العراق بين اجندات سيلمان وسليماني

fares alani.jpg666

فارس العاني

يشهد العراق ومنذ اكثر من عقد من الزمن صراعاً للهيمنة عليه والتدخل في رسم سياسته الداخلية منها والخارجية من قبل كل من الولايات المتحدة الامريكية وجمهورية ايران الاسلامية اذا استثنينا تركيا من ذلك الصراع على النفوذ بسبب تفرغها لمشاكلها الداخلية خصوصاً مايتعلق بالمواجهة العسكرية مع مسلحي PKK .

وقبل الدخول في الموضوع لا بد من التوضيح هنا أني اخترت عنوان المقالة أعلاه ان سيليمان هو سفير امريكا الحالي في العراق وسليماني هو الشخصية المثيرة للجدل والذي يتولى منصب قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني وقد برر العديد من الساسة وبعض المسؤولين في بغداد ان السبب الذي جعله يتردد كثيراً على العراق لتقديم الاستشارة لقوات الحشد الشعبي في معاركه ضد تنظيم داعش أسوة بالمستشارين العسكريين الأمريكان الذين يقدمون الاستشارة والخبرة للجيش العراقي .

ما اريد توضيحه هنا : ان العراق وهو في الايام الاخيرة من إلحاق الهزيمة بالتنظيم المذكور يشهد حالياً مرحلة مفصلية ستحدد اتجاه بوصلته وفي اي اتجاه ستكون خصوصاً ما يتعلق بأوضاعه الداخلية ومحيطه الإقليمي والعربي، ولا بد من القول هنا انه لا احد يتجاهل او ينكر وجود صراع بين طرفين رئيسيين : إيراني مدعوم من قبل قوى عراقية داخلية صاحبة قرار وسلطة وهي ليست خافية على احد يقابلها الولايات المتحدة الامريكية التي تحضى بدعم من اطراف عربية وتحديداً من بعض الانظمة الخليجية بهدف تحجيم او إيقاف التمدد الايراني والحد من تأثيره على صناع القرار في بغداد والذي اخذ يتوسع بشكل اثار حفيظة الأمريكان وحلفائهم في المنطقة ،وهناك من يقول ان الرئيس ترامب يسعى اليوم للحد من تغلغل ايران في العراق بهدف إيقاف وصولها الى البحر الابيض المتوسط من خلال سوريا التي ارتبطت ايران مع رئيسها بشار الاسد بحلف استراتيجي على مختلف المستويات وخصوصاً في السنوات الاخيرة التي تواجه فيها سوريا اخطر عدوان تتعرض له على يد التنظيمات المسلحة والمدعومة من بعض الانظمة العربية والدولية والتي جيئ بها من شتى بقاع العالم بهدف تدمير الدولة السورية منذ عام ٢٠١١ وهذا ما كشفه مؤخراً الشيخ حمد بن جاسم رئيس وزراء قطر السابق .

واذاً عدنا الى أصل الموضوع الذي نحن بصدده فأن ما واجهه العراقيون طيلة هذاه السنوات من انقسامات وتجاذبات بين مكوناته تتحمل مسؤولية ذلك الكتل التي تصدرت السلطة ، القوي منها والضعيف على السواء نتيجة وتقديم مصالحها الذاتية مع ارتهان العديد منها بقوى خارجية عديدة تعمل لصالح بلدانها على حساب مصاحة العراق خصوصاً بعدما تم اعتماد مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية ، ولقد اتبتت الوقائع والاحداث ان هذه الاسلوب او المبدأ لم يؤدي الى اي استقرار او ازدهار وكانت النتائج طيلة هذه السنوات مأساوية دفع ثمنها الشعب العراقي وليس غيره وقد تناسى صناع القرار طيلة هذه السنوات ان الدول التي استقرت وتطورت هي التي اعتمدت الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ووضع الكفوء وصاحب الخبرة في الموقع والمكان المناسب وليس وفق طريقة المحاصصة على أساس الدين والمذهب والعرق ، وعلينا ان لا نتجاهل ان الاحتلال لعب دوراً كبيرا في تمرير تلك الصيغة المقيتة والمشار اليها أعلاه وكانت البداية عند تأسيس مجلس الحكم الذي تم تشكيله بأمر الحاكم المدني الامريكي السيء الصيت (بول بريمر) ، هذه حقيقة يجب ان يعترف بها الساسة بكافة انتمائاتهم وتوجهاتهم من الذين يتصدون قيادة البلد ، ومن المفارقة ان نسمعهم اليوم يحمْلون (المحاصصة) كل التداعيات ورغم ذلك يصرون على اعتمادها والمضي فيها ، والدليل الدامغ على ذلك تمرير البرلمان الاتحادي مؤخراً المفوضية العليا المستقلة للانتخابات !!! وفق مبدأ المحاصصة رغم الرفض الجماهيري الواسع لتلك الصيغة التي هي بعيدة كل البعد عن الاستقلالية ، لذلك كل الاستقراءات تقول ان الانتخابات القادمة في حالة اجرائها سوف لن تختلف عن سابقاتها من حيث الشكل والمضمون وستمثل انتكاسة اخري للعملية السياسية خصوصاً وان البلد غير مهيئ الان لإجراء انتخابات برلمان اومجالس محافظات بسبب الاوضاع الداخلية التي يمر بها وهي كثيرة وتحتاج الى معالجة وتصحيح ، لهذا امام العراقيين اليوم الفرصة المؤاتية لمغادرة الفرقة والتناحر وعليهم استغلال حالة الوحدة والتلاحم التي عبروا عنها بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم في تصديهم لداعش وإلحاق الهزيمة بها وكذلك إفشالهم خطة تقسيم بلدهم ، لذلك امام العراقيين عرب واكراد وبقية المكونات الكريمة الاخرى فرصة تأريخية لتجاوز كل السلبيات وان يصنعوا قرارهم بأنفسهم ويبتعدوا عن الاملاءات والضغوطات الخارجية دون النيل او معادات هذا الطرف او ذاك سواءً كان عربياً او اقليمياً او دولياً وان يبتعد العراق عن سياسة المحاور او التدخل في شؤون الغير ويعتمد بدلها اُسلوب الصداقة والتعاون والمصالح المتبادلة مع الجميع لان الشعب العراقي لم يعد يتحمل هذه الاعباء وهذا التناحر بين مكوناته والتي دفع مقابلها الكثير من

الاثمان الباهظة والتي طالت حاضره ومستقبله ، لذلك مطلوب في المرحلة الراهنة ان يضع الجميع وطنهم العراق في مقدمة أولوياتهم وان يتم اعتماد مبدأ (حق المواطنة) اذا ما اريد لبلدهم ان يستقر ويزدهر، وعلى العراقيين ان يقولوا بصوت واحد لسيليمان وسليماني ولكل المهتمين او المتورطين بالشأن العراقي نريدكم اشقاء وأصدقاء وان تساعدوننا في اعادة بناء بلدنا بلا (اجندات او اطماع) !!!.

اخيراً وليس آخراً كل أنظار العراقيين تتجه أنظارهم اليوم نحو رئيس الوزراء حيدرالعبادي المدعوم داخلياً وعربياً ودولياً لان أمامه فرصة تأريخية من اجل القيام بخطوات إيجابية تكون محصلتها وضع العراق على الطريق الصحيح الذي سيعزز وحدة ابنائه ومغادرة سياسة العزل والاقصاء وكل أشكال المحسوبية والفساد وان يحتكم الجميع للقانون .

سفير سابق

2017-11-10