مسائل وعد بلفور… وتمخّصت العرقيّة الأوروبية عن مسخ استعماري
جوزيف مسعد

أثناء حملتهم لتطهير أوروبا المخترعة حديثاً من كل ما هو غير مسيحي، وبالتالي غير غربي، قام الأوروبيون المتنوّرون في أواخر القرن الثامن عشر باختراع ما أطلقوا عليه اسم «المسألة الشرقيّة»، ومن بعدها وكفَرعٍ لها، «المسألة اليهوديّة». وكان للمسألتين دورٌ مركزي في المساعي الإمبرياليّة الأوروبيّة لتفكيك الدولة العثمانيّة والسيطرة على أراضيها.
ومع حلول بواكير القرن العشرين، وفي أواخر أيام الحرب العالمية الأولى، قرر هؤلاء الأوروبيون المتنوّرون حلّ هاتين المسألتين من خلال تحويلهما عبر الاستعمار الاستيطاني إلى ما سمَّوْه بـ «مسألة فلسطين».
كانت المسألة الشرقيّة مسألة تعدي الشرق على الغرب، أي مسألة الدولة العثمانيّة وضرورة إلحاق الهزيمة بها. وكانت هزيمتها أصبحت في متناول اليد في الفترة الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، وبحلولها، استطاع الغرب حلّ المسألة الشرقيّة. أما بالنسبة إلى المسألة اليهوديّة، فكانت تتعلق باستمراريّة وجود الشرق داخل الغرب، الأمر الذي لم يتسامح معه لا المسيحيّون الأوروبيّون المتنوّرون ولا غير المتنوّرين. صحيح أن الديانتين اليهودية والمسيحية ديانتان فلسطينيتان. والحقائق التاريخية تؤكد أيضاً أن سكّان ما أصبح في ما بعد يسمى «أوروبا»، مسيحيين كانوا أم يهوداَ، اعتنقوا هاتين الديانتين بعد اعتناق الفلسطينيين لها بقرون عدّة. ومن الحقائق الأخرى أن مسيحيّي ما أصبح يسمى بأوروبا لم يعتبروا أنفسهم يوماً بأنهم متحدّرون من المسيحيّين الفلسطينيّين القدماء الذين كانوا يتكلمون اللغة الآرامية، بل اعتبروا أنفسهم بحق أنهم معتنقون جدد لهذا الدين الفلسطيني. ولكن، مع ذلك، أصرّ هؤلاء المعتنقون الجدد ذاتهم على أن مَن اعتنق اليهوديّة من سكّان ما أصبح يسمى بأوروبا متحدّرون بطريقة أو بأخرى من العبرانيّين الفلسطينيين القدماء الذين كانوا أيضاً يتكلمون الآرامية في فترة الطرد الروماني المزعوم لهم في القرن الأول للميلاد. وقد كان هذا الإصرار مهماً لأن معتنقي المسيحيّة الجدد اتهموا معتنقي اليهوديّة الجدد بقتل المسيح الفلسطيني. مع هذا، لم يخطر ببال المسيحيّة الأرثودوكسيّة ولا المسيحيّة الكاثوليكيّة أن تقوما بطرد معتنقي اليهوديّة إلى فلسطين. ولا سعى هؤلاء اليهود الجدد أبداً إلى الهجرة الجماعيّة إلى فلسطين.
وفيما تأمّل هؤلاء المسيحيّون الجدد الجغرافيا التي انبثق عنها الدين الذي اعتنقوه، قرروا أنها يجب أن تخضع لحكمهم. هذه كانت نقطة انطلاق الصهيونيّة المسيحيّة الأولى التي أُطلق عليها اسم «الحروب الصليبيّة». أما البروتستانتيّون، وهم المسيحيّون الأصوليّون لعصر النهضة، فقد أصيبوا بالهوس بشأن اليهود الأوروبييّن، وأيضاً لم ينظروا إليهم على أنهم معتنقون محليّون جدد لليهوديّة، بل على أنهم ما زالوا على صلة بفلسطين القديمة، وشرعوا بالمناداة بـ «إرجاعهم» و«عودتهم» إلى الأراضي المقدسّة كجزء من المشروع الألفيّ للتسريع بالمجيء الثاني للمسيح. وقد قاوم اليهود الأوروبيّون، كما يقاومون اليوم بمعية اليهود الأميريكيّين، هذه المشاريع للطرد الذاتيّ من أوروبا والولايات المتحدة إلى أرض آسيويّة نائية.
وقد قام الأوروبيّون المتنوّرون في القرن الثامن عشر بطرح «المسألة اليهوديّة» في هذا السياق على أنها مسألة آسيويّين شرقيّين أجانب يعيشون في أوروبا والغرب. وقد طالب نابوليون اليهود الفرنسيّين بالتأكد من خلو ممارساتهم الدينيّة اليهوديّة من أي رواسب شرقيّة، والتي كانت تسمح لرجالهم بالزواج بأكثر من امرأة، قبل أن يقبل بهم كمواطنين فرنسيّين متساوين مع المسيحيين في فرنسا ما بعد الثورة. وقد أكّد له وفد من اليهود الفرنسيّين أن اليهود الأوروبيّين الأشكنازيين كانوا قد حرّموا هذه الهرطقات اللامسيحية في القرن الثاني عشر، وأنهم نتيجة ذلك قد أصبحوا تقريباً مسيحيين. وقد اعتنقت ثلّة من اليهود الدين المسيحي رسميّاً في القرن التاسع عشر، وابتكرت ثلّة أخرى ديانة يهوديّة جديدة أسمتها «اليهودية الإصلاحية»، وهي يهودية تشبه المسيحية لدرجة أنه يمكن للمرء أن يخلط بينهما بسهولة ــــ تقريباً!
لكن هذا لم يكن كافياً؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر، ومع صعود العلوم البيولوجيّة والعرقيّة، لم تعد المسألة اليهوديّة مسألة سكّان ينبغي إزالة الأَوْرَبَة عن أصولهم وأسْيَوَتِهم، بل أضحت مسألة أنهم ينتمون إلى عرق أجنبي، ومسألة دنو منزلة هذا العرق. وقد جرى هذا في عهد القوميّات الأوروبيّة التي أسست نفسها عادة على مبدأ الأرض واللغة المشتركتين، لكنها أضافت لهما باطراد وَهْم العرق المشترك. وما أسس له الفيلولوجيّون الأوروبيّون في القرن الثامن عشر على أنه الفارق ما بين لغات «هندو ــــ أوروبية» أو «آرية»، ولغات «ساميّة»، غدا في منتصف القرن التاسع عشر فارقاً عرقياً. ولا يهم في هذا السياق بأن اليهود الأوروبيّين لم يكونوا يتكلمون لغة ساميّة البتة؛ فقد كان الزعم الكاذب بأنهم متحدرّون من العبرانيين القدماء كاف. وحيث إن المسيحيّين الفلسطينيّين القدماء كانوا أيضاً يتكلمون الآرامية، شأنهم في هذا شأن اليهود الفلسطينيّين القدماء، وهي لغة اعتبرها الفيلولوجيّون الأوروبيّون من اللغات السامية، فلم يحوّل هذا المسيحيّين الأوروبيّين إلى «ساميين». حيث إنهم كانوا من دون أدنى شك هندو ــــ أوروبيين، والأوفر حظًا منهم كانوا آريين أقحاحاً.
لقد تنوعت ردود اليهود الأوروبيّين على هذه التطورات واتخذت شكل أربعة ردود منظّمة، تنافست في ما بينها على الحصول على دعم اليهود والمسيحيّين. الفريق الأضعف الذي أثار حنق معظم اليهود، كان فريق الصهيونيّة. وقد تم تأسيس هذا الفريق في مؤتمر في آب/أغسطس عام ١٨٩٧، وقرّر التحالف من دون أي لبس مع اللاساميين، ومع البروتستانتيين الألفيين، ومع الإمبريالية، وتبنى قوميّة يهوديّة عرقيّة انضمت إلى القوميّات الأوروبيّة العرقيّة في مهمتها الاستعماريّة. وقد أعلن مؤسس هذه المنظمة ثيودور هرتسل، بلا مواربة، أن «اللاساميّين سيغدون أقرب أصدقاء لنا يمكننا الاعتماد عليهم، وستغدو الدول اللاسامّية حليفتنا». وتبنت الصهيونيّة مبدأ أن اليهود عرق وقومية منفصلان عن الأعراق والقوميات الأخرى وأن على كل اليهود الانضمام إلى مشروع الصهيونيّة في الاستعمار الاستيطاني.
أما الفريق الثاني، فقد كان ملتزماً بالاشتراكيّة، وتضمن يهوداً كانوا قد انضموا إلى أحزاب اشتراكية وإلى النقابة العمّالية اليهودية العامة في ليتوانيا، وبولندا، وروسيا، والمعروفة بإسم البوند. وقد تأسس البوند في تشرين الأول/أكتوبر ١٨٩٧، بعد أسابيع قليلة من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول. وعلى النقيض من الصهاينة، تحالف البونديّون وكل اليهود الاشتراكيّون الآخرون مع أعداء اللاساميّة وأعداء الإمبرياليّة وأعداء القوميّات العرقيّة. وقد اعتبروا الصهاينة أعداءً للشعب اليهودي وللشيوعيّة.
أما الفريق الثالث فقد تكوّن معظمه من اليهود المندمجين في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وقد اعتبروا أن اندماجهم وطائفتهم «اليهودية الإصلاحية» جزءاً لا يتجزأ من دولهم وأوطانهم حيث يعيشون، وأنهم ينتمون لقومية هذه الدول. وهكذا فقد اعتبر اليهود الألمان والبريطانيون والفرنسيون والأميركيون أنفسهم ألماناً وبريطانيين وفرنسيين وأميركيين، كما يعتبر معظمهم نفسه اليوم. وقد حاربوا الصهاينة لتهديد الأخيرين لمكانتهم في أوطانهم.
وتكوّن الفريق الرابع من اليهود الأروثوذكس الذين اعترضوا في أغلبيتهم على الصهيونيّة، على أسس دينّية، واعتبروها هرطقة خطيرة معادية للديانة اليهوديّة. وقد انضم اليهود الإصلاحيون إلى اليهود الأرثوذوكس في ألمانيا، لمنع هرتسل من عقد مؤتمره الصهيوني الأول في مدينة ميونيخ، وأجبروه على نقله إلى البلدة السويسرية المجاورة بازل، خارج الحدود الألمانية.
حاول الصهاينة أن يعثروا على حلفاء بين اليهود المندمجين إبّان الحرب العالمية الأولى (ونالوا نجاحاً أكبر في سعيهم هذا في الولايات المتحدة منه في أوروبا) وبين اليهود الأرثوذوكس (في حالة الأخيرين، لم يوفّقوا في مسعاهم إلّا مع مجموعة صغيرة من بين اليهود الأورثوذوكس الأشكنازيين الذين أطلقوا على أنفسهم اسم «حزب مزراحي» انضموا إليهم). ولكنهم تمكنوا من خلال تبنيهم لموقف معاد للشيوعيّة واعتناقهم لأفكار لاساميّة (عن أن اليهود أجانب وأنهم عرق منفصل)، ومن خلال دعمهم للإمبريالية، على العثور على حلفاء أكبر وأقوى من بين الدول الأوروبيّة المسيحيّة الاستعماريّة.
انكب هرتسل على لقاء الساسة في الحكومات الأوروبية التي تملك مستعمرات ومناطق آسيوية وإفريقية، أو كانوا على وشك استملاكها (بمن فيها إيطاليا، وألمانيا، والبرتغال، وبريطانيا، وروسيا، والعثمانيون)، لكسبهم كحلفاء وداعمين لمشروعه بنقل يهود أوروبا إلى فلسطين. وقد تطلبت استراتيجيته بعض الوقت، لكن زملاءه في المنظمة الصهيونية العالمية، هم من حصدوا المكاسب من هذه الصلات. ونجح خلفاء هرتسل في الحوز على راع استعماري في سياق حلول أول كارثة عالمية في القرن العشرين، ألا وهي الحرب العالمية الأولى.
لكن الحكاية تبدأ في أوائل القرن العشرين. فقد كان حينها حليف هرتسل الإمبريالي وزير المستعمرات البريطاني جوزف تشيمبرلين هو مَن قام بالتحضير لـ «إعلان بلفور». وقد كان تشيمبرلين إمبرياليّاً وبروتسانتيّاً صهيونيّاً، وكان أيضاً من المتحمّسين المبكّرين للصهيونية اليهودية. وكانت لاسامّيته معروفة، ما أكد أن دوافعه لم تكن بروتسانتيّة بالضرورة، بل يتصدّرها المال والتمويل الذي يمكن أن يمدّ الاستعمار البريطاني، والذي اعتقد، بانياً اعتقاده على المنظور اللاسامي، بأن «اليهود» يمتلكونه. خلال انعقاد المؤتمر الصهيوني الرابع في لندن العام ١٩٠٠، كان هرتسل منذ تلك اللحظة معتمداً على فكرة أن بريطانيا ستكون المفتاح لنجاح المشروع الصهيوني. فقد أعلن في المؤتمر أنه «من هذا المكان ستحلّق الحركة الصهيونية أعلى فأعلى… إنكلترا العظيمة… التي تصوب أعينها نحو البحار السبعة ستتفهمنا».
وبينما كان يهود أوروبا الشرقية يفرّون من المذابح التي كانت تستهدفهم إلى أوروبا الغربية، بما فيها بريطانيا، وإلى الولايات المتحدة، كان المسؤولون البريطانيون الذين يعارضون هجرتهم إلى بريطانيا قد عيّنوا لجنة للنظر في شأنهم. وقد دُعي هرتسل ليقدم شهادته أمام «اللجنة الملكية عن هجرة الأجانب». ومن بين المئة وخمسة وسبعين شاهداً الذين قدّموا شهاداتهم إلى اللجنة، كان هرتسل الوحيد الذي قدّم حلًا للمشكلة، وهو «تغيير اتجاه مسار الهجرة… من أوروبا الشرقية. لا يستطيع يهود أوروبا الشرقية أن يبقوا حيث هم، فإلى أين يذهبون إذًا؟ فإن كنتم ترون أنهم غير مرغوب بهم هنا، فينبغي إيجاد مكان ما يمكنهم أن يهاجروا إليه من دون أن تتسبب هجرتهم بالمشاكل التي ستواجههم هنا». وكانت هذه الشهادة قد تركت انطباعاً إيجابيّاً عند اللورد روثتشايلد الذي كان عضواً في اللجنة كممثل عن الطائفة اليهودية، وكان حتى تلك اللحظة من مناهضي هرتسل والصهيونية. لكن استعمار فلسطين من قبل الصهاينة سينهي مشكلة التعاطي مع الهجرة اليهوديّة إلى بريطانيا. وقد التقى اللاساميّ والبروتستانتيّ تشيمبرلين مع هرتسل لتنظيم كيفية تقديم دعم الإمبرياليّة البريطانيّة والصهيونيّة البروتستانتيّة إلى الصهيونيّة اليهوديّة، لتخليص بريطانيا من مشكلتها اليهوديّة.
وفي ضوء هذا الهدف المشترك، عرض تشيمبرلين على هرتسل شبه جزيرة سيناء والعريش التي كانت بريطانيا تحتلها، كوطن لليهود العام ١٩٠٣، وبعدها ببرهة عرض عليه إفريقيا الشرقية التي تحتلها بريطانيا أيضاً، أي أوغندا، كي يستعمرها اليهود وينشئوا فيها وطناً يهودياً. وكان تشيمبرلين، كما هو متوقع، يعارض الهجرة اليهودية إلى بريطانيا، إذ كانت لديه، شأنه شأن الصهاينة، أماكن أخرى ممكنة لهجرة اليهود الشرق أوروبيين الفارين من المذابح التي استهدفتهم. لم يكن موقفه هذا مستوحًى من الصهيونية البروتستانتية فحسب، بل أيضًا من الخطط الإمبريالية البريطانية في سيناء وعلاقة الأخيرة بحماية قناة السويس. وعندما رعى آرثر بلفور، رئيس وزراء بريطانيا في حينها، قرار قانون الأجانب العام ١٩٠٥ في البرلمان البريطاني لمنع الهجرة اليهودية إلى بريطانيا، كان همّه أن يحمي بريطانيا من «الشرور التي لا شك فيها»، والنابعة «من هجرة يتكوّن أغلبها من اليهود». ومثله مثل تشيمبرلين، كان يجول في خاطر المسيحي الصهيوني واللاسامي بلفور مكان آخر لهجرتهم.
وبينما قام المؤتمر الصهيوني السادس برفض عرض أوغندا، فقد كان قرار المؤتمر الصهيوني السابع الذي عقد العام ١٩٠٥ في بازل هو الذي أطاح بالعرض تماماً. ولكن نتيجة قرار قانون الأجانب، قام المؤتمر السابع بالتنديد ببلفور بأنه «لاسامي»، وأعلن أن نظرة الأخير إلى اليهود نظرة «لاساميّة علانية ضد الشعب اليهودي بمجمله». لكن، وفي الوقت نفسه، تقدّم المؤتمر بالشكر من الحكومة البريطانيّة التي يرأسها بلفور على موقفها المساند للصهاينة عبر عرضها أوغندا عليهم. وسجّل المؤتمر «مشاعر السرور بالاعتراف الذي قدّمته حكومة بريطانيا بالمنظمة الصهيونية في سعيها لإيجاد حلّ للمشكلة اليهوديّة، ويُعبّر عن أمله الصادق بأن تقدم دوائر الحكومة البريطانية له المساعدة قدر المستطاع في أي جهد يسعى فيه إلى تحقيق برنامج بازل»، في استعمار فلسطين.
وقد آمن كلّ من تشيمبرلين وبلفور بفوقيّة العرق الأنغلو ــــ سكسوني وبفضائله الفريدة.

وشأنه شأن الصهاينة اليهود، كان بلفور يؤمن بأن اليهود «هم شعب منفصل، وليسوا فقط من أتباع ديانة تختلف عن دين الأغلبية العظمى من شركائهم في الوطن». وحتى في سنين متأخرة، أسر بلفور لصديقه حاييم فايتسمان أنه يشارك كوسيما فاغنر (زوجة الموسيقي الألماني فاغنر المعروفة بلاساميّتها) آراءها اللاساميّة عن اليهود الألمان. وكان فايتسمان في تلك الأثناء يحاول أن يسوّق أهداف الصهيونيّة اليهوديّة للصهيوني البروتستانتي لويد جورج. ومنذ العام ١٩١٤، حاجج الصهاينة، من خلال شخص السياسي البريطاني اليهودي هربرت صموئيل، أنه بعد حلّ المسألة الشرقية بسقوط الدولة العثمانية، سيملأ المستوطنون اليهود الفراغ في فلسطين، لمصلحة الأهداف الإمبرياليّة البريطانيّة وسيقومون بحماية البلد من سيطرة أي من منافسي بريطانيا الإمبرياليّين، لا سيما الفرنسييّن، أو، ما هو أسوأ، الألمان. أما صموئيل الذي كان له دور مركزيّ في ضمان الدعم البريطاني للصهيونيّة اليهوديّة، فسيتبوأ منصب أول مندوب سام بريطاني يحكم فلسطين في تموز/ يوليو ١٩٢٠.
ولكن بينما كان يتم حلّ المسألة الشرقية، ظهرت مسألة جديدة بسرعة لتحلّ محلّها كتهديد للمصالح الإمبرياليّة الأوروبيّة: الخطر الشيوعي. وقد كان شبح الشيوعيّة، كما تنبأ كارل ماركس، يخيّم على أوروبا في نصف القرن الأخير، والهجوم على كومونة باريس العام ١٨٧١ رغم نجاحه لم يقض على هذا التهديد المتنامي. أما مصطلح «اللاساميةّ» الذي تمّ اختراعه في فيينا في عام ١٨٧٩ ليميّز اليهود، ليس دينيّاً بل عرقياً، عن الآريين، فارتبط بسرعة بمعاداة الشيوعيّة. وبينما كان الصهاينة يتآمرون مع اللاساميّين على أي بقعة في آسيا أو إفريقيا أو أميركا اللاتينية ينبغي نقل يهود أوروبا إليها، كان اشتراكيو أوروبا الشرقية، من يهود ومسيحيّين، يعملون على إسقاط الأنظمة المستبدة واللاساميّة لتحرير الناس من غبنها.
لقد كان ربط اللاساميّين لليهود بالشيوعيّة متوقّعاً. عدا عن الإشارة إلى أصول ماركس اليهوديّة، زعمت نظريّة المؤامرة بأن الشيوعيّة في أوروبا، والبولشفيّة خصيصاً، هي جزء من مؤامرة يهودية لتقويض «الحضارة الغربيّة». وبينما كانت قوة الشيوعيّين الروس (بمن فيهم البوند اليهودي) تزداد بعد اعتلاء حكومة كيرينسكي الحكم في شباط/ فبراير ١٩١٧، وبينما كانت القوات البريطانية العسكرية تقترب أكثر فأكثر من فلسطين، أصدر بلفور، وكان حينها يشغل منصب وزير الخارجية، إعلانه سيئ الصيت. ولم يكن رئيس وزراء بريطانيا لويد جورج، الأصولي البروتستانتي الذي ترعرع على الصهيونية البروتستانتية، يحتاج إلى إقناع بأهمية الصهيونيّة اليهوديّة، كما كان الحال مع بلفور ذي النزعة الصهيونيّة المبكّرة. وحيث أن صهيونيتهما البروتستانتية كانت متوافقة مع الإمبرياليّة البريطانيّة، فقد كان ذلك ضرباً من ضروب الحظ. ولم يكن توقيت إصدار إعلان بلفور الذي قدّم فيه الوعد البريطاني للصهاينة وللورد روثتشايلد، قبل خمسة أيام فقط من انتصار ثورة أكتوبر في روسيا، وليد المصادفة.
ما كان يعنيه انتصار الشيوعيّين الروس، يهودا ومسيحيين، الذين كانوا أعداء اللاساميّة والصهيونية، هو أنه لم يعد هنالك سبب لهجرة يهود أوروبا الشرقية، وهو ما عرّض السياسة الإمبرياليّة البريطانيّة والمشروع الصهيوني في فلسطين للخطر. ومن خلال تقديم الوعد بضمان إقامة «وطن قومي» للشعب اليهودي في فلسطين، كان البريطانيّون يعرضون مخرجاً آخر ليهود أوروبا الشرقية ويحثونهم على عدم تقديم الدعم للشيوعيّين. وبينما يُعزى عادةً الزعم اللاساميّ بأن الشيوعيّة والبولشفيّة عبارة عن «مؤامرة يهوديّة»، إلى النازيين الذين قاموا باستيرادها من الروس البيض (أي القيصريين الذين حاربوا الشيوعيين الحمر)، فحقيقة الأمر أن أول من روّج لها في أوروبا الغربية لم يكن غير ونستون تشرشل الذي شرح بوضوح خطر الشيوعيّة كـ «مؤامرة يهودية» للسيطرة على العالم مقابل الصهيونيّة التي تآمرت مع الإمبريالية، والتي قدّمت حلًّا إمبرياليّاً للـ «المشكلة اليهوديّة». وقد عبّر تشرشل في مقالة نشرها في جريدة الصنداي هيرالد في شباط/ فبراير ١٩٢٠، عن دعمه لليهود المندمجين والمتماهين كمواطنين مع أوطانهم، لكنه اعتبرهم خارج معادلة القوى التي كان يسعى إلى توضيحها، أي المعادلة ما بين الصهيونيّة والشيوعيّة. استهل تشرشل مقالته بالتنديد بمن أسماهم بـ «اليهود الدوليّين»، وقام بتعريف الشيوعيّة بأنها «مؤامرة [يهوديّة] عالميّة لإسقاط الحضارة»: «أدّت حقيقة أنه في حالات عدة قام البلاشفة باستثناء المصالح والأماكن اليهوديّة من عدائهم العام، إلى ربط العرق اليهودي في روسيا مع الشرور التي يتم ارتكابها الآن… لذلك يصبح من الأهمية بمكان أن يقدّم الدعم وتنمية أي حركة تعرّف نفسها على أنها حركة يهوديّة تتجه بعيدًا ومباشرة عن هذه الصلات المميتة. وهنا تكمن أهمية الصهيونيّة العميقة للعالم ككل في الوقت الحاضر. إذ إن الصهيونية تقدّم الدائرة الثالثة للمفاهيم السياسيّة للعرق اليهودي. ففي تباين عنيف في ما بينها وبين الشيوعيّة العالميّة، تقدّم لليهودي فكرة القوميّة التي تمتاز بسمة عظيمة. وقد آل الأمر إلى الحكومة البريطانية، بعد غزوها لفلسطين، أن تستغل الفرصة وتتحمل المسؤولية بأن تؤمّن للعرق اليهودي في العالم أجمع وطناً ومركزاً للحياة القوميّة. فقد كان توقيت الحنكة السياسية والحسّ التاريخيّ لدى السيد بلفور ممتازاً لاستغلال هذه الفرصة. وقد تم استصدار الإعلانات التي قررت طبيعة السياسة البريطانية من دون مجال للرجعة عنها أبداً».
وقد خلص تشرتشل أخيراً إلى أن: «الصهيونيّة غدت عاملاً في التشنّجات السياسيّة في روسيا، ومُؤثّراً منافساً وقوياً في الدوائر البولشفيّة للنظام الشيوعي الدولي. فلا شيء يفوق أهميّة الهجوم الغاضب الذي شنّه تروتسكي على الصهاينة، وخصّيصاً على الدكتور فايتسمان. فالاختراق القاسي لعقله لن يترك له أدنى شك بأن خططه لإقامة دولة شيوعيّة على مستوى العالم تحت السيطرة اليهوديّة سيتم إحباطها وإعاقتها على الفور من قِبل هذا الهدف المثالي الذي يوجّه كل طاقات اليهود وآمالهم، في كل بلد، نحو هدف أكثر بساطة وأكثر حقيقة وبالإمكان تحقيقه. ليس الصراع الذي بدأ الآن ما بين اليهود الصهاينة واليهود البلاشفة أقل من صراع على جوهر الشعب اليهودي وروحه».
وقد أصبح العداء الصهيوني للشيوعية تقليدا مستمراً عبر السنين. فعندما استهدفت اللاساميّة الأميركيّة الحكوميّة اليهود الشيوعيّين على أنهم جواسيس سوفيات، وحاكمت وأعدمت الزوجين روزنبرغ العام ١٩٥٣ معتمدةً على أدلة واهية، لم تتفوه إسرائيل بكلمة واحدة للدفاع عنهم. وعندما قام الفاشيّون والهتلريّون المَجَريّون، الذين سرّبتهم وكالة الاستخبارات الأميركية، عبر الحدود النمساوية إلى بودابست أثناء حكم إمري ناج عام ١٩٥٦، بذبح اليهود الشيوعيّين وبذبح اليهود كـ «شيوعيين»، صمتت إسرائيل وباقي اليهود الصهاينة ولم ينبسوا ببنت شفة حتى اليوم. وحتى عندما قام جنرالات الأرجنتين اللاساميّون باستهداف اليهود اليساريّين في البلاد في أواخر السبعينيّات، تخلى عنهم اليهود الصهاينة الأرجنتينيون كما تخلت عنهم إسرائيل، واستمرت في تحالفها مع جنرالات الأرجنتين.
ما يقوم شرح تشرشل بتوضيحه هي الصلات التي تربط بين الصهيونيّة البروتستانتيّة والصهيونيّة اليهوديّة، وبين القوميّة العرقيّة والشيوعيّة المعادية للعرقيّة، وما بين الصهيونيّة الاستعمارية الاستيطانيّة والشيوعيّة المعادية للإمبرياليّة. فقد جعلت العنصريّة العرقيّة الإمبرياليّة، التي يتشارك فيها البريطانيون والحركة الصهيونية تجاه الفلسطينيين، كما تجاه باقي الآسيويين والأفارقة، وجود الفلسطينيين على أرضهم، ناهيك عن معارضتهم ومقاومتهم للاستعمار الاستيطاني عليها، بلا أدنى أهميّة. فقد أصر بلفور أن «الصهيونيّة، إن كانت على حق أو على باطل، إن كانت صالحة أو طالحة، لهي متجذّرة في تقاليد منذ عصور سحيقة، وفي احتياجات حاضرة، وفي آمال مستقبليّة ذات أهميّة أعمق بكثير من رغبات وتعصّبات ٧٠٠ ألف عربي يقطنون اليوم تلك الأرض القديمة». ولم يتماهَ مع الفلسطينيين ضد الصهاينة إلا اللورد صايدنام (Sydenham)، وكان عضوا عن حزب المحافظين في البرلمان، حيث أعلن: «ليس هنالك حق لليهود في فلسطين أكثر من حق أحفاد الرومان القدماء في هذه البلد (أي بريطانيا)».
إن قصة الاستعمار والكولونياليّة الصهيونيّة في فلسطين في القرن الماضي، رعاها وما زال يرعاها البريطانيّون، والمقاومة الفلسطينيّة التي قامت لمواجهتها مستمرّة حتى اليوم. وقد رُفِضت كل الاعتراضات والتظاهرات المبكّرة للفلسطينيين على سرقة بلدهم وأراضيهم من قِبل أوروبيين اعتنقوا اليهودية، رعاهم أوروبيون اعتنقوا المسيحيّة، على أنه لا أساس لها من الصحة. وفي اجتماعاته مع الحكومة البريطانيّة العام ١٩٢٣، أصرّ السياسي البريطاني اليهودي هربرت صموئيل أن معارضة العرب للصهاينة مرتكزة على سوء فهم لأهداف الحركة وأن القيادات الصهيونية المتسمة بالمسؤولية لا تخطط لمصادرة الأراضي العربية ولا لإغراق البلد بالمهاجرين اليهود. وبينما كل ما تخوّف منه الفلسطينيون وتوقّعوه تحقق بالفعل، لم يتحقق كل ما توقّعه الصهاينة اليهود والمسيحيون. فلم يستسلم الفلسطينيون وهم يواصلون النضال ضد الاستعمار والعنصريّة الصهيونيّة حتى اليوم.
لقد قامت إسرائيل بقتل أكثر من مئة ألف فلسطيني وعربي منذ العام ١٩٤٨، وقد قُتل الآلاف من الفلسطينيين على يد البريطانيين والصهاينة ما بين عامي ١٩١٧ و١٩٤٨. وقد طردت إسرائيل نصف الشعب الفلسطيني من فلسطين التاريخية وهؤلاء ما زالوا يقبعون في المنفى، بينما يقبع النصف الثاني على أرضه في ظل القوانين والأحكام الاستعمارية والعنصرية الإسرائيلية في «إسرائيل» وفي الضفة الغربية وغزّة. أما أغلبية يهود العالم اليوم، فما زالوا يعيشون في أوطانهم حول العالم ويرفضون الانتقال إلى إسرائيل، بما فيهم أغلبية يهود الولايات المتحدة، ويهود أميركا اللاتينية، ويهود فرنسا، وروسيا، وبريطانيا، وغيرهم. عندما أصدر بلفور إعلانه في عام ١٩١٧، عارضه معظم اليهود البريطانيين. عندما ساندت الولايات المتحدة إعلان بلفور بعد صدوره بقليل، قامت ٣٠٠ شخصية عامة يهوديّة أميركيّة، بمن فيهم أعضاء بالكونغرس، وحاخامات، ورجال أعمال، بالتوقيع على عرائض ضدّه. واستمرت هذه المعارضة اليهودية القويّة حتى نهاية الحرب العالميّة الثانيةّ. وبينما نجحت الحركة الصهيونيّة وإسرائيل بتغيير موقف يهود العالم المعارض للصهيونية بعد المحرقة النازية وبعد عام ١٩٤٨، فإنها فشلت في إقناع معظمهم بالانتقال إليها. أما معظم اليهود الذين ذهبوا إلى إسرائيل، فلم يذهبوا نتيجة قناعة أيديولوجية بالمشروع الصهيوني بل هربًا من الاضطهاد وإغلاق أبواب باقي البلاد في وجوههم (وفي حالة اليهود العرب، قامت إسرائيل بتنظيم هجمات عليهم، كما فعل الموساد في العراق، كي تحثهم على الهجرة). ومع ذلك يستمر اضطهاد إسرائيل للشعب الفلسطيني وتتواصل سرقة أراضيه دون هوادة.
وفي هذه الأثناء، تمّ تحويل المسألة الشرقية والمسألة اليهودية والتهديد الشيوعي إلى المسألة الفلسطينية، المستمرة، رغم كل العوائق، في صيغة الاستعمار الاستيطاني. وقد أخفقت كل المحاولات البريطانيّة والإسرائيليّة والفرنسيّة والألمانيّة والأميركيّة (عدا عن ذكر محاولات الدول العربيّة الدؤوبة) في هزيمة الشعب الفلسطيني في القرن الماضي. أما تجديد وعد تيريزا ماي مؤخرًا للصهاينة بأن المملكة المتحدة ستحتفل بمئوية إعلان بلفوربـ «فخر»، فليس إلا تعبيرًا عن الفخر بالإرث البريطاني الاستعماري والعنصري واللاساميّ والمعادي للشيوعية، والتي تصرّ ماي وحلفاؤها في الحكومة البريطانية على الاستمرار بفرضه على أرض الفلسطينيين وعلى الشعب الفلسطيني. وقد أعلنت ماي مؤخرًا: «نحن فخورون بالدور الذي لعبناه في إقامة دولة إسرائيل وسنقوم بالاحتفال بالمئوية بفخر». وقد رفضت ماي، شأنها شأن بلفور من قبلها، حتى أن تذكر الشعب الفلسطيني بالاسم. فإذا قام إعلان بلفور بالإشارة إلى الشعب الفلسطيني بـ «المجتمعات غير اليهودية في فلسطين»، تقوم ماي بالإشارة إليهم بـ «البعض»: ««لينا أيضًا أن نكون واعين للحساسيّة لدى البعض [التشديد مضاف] من إعلان بلفور. ونحن نقرّ أن هنالك جهدا أكثر ينبغي القيام به».
أما السلطة الفلسطينية المتعاونة مع العدو فقد قامت بتهديد بريطانيا برفع دعوى عليها نتيجة احتفالها بالمئوية إلّا إذا قامت الأخيرة بتقديم الاعتذار إلى الشعب الفلسطيني عن إصدارها إعلان بلفور. هذه المجاهرة بالذلّ متوقّعة من سلطة دورها الوحيد هو قمع المقاومة الفلسطينيّة للاستعمار الإسرائيلي والتي عملت جاهدة منذ ربع قرن على قمع الحقوق الوطنيّة والسياسيّة للشعب الفلسطيني.
ولكن، بعد قرن من الزمن، لم يزل الاستعمار الصهيوني يفتقر إلى الأمان كما كان وضعه دائماً، كما يفتقر إلى الحس بديمومته واستقراره كما كان عليه الوضع العام ١٩١٧. فلا خلاف اليوم على أن بريطانيا الرسميّة، كما يعبر عنها «فخر» ماي، كانت وما زالت من أشرس أعداء الشعب الفلسطيني، أما بالنسبة إلى «جهد أكثر ينبغي القيام به» من قبل دولة ماي، فهو الضرورة المستعجلة لمحاكمة بريطانيا، ليس فقط على إصدارها إعلانها سيئ الصيت، بل على جميع جرائمها الماضيّة والحاضرة َضد الشعب الفلسطيني.
* أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا بنيويورك. سيصدر له الشهر المقبل كتاب «الإسلام في الليبرالية» عن «دار جداول».
‎2017-‎11-‎11
عن نشرة كنعان