كيف نواجه حرب الصدمة؟
صائب خليل
12 ت2 2017
الأشياء تتقلب في عالمنا بسرعة تبعث على الدوار، فكيف نتصرف وكيف نضمن سلامتنا وسلامة وطننا في عالم يستعصي على العقل الإمساك به وتوقع الخطوة القادمة؟
الحدث المدهش في لبنان يكفي وحده لإثارة الرعب في نفس من يتأمل في معاني الأحداث واستنتاجاتها، حين لا يستطيع رئيس حكومة دولة مستقلة أن يأمن على نفسه ان يؤخذ اسيراً في دولة تستدعيه بشكل عاجل ويضطر الى قراءة “اعتراف” كتب له ليقرأه ويناقض كل ما كان يتحدث به قبل يوم واحد، حين كان يجتمع بمسؤولي من اضطر إلى اتهامهم بالتآمر واخترع قصة تهديد باغتياله لم يكن عليها اية مؤشرات، وكان على موعد في اليوم التالي مع ممثلي صندوق النقد الدولي وغيرها كثير.
إنها لا تعني لبنان.. إنها تعني: أننا نعيش في عالم يمكن لرئيس حكومة دولة ان يختطف بهذا الشكل! وهي تعني ان من يدير المنطقة قادر على تنفيذ إرهاب لا يأمنه حتى رؤساء حكوماتنا، وأنه قادر على ابتزازهم إلى ابعد الحدود! وأن من المحتمل ان هذا قد تم بالفعل دون اثارة ضجة كما حدث مع الرئيس الحريري. فما حدث لهذا الرجل، هو الجزء الذي أتيح لنا ان نراه من “جبل الثلج” الغاطس، أما معظم ما يجري ويحدد مسار الأمور، فيجري تحت الماء، ولا يصلنا منه إلا مظاهر تدل عليه، ودون ان نستطيع ان نفهم اتجاهات التيارات التي تسبب ذلك، ولا ان نحسب حسابها، وأين ستضرب في المرة القادمة.

طبيعي أن حادثة الحريري لم تكن المفاجأة الوحيدة وإن كانت أشدها قوة. ففي العراق، وبدون اية مقدمات، نرى ذات الجيش العراقي الذي تراجع في كل مواجهة مع كردستان سابقاً، يستعيد كركوك وأراض أخرى بل ويستعيد السيطرة على المنافذ الحدودية التي كانت بيد كردستان منذ احتلال الأمريكان للعراق بل وقبل ذلك. وبالمقابل تحولت البيشمركة فجأة من قوة تتحدى وتسخر من الجيش ومن كل رئيس حكومة حتى اليوم، إلى مجموعة ذاهلة متباكية لا تبدي اية مقاومة! وتحول الموقف الأمريكي الذي كان يقف مع كردستان في كل ابتزاز لها لحكومة بغداد، موقف المتفرج إن لم نقل “المدير” لذلك الاختراق، تاركاً هراوته الضاربة، وهو يقدر بكلمة واحدة ان يوقف كل شيء. وتحولت كردستان أيضا فجأة من ذلك الإقليم “المختار” الذي يحكم بغداد ويزيح هذا (الجعفري، ثم المالكي) ويعني ذاك (العبادي) متجاهلا حتى نتائج الانتخابات، (بدعم أمريكي مباشر طبعا)، الى مجموعة محافظات متنافرة هشة.

إن خير ما يصف وضعنا هو ما يصف وضع من يصطدم بمفاجآت كبيرة غير متوقعة وخارج السياق، فلا يجد في ذاكرته احداثا مشابهة في الماضي تساعده على تحديد ما يعالج الموقف به. أي أننا في حالة “صدمة”.

ولا تقتصر المفاجآت وجبال الثلج على منطقتنا بالطبع، فانتخاب ترمب مفاجأة كارثية صادمة بالتأكيد. وربما كان هناك الكثير من المفاجآت الأخرى التي لم نستطع متابعتها مثل خروج شخصية مجهولة تافهة أخرى لرئاسة فرنسا وغيرها. لنكتف بما في منطقتنا مع ملاحظة انها قد لا تكون الوحيدة في هذا الأمر.

كيف نتعامل مع هذه الأمور الغامضة والصدمة التي تسببها؟ إحدى الطرق هي ان نستسلم للسعادة التي تأتي بها هذه الأحداث أو للرعب، حسب موقفنا. في العراق استسلم عربه لسعادة التصور بأن ما حدث كان نتيجة تحول “سحري” لشخصية رئيس حكومتهم العبادي، فتحول من موضع سخرية ومرارة، إلى فارس يحقق لهم الانتصارات بجيشه الباسل، ويعيد الحدود إلى مكانها. وربما استسلم الكرد للرعب وتصوروا ان البيشمركه وقادتهم السياسيين قد تحولوا الى جبناء فجأة وأن اميركا صارت ضدهم. ولا يوجد أي تفسير يدعم مثل هذه الخيالات اللذيذة من ناحية والمرعبة من الناحية الأخرى. فالجيش العراقي هو ذاته الذي سلم المدن الكبرى والأسلحة لداعش بلا قتال مرة، وهو الذي استعادها تحت قيادة التحالف (ومع الحشد)، ولم يعاقب نفر واحد من خونته، ورئيس الحكومة هو ذاته ولم يسجل التاريخ يوما مثل هذا التحول في اية شخصية، كما ان شيئا لم يحدث ليبرر انقلابا في الموقف الأمريكي.

الطريقة الأخرى للتعامل مع الموضوع هي أن نحاول أن نفهم قدر الإمكان ما يجري حولنا، وأن نفهم أيضا أنفسنا وردود افعالنا لنوجهها بالشكل الصحيح. أي ان ندرك أننا في حالة “صدمة” قبل كل شيء، وأن هناك من يدير تلك الصدمات ويهدف الى شيء ما من ورائها. وليس هناك صعوبة في معرفة من يديرها، فلا توجد في العالم سوى دولتان قادرتان على انجاز مثل تلك المشاريع. فما هو الهدف من الصدمات أصلا؟
كتاب “عقيدة الصدمة” لنعومي كلاين يشرح لنا أن الهدف هو تمرير مشاريع مرفوضة من قبل الشعب، بأخذه “على حين غرة” وهو مشغول بالصدمة ومشلول بها. وشرحت كلاين كيف استخدمت اميركا الصدمات الطبيعية مثل الأعاصير وبقية الكوارث الطبيعية لتمرير مشاريع خصخصة في اميركا شملت المدارس والمؤسسات الصحية وغيرها من الخدمات في نيو اورلينز بعد إعصار كاترينا. واقتبست من طواغيت المال ومنظري الليبرالية تصريحات تدل على سعادتهم بتلك الكوارث ودعوتهم لاستغلالها قبل ان يستفيق الشعب منها. وشرحت كيف استخدمت صدمة الانقلاب في شيلي لنفس الأهداف وكذلك الأمر في الدول الاشتراكية السابقة لفرض اقتصاد ليبرالي متوحش بالرغم من إرادة شعوبها.
ونحن في الحقيقة لا نملك اية فكرة عما يوقعه العبادي من اتفاقيات قروض وما هي شروطها. لكننا نستطيع ان نرى انه يستمر بتمديد الخصخصة لتشمل الجامعات والكهرباء وغيرها. ولا نتوقع ان تكون الأهداف الاقتصادية هي الوحيدة في بال أميركا، فالعراق المستهدف من إسرائيل يختلف عن شيلي والبرازيل ودول أوروبا الشرقية، ويتوجب إنزال تحطيم اكبر به.

وماذا نفعل؟
تكتب الكندية نعومي كلاين في كتابها “الرفض وحده لا يكفي”، والمخصص أغلبه لمواجهة صدمة ترمب، أن مواجهة هجمة الصدمة تتكون من مرحلتين: المرحلة الأولى هي الخروج من جو الصدمة من اجل فهمها. والمرحلة الثانية هي بناء استراتيجية مواجهة على أساس هذا الفهم.
الخروج من حالة الصدمة بالسرعة الممكنة أمر ضروري للتمكن من النظر إليها من خارجها وفهمها ليتمكن الإنسان من التفكير وقياس قوة عوامله بشكل حقيقي لا يشوهه الخوف أو السعادة. أما المواجهة فتعتمد على فهمنا لمواصفات الصدمات بشكل عام، ولخصوصية الصدمة الموجهة إلينا بشكل خاص.
الخروج من الصدمة يتم بإدراكنا للصدمة الموجهة الينا. ثم بتمييز الحقائق الأساسية ذات الخطوط العامة والتمسك بها، ورفض الانجرار للتفاصيل بدون مبرر. ورفض الإغراءات بالتفسيرات “السعيدة” غير المفهومة وكذلك رفض المبالغة بالخوف وتحويله الى رعب. أن نبقى على ثقة بأننا قادرون على مواجهة المؤامرة إن لم تفقدنا الصدمة رشدنا. فمن يهاجمنا يحتاج اليها كما يبدو وإلا لما جاء بها، وبالتالي فأن خطته لن تنجح بدون تأثيراتها التي يأملها، علينا. بهذه القناعة نستطيع أن نمتص المفاجأة التي تعتمد عليها حرب “الصدمات”.
السلاح الآخر الذي تعتمد عليه الصدمات هو “التشويش”، وعدونا يمتلك إعلامنا امتلاكا تاماً، كما يتضح من الكمية المهولة من الاخبار الكاذبة التي تنتشر فيه، والقناعات الخاطئة التي تم زرعها في لا وعي الناس. وعلينا، كما هو الحال عند من يعاني من صعوبة الرؤية في الضباب، أن يحاول ان يزيد من التشكك والأسئلة ومراجعة مصداقية الأخبار، وان يحتفظ على الأقل بالخطوط العريضة للطريق. وتلك الخطوط هي ما نعرفه من حقائق تم فحصها طويلا. فهي تخبرنا بأن اهداف أميركا وإسرائيل هي تحطيم هذه البلدان. تقسيمها، وتجزئتها، بكل معاني الكلمة. جغرافيا (الأقاليم والانفصالات وفصل احياء السنة عن الشيعة وفكرة المدينة الخاصة بالمسيحيين) وإعلاميا (أن تنعزل كل جماعة بوسائل إعلامها الخاصة ولا تتحمل رؤية الأخرى) وعاطفيا ومذهبيا وتاريخيا (بالتزوير) وتشريعيا (القانون الجعفري) وعسكريا (رفض الحشد، والترحيب بالحرس الوطني الخاص بكل محافظة، الذي جاء به العبادي) وهكذا. لذلك فعلينا الانتباه إلى كل حركة والبحث عن تأثيرها في هذا الهدف، فإن كانت تخدمه، علينا ان نقف بوجهها.

الأمر الثاني الأكيد الذي تريده اميركا وإسرائيل هو القضاء على الحشد، أو تحييده وإلغاء دوره. ورغم انها نجحت حتى الآن في وضعه تحت اشراف العبادي ورجلها فالح الفياض، ورغم الأخطاء السياسية الكثيرة المؤسفة لقادة الحشد، فقد فشلت المحاولات حتى الآن في التخلص منه، رغم انهم جندوا حتى الأمم المتحدة لهذه المهمة، وليس فقط ذيولهم المحلية والإقليمية. لذلك فعندما يصرح سياسي بعد عودته من إحدى الحجات الى اميركا او السعودية، بأن الحشد “لن يشارك في الانتخابات”، فعلينا ان نفهم انه استلم تعليمات محددة حول الموضوع، وأن هذا التصريح ليس سوى الخطوة الأولى.

علينا ان نراقب أية حركة تحت الماء، ونطالب بتفسيرها إن لم تكن مفهومة. ما الذي وقعه العبادي مع وفده المهول في السعودية؟ لماذا لا يوجد تغطية إعلامية لما يحدث؟ ولماذا يسافر رئيس اركان الجيش العراقي لوحده الى السعودية؟ الا يتم التفاهم حول داعش في قيادة القوات المشتركة؟ هل هناك خطة لمناورات عسكرية مثلا؟ لا.. إذن لماذا؟ علينا ان لا نترك السؤال. وعلينا ان نواجه بالريبة من يحاول ان يقنعنا بأنه يأخذنا الى مستقبل وردي، لا أساس له.

وهجمات الصدمة تسعى لتمرير مشاريعها باستعمال بالونات كبيرة لها شكل مخيف، لكن معظم حجمها يتكون من فراغ من الداخل.. سواء كانت ذات شكل إرهابي مثل تويترات السبهان المهددة للبنان، أو مغرية مثل مشاريع السعودية الخرافية لتحويل صحارينا الى مزارع خضراء يعمل فيها ملايين العراقيين. ستكون مهمة ذيول من يدير الصدمة (الساسة السعوديون وساستنا الذين يحجون اليوم الى السعودية وأميركا) تسويق هذه البالونات لنا على أنها أشياء حقيقية وكبيرة ويدعونا للتصرف على أساس ذلك. وأمل اسيادهم ان لا نكتشف الحقيقة إلا بعد فوات الأوان. فما الهدف إذن؟ لا نعرف لحد الآن لكنه بدون شك، مشروع مرفوض من الشعب، ومهما كان غريبا وخيالياً، فسيكون أقل غرابةً من المشروع الخرافي الذي يغطى به، بأن تستثمر السعودية لتشغيل ملايين العراقيين (ملايين!) في زراعة صحرائهم، وتترك صحاريها الواسعة وعاطليها عن العمل!

علينا أيضا ان ننتبه الى معاني العبارات الحقيقية وفق ما تستعمل به. فالدعوة لـ “عودة” العراق الى “محيطه العربي” تثير الشبهة حين تصدر من تيلرسون الصهيوني. ولو انتبهنا الى المقصود بـ “محيطه العربي” فلن نجد دولاً عربية تؤمن بالعروبة وتسعى لوحدة العرب وتحقيق مصالحهم، وإلا لكان تيلرسون قد جن جنونه منها. لكن المقصود به مجموعة دول عربية موضوعة في قفص دجاج لتبيض الإرهاب لإسرائيل، حتى يحين موعد ذبحها. ودعوة العراق هي لدخوله الى هذا القفص!
،
يجب أن يعرف الشعب العراقي أعداءه المقنعين، وينتبه لأدوارهم وبالوناتهم إن لم يكن يريد أن ينتهي في قفص الذبح هذا. عليه ان يعتمد على نفسه وعلى الصامدين الذين عرفهم وخبرهم. فالذيول مازالت هي الذيول، ولم تفقس الفرسان، وهي غير قادرة على قول “لا”. إن مهمتهم تسويق المشاريع التي ذكرناها، وخداع الشعب. هذه البالونات يجب كشفها وكشف أصحابها ولتحقيق ذلك فعلينا ان نجد “الدبوس” المناسب لكل بالون، ونغرسه في الوقت والمكان المناسب لتفجيره.
‎2017-‎11-‎13