصحفى ان متحدثا باسم الخارجية الامريكية قد نقل عن القائم بالأعمال الامريكى بالرياض قوله بأنه شاهد الحريرى فى مكان احتجازه ، ليبقى السؤال كيف قبلت امريكا راعية حقوق الانسان فى العالم احتجاز رئيس حكومة دون أن تتدخل و كيف “ينام ” الامين العام للأمم المتحدة و أحد أدوات تنفيذ المؤامرة القذرة فى سوريا سجين فى مملكة الشر السعودية ، لذلك يمكن القول اليوم أن رحيل الرجل الذليل الى منفاه الباريسى سيعطيه فرصة استعادة الانفاس و الخروج من حالة الخوف و الارتباك و سيعطى بعض الاطباء فرصة “تأهيله ” نفسانيا ليعود الى لبنان و قضاء اطول لحظات فى حياته فى قصر بعبدا محاولا تقديم بعض الاجوبة للرئيس اللبنانى و تسليم العهدة و المفاتيح صحبة كتاب الاستقالة ، و يبقى السؤال ماذا ربحت السعودية من هذه اللعبة و المسرحية القذرة و هل أنه بمثل هذه الصبيانية السياسية ستقلص السعودية من النفوذ الايرانى فى المنطقة و ما سماه بعض المحللين الخليجيين “بانتزاع لبنان من النفوذ السعودى ” .
يعلم الجميع ان وصول الحريرى الى سدة الحكم فى لبنان لم يكن بفضل السعودية بل نتيجة تفاهم مارونى سنى بينه و بين العماد عون و يؤكد العارفون ان الحريرى هذه المرة كان مستعدا للتفاعل مع الانتصار السورى و قبول كبار العالم بوجود الرئيس بشار الاسد كما يؤكدون على حصول تفاهمات كثيرة بينه و بين حزب الله و أن الخط الساخن بين الرجل و سماحة السيد حسن نصر الله كان مفتوحا باستمرار و لو عن طريق بعض الوسطاء المقربين ايضا كان هناك استعداد لطى صفحة الماضى خاصة بعد ضرب و طرد الجماعات الارهابية من مدينة عرسال و بقية المناطق اللبنانية المحاذية للحدود السورية اللبنانية ، فهل استشعرت السعودية الخطر من هذا التقارب الذى اكدته الزيارة الاخيرة للوفد الايرانى الرفيع المستوى الى لبنان و مقابلته لرئيس الحكومة ؟ لذلك نقول أن رسالة الاستقالة قد كتبت بلغة سعودية مرتبكة و أن ولى العهد السعودى لم يتقن ” الاملاء ” فجاء النص مليئا بالأخطاء السياسية التى سترتد على النظام .
‎2017-‎11-‎17