عن سرّ التزامن بين التغلغل العسكري الأمريكي في غرب أفريقيا وتفريخ الحركات المسلحة!

 د. نبيل نايلي*

في حين أن جذور الإرهاب معقّدة، فإنه من الإنصاف اعتبار أن الوجود العسكري الأمريكي كان بمثابة أداة تجنيد لعدد متزايد من الجماعات الإرهابية العاملة في غرب أفريقيا!” مدير مشروع الأسلحة والأمن في مركز السياسة الدولية، وليام هارتونغ، William Hartung.

كلاّ لم تقع تغطية أخبار بعثة الفرقة العسكرية الأمريكية الخاصة مطلقا في الصفحات الأولى لصحيفة “النيويورك تايمز، The New York Times،أو صحيفة “الواشنطن بوست، Washington Post”ولا تغطيتها على شبكة سي ان ان، CNN، أو فوكس نيوز، Fox News. ولم يعالجها رئيس الأركان في البيت الأبيض، ولا رئيس هيئة الأركان المشتركة، ولا الرئيس نفسه في مؤتمر صحفي. ولكن مع منتصف شهر جانفي حتى أواخر مارس 2013، وقع نشر قوات “القبعات الخضراء، Green Berets، من فرق العمليات الخاصة العاشرة في دولة النيجر الغارقة في فقرها، في غرب أفريقيا. فرق عمليات خاصة “تعمل جنبا إلى جنب مع القوات المحلية، وتتدرّب على التنقّل الصحراوي، واستخدام الأسلحة الثقيلة، وأساليب الهجوم العسكري المتعمّد“.

وفي الــ 15 من ماي من نفس العام، وصلت فرقة أخرى من جنود القوات الخاصة إلى النيجر. وعلى مدار شهرين تقريبا، تدرّبوا أيضا مع القوات المحلّية، مع التركيز على مهارات قتالية مماثلة وعلى البعثات في المناطق النائية. ومنذ بداية أوت وحتى منتصف سبتمبر، سافرت مجموعة أخرى من “القبعات الخضراء” إلى البلد الحار والجاف للتدريب، والتركيز على العمليات الصحراوية، واستخدام الأسلحة الثقيلة، وتحليل المعلومات الاستخبارية، وغير ذلك من المسائل العسكرية، وفقا لوثائق البنتاغون التي حصل عليها موقع ذي انترسبت، The Intercept، من خلال قانون حرية المعلومات، Freedom of Information Act.

الثابت الوحيد في العمليتين هو تركيز الأمريكيين على مهام الاستطلاع. وحتى وقت قريب، كانت هذه البعثات تجرى دون صخب أو استقصاء إعلامي. وكان الأميركيون المتورطون في المعارك لا يُسمع بهم، حتى وفاة أحد عناصر الفرق الخاصة في أفريقيا، وكان ذلك بسبب حادث أو بعد ليلة صاخبة.

بعد 4 سنوات، أي في الــ 12 من أكتوبر، تحديدا، أجرى 12 عنصرا من القبعات الخضراء “بعثة استطلاع” إلى جانب 30 جنديا نيجيريا آخرين بالقرب من قرية تونغو تونغو، على بعد 85 كيلومترا إلى الشمال من العاصمة نيامي، وفقا لرئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال جوزيف دونفورد، Gen. Joseph Dunford. (تشير بعض التقارير إلى أنها تحولت إلى بعثة “قتل أو قبض، kill-or-capture” بهدف قتل أو القبض على “هدف ذي قيمة عالية، a high-value target” يرتبط بعلاقات مع تنظيميْ “القاعدة” أو “الدولة الإسلامية). وفي اليوم التالي، وعندما كانت القوة المشتركة تتحرّك جنوبا “في طريقها إلى قاعدة عملياتها، تعرّضت لهجوم من 50 عنصرا عدوا يستخدمون الأسلحة الصغيرة والقنابل الصاروخية والمركبات التقنية، فلقى 4 من القبعات الخضراء مصرعهم وأصيب 2 آخران في الكمين الذي أسفر أيضا عن مصرع 5 جنود نيجيريين.

 

الحقيقة المرة أن القوات الأمريكية منتشرة بالفعل في جميع أنحاء أفريقيا ومن قبل وبالآلاف! ويوجد نحو 6 آلاف جندي في القارة، ويقوم 3500 منهم بتمرينات وبرامج عسكرة ويشاركون القوات الحلية كل عام. بمعدل ما يقرب عن 10 بعثات كل يوم -من الكاميرون والصومال وجيبوتي إلى ليبيا. المتحدث باسم البنتاغون ماجور اودريسيا هاريس، Maj. Audricia Harris، أوضح أن “أكثر من 800 من هذه القوات ينتشرون في النيجر”. وأنّ “ما يقرب عن الـــ 100 جندي قد أرسلوا منذ 2013 للقيام بمهام استطلاع الطائرات بدون طيار، مما يجعل محلّ تركيز أكثر للقوات العسكرية الأمريكية في غرب أفريقيا! فماذا عن بقية الدول المجاورة مثل مالي وليبيا ونيجيريا والتشاد؟

مدير مشروع الأسلحة والأمن في مركز السياسة الدولية، وليام هارتونغ، William Hartung، قال “إن الزيادة في عدد القوات الأمريكية في النيجر سريعة ومتستّر عليها إلى حد كبير هي جزء من التوسع الكبير للبصمة العسكرية الأمريكية في أفريقيا”. وقال الخبراء “إنّ هذا التوسّع طال انتظاره من أجل أن يناقش في الكونغرس”، مضيفا إن “الجهود الأمريكية التي تركّز أساسا على تدريب الحلفاء والدول الوكلاء، معيبة، وغالبا ما تكون غير فعّالة، ويمكن أن يكون لها آثار مزعزعة للاستقرار في هذه الدول التي تهدف العمليات العسكرية إلى تعزيزها.

وقد بذلت جهود مماثلة في النيجر، حيث قدمت وزارة الدفاع ومنذ عام 2006 ما يقارب الـــ 165 مليون دولار في معدات مكافحة الإرهاب والتدريب، وهو ثاني أعلى مجموع في جميع أنحاء أفريقيا، وفقا لدائرة أبحاث الكونغرس. لكن النتائج كانت مماثلة لتلك التي أجريت في مالي، كما يؤكد العالم السياسي البارز في مؤسسة راند، the RAND ، الذي كتب على نطاق واسع عن كلا البلدين، مايكل شوركين،  Michael Shurkin وهو الذي قال دون مواربة “إن ما تقوم به القوات الأمريكية في النيجر هو إلى حد كبير ما نقوم به في المنطقة منذ عام 2003..كل ما نقوم به بالتأكيد لم يصل إلى نتائج كبرى بل قد ازداد كل شيء سوءا. لا أحد من هذه البرامج فعّال حقا!”.

أما ريبيكا زيمرمان، الباحثة في الأمن القومي والسياسة الخارجية في مؤسسة راند، فقد حذرت “من العواقب الوخيمة التي تحلّ بالدول الفقيرة والهشة عندما يشملها “التدريب والمعدات المضادة للإرهاب”. حيث يمكن لهذه الجهود، كما تقول، “أن تخلق ثقافة التبعية، وتزيد من الفساد، وتخلق اختلالات في التوازن بين القوات المسلحة والحكومات المدنية الضعيفة في كثير من الأحيان. بل ذهبت حد اعتبار أنه “في البلدان حيث لا يوجد سيطرة مدنية كافية على الجيش، هذا خطر خاص!”.

فعلا فالمنطقة بأسرها، وهي التي كانت خالية نسبيا من التهديدات الإرهابية العابرة للحدود عام 2001، أضحت تواجه الآن مجموعة من الجماعات المسلّحة. وهي تشمل، وفقا للمركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية التابع لوزارة الدفاع، الفرع المحلي لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والمرابطون، وأنصار الدين، وجبهة تحرير ماسينا، التي تعمل الآن تحت عباءة جماعة “نصرة الإسلام”، و “حركة الوحدة” و “الجهاد” في غرب أفريقيا، و “أنصار الإسلام”، و “الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا” وغيرها ممن تفرّخ كالفطر السام.

إن ظهور وتنامي هذه الحركات والتنظيمات المسلّحة وتزامنه مع مجيء فرق العمليات الخاصة الأمريكية يطرح أكثر من سؤال عن الغايات الحقيقية والجدوى من هذه الحرب المستدامة وما يحاك لأفريقيا مجددا!! فهل يصحو الأفارقة وينتبهون للأخطبوط العسكري والأمني والإستخباري الأمريكي، قبل فوات الأوان؟؟

 *باحث في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، جامعة باريس.

  2017-11-05