وعد بلفور – النفاق الذي ارتد على اصحابه

صائب خليل

تاريخ مشين:

فشلت محاولة ناشطين بريطانيين لجمع عدد كاف من التواقيع لدعوة الحكومة للاعتذار عن “وعد بلفور” سيء الصيت، والذي تسبب في قتل عشرات الآلاف وتهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني من ديارهم، والذين يبلغون اليوم أكثر من 5 ملايين انسان مشرد. وأسوأ من هذا ان رئيسة الوزراء البريطانية صرحت بأن على بريطانيا ان تفخر بدورها في خلق إسرائيل.(1)

ووعد بلفور هو الوعد الذي تضمنته رسالة من وزير الخارجية البريطانية بلفور عام 1917 (خلال الحرب العالمية الأولى) إلى أحد زعماء الصهيونية، الثري اليهودي روتشيلد، بإقامة وطن قومي لليهود، لغرض كسبهم في الحرب. وتضمن الوعد نصا منافقا مستحيل التنفيذ بعدم الإضرار بمصالح من اسمتهم تلك الوثيقة باحتقار “المجاميع السكانية من غير اليهود!”، بينما تعامل مع الأقلية اليهودية وكأنها تمثل “الشعب” الأساسي الذي يسكن فلسطين.

وفي ذلك الحين قال آرثر واجوب المندوب السامي في فلسطين أن الفلسطينيين يخشون انهم سيعيشون على ارض فلسطين كشعب من الدرجة الثانية. وكم كان تنبؤهم في محله!

بعد ذلك ارتكبت المجازر مثل دير ياسين تحت سمع وبصر قوات الانتداب البريطانية التي لم تحرك ساكنا لأداء واجبها في الدفاع عن الضحايا، وتوالت المواقف اللاأخلاقية لبريطانيا في فلسطين.

الفخر بما هو لا أخلاقي:

ولا شك ان سلب وطن من مواطنيه وتسليمه لغيرهم، بكل ما ينتظر من مآسِ نتيجة ذلك، عمل لا أخلاقي فوق المعتاد، والأكثر لا أخلاقية منه هو “الافتخار” بهذا الدور، خاصة ان بريطانيا قد أجبرت بقوة الإرهاب اليهودي على تنفيذ هذا الوعد في ذلك الوقت، وبالضد من مصلحة بريطانيا ذاتها وإرادتها. فقد ارتكبت المنظمات الإرهابية اليهودية عدداً من الاغتيالات والتفجيرات ضد البريطانيين أجبرت الحكومة على تنفيذ وعدها النهاية. وأشهر تلك العمليات كان تفجير فندق الملك داوود في القدس في فترة الانتداب البريطاني، (1946) حين اعطى مناحيم بيغين (رئيس الوزراء الإسرائيلي فيما بعد) الأوامر لمنظمة الأرجون الصهيونية بتنفيذه. وكانت حكومة الانتداب البريطانية تتخذ من الفندق مركزا لها، وتسبب الانفجار في قتل عشرات البريطانيين واضعاف العدد من الجرحى. والأدهى من ذلك انه حين اوصت بريطانيا جنودها بتجنب المتاجر والمصالح اليهودية حفاظا على حياتهم، اتهمت أجهزة الدعاية الصهيونية بريطانيا باللاسامية واضطرتها مرة أخرى للخنوع والتراجع!

 

العمل اللاأخلاقي يرتد على أصحابه:

هذا النفاق والاستسلام لضغط النفوذ القوي، ودعمه بكميات هائلة من المال والسلاح حتى تغول، لم يسبب الأذى للفلسطينيين والعرب وحدهم، بل ارتد آذاه على الدول التي دعمت ذلك المشروع اللاأخلاقي، فتحول ما خلقوه إلى كيان مخيف يبتز هذه الدول كلها بلا استثناء، ويعاملها بلا أباليه واحتقار. لكننا سنكتفي هنا بالإشارة إلى معاملة إسرائيل لأهم دولتين في تكوينها، أي بريطانيا وأميركا.

فإسرائيل لم تكتف بانتخاب الإرهابي بيغن الذي قتل البريطانيين، رئيسا لحكومتها، إنما بقيت تحتفل بتلك الجريمة كل عام حتى الآن. وفي عام 2006 كان رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي بنيامين نتنياهو يحتفل مع أعضاء سابقين في منظمة الإرجون بالذكرى الستين للتفجير. ولم يستطع السفير البريطاني في تل أبيب ان يقول أكثر من: “لا نعتقد أنه من الصواب الاحتفال بذكرى عمل إرهابي أدى إلى وقوع عدد كبير من الضحايا”(2)

وفي حرب الفوكلاند، كانت إسرائيل تجهز الأرجنتين بالسلاح حتى اثناء الحرب مع بريطانيا، ولم تجرؤ بريطانيا ان تعترض على ذلك!

وقصص الابتزاز والإرهاب الإسرائيلية ضد كل اصدقائها الغربيين معروفة وكثيرة، ولعل أشهرها قوانين معاقبة “المشككين بالهولوكوست”، والتي قضى بسببها العديد من المؤرخين الغربيين سنوات في السجن إضافة الى تحطيمهم ماديا ومعنويا، وهو ما يفترض ان يعد فضيحة كبرى في دول تدعي الديمقراطية وحرية الرأي.  ولم تسلم من الابتزاز والمهانة، اميركا، الدولة العظمى التي تقدم لإسرائيل ما يقدر بـ 6 مليارات دولار كل عام ثلاثة منها بشكل مباشر. ولعل أشهر قصص تلك العلاقة الغريبة، قصة ضرب إسرائيل السفينة الحربية الأمريكية يو اس إس ليبرتي وقتل 34 بحارا وجرح 174 آخرين عدا الإهانة التي لحقت بواشنطن. وكان ذلك عام 1967 اثناء حرب الأيام الستة، وبأمل القاء التهمة على العرب، لتوريط اميركا بالحرب الى جانب إسرائيل.(3)

لم تتخذ الحكومة الأميركية أي اجراء بحق إسرائيل، ولا فعلت ذلك حين قام سائق جرافة إسرائيلي بقتل الناشطة الأمريكية راشيل كوري التي وقفت بينه وبين هدمه لبيت فلسطيني، وتجاهلت كذلك اكتشافها لعدة شبكات تجسس إسرائيلية عليها، او اكتفت باعتقال بعض أعضائها. لكن آخر وأغرب فضيحة لهذه العلاقة هي ما نشر مؤخراً من خبر اشتراط إحدى الولايات الأمريكية على مواطنيها المنكوبين بإعصار هارفي، التعهد بعدم مقاطعة إسرائيل كشرط لحصولهم على المساعدات!(4)

ويمكننا ان نأت بأمثلة مشابهة لكل دول أوروبا الغربية والشرقية الصديقة لإسرائيل، وايضاً العربية منها. وهكذا أصاب النفاق الذي أطلقه وعد بلفور اللاأخلاقي، أصحابه بمقتل. فها هو الوحش الذي خلقوه يسلب شعوبهم حتى ولاء حكوماتهم التي صارت تعمل بصراحة وكأنها حكومات تابعة لإسرائيل دون أي اهتمام برأي شعبها، وثبت أن إسرائيل إن دخلت بلداً استولت على السلطة فيه!

(نشر المقال معدلا في “الميادين”)

(1) UK refuses to apologise to Palestinians for Balfour Declaration and says it is ‘proud of role in creating Israel’

http://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/palestinian-authority-uk-balfour-declaration-israel-sue-israel-zionism-refuse-apologise-lawsuit-a7702866.html

(2) تفجير فندق الملك داود – ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%81%D8%AC%D9%8A%D8%B1_%D9%81%D9%86%D8%AF%D9%82_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%83_%D8%AF%D8%A7%D9%88%D8%AF

(3) هكذا غدرت إسرائيل بحليفتها الكبرى! – RT Arabic

https://arabic.rt.com/news/802658-

(4) صداقة مرعبة – أميركا تشترط لمساعدة مواطنيها المنكوبين تعهدهم بعدم مقاطعة إسرائيل!

https://www.facebook.com/saiebkhalil/photos/a.350693164987759.83177.320945874629155/1611977685525961/?type=3&theater

(5) روابط متعلقة:

د. ديفيد دوك : الارهاب اليهودي الصهيوني ضد امريكا والعالم – YouTube

 https://www.youtube.com/watch?v=l4nyPDDufgc

Theresa May wants British people to feel ‘pride’ in the Balfour Declaration. What exactly is there to be proud of?

http://www.independent.co.uk/voices/balfour-declaration-israel-palestine-theresa-may-government-centenary-arabs-jewish-settlements-a7607491.html

 BDS Movement

 https://bdsmovement.net/.

2017-11-05