جيل التسعينيات مرّ بأنشودة «طيور النورس» الطريفة على خشبة «المدينة»
عوض عوض: المسرحية تحكي السفر والحبّ والحرب والزمن الجميل

رنا صادق

اعتدنا تراجيديا الحرب، عندما يكون البطل من جيل الثمانينات أو التسعينات، هو هدف الأداء الفنّي. اعتدنا الحزن والمعاناة في تجسيد تاريخ هؤلاء. مللنا العتاب على الزمن بسبب ما حلّ بنا منذ وُلدنا. اكتفينا بالفنون المعبّرة عن الألم بإطار حزين، مؤلم، محفوف بالجراح.

مجموعة شبّان وشابّات، قدّموا عرضاً مسرحياً بعنوان «طيور النورس»، على خشبة مسرح المدينة في الحمرا. جسّدوا روح حكاية جيل التسعينات ضمن إطار فنّي غنائيّ مؤثّر. تفاعل هؤلاء مع الجمهور بصخب وجرأة، ببضع كلمات، واقتباسات من الدعايات التي جايلت هذا الجيل.

جسّدت المسرحية حلم الشباب بالسفر، الهروب والابتعاد عن الوطن، وعرضت تباعاً المذلّة والإرهاق اللذين يعاني منهما المغترب حين يبتعد عن أرضه. وكيف يحنّ إلى تراب وطنه، لأهله وناسه، لشوارعه وبيوته، لأكله ومشاربه، كل هذه الاختلاطات ظهرت في «طيور النورس» بطرافة وواقعية ساحرة.

أدّى الممثلون الشباب أدوارهم كأنهم سكنوا في عقولنا، عايشوا ما عايشنا، عانوا ما عانينا. فرحوا حين انتصرت المقاومة على الجيش «الإسرائيلي» في 2006، وحزنوا حين هُجّر أبناء حلب منها. عانوا النزوح، ويل الهجرة، جوع الحنين وألَم الغربة. هي باختصار، عمل مسرحيّ يستحق من جيله الاهتمام، والمتابعة.

وفي حديث أدلى به إلى «البناء» مخرج المسرحية الشاب عوض عوض، أشار إلى أنّ أهمية مسرحية «طيور النورس» أنها كُتبت ونفّذت خلال ستّة عشر يوم عمل فقط. وقد عُرضت خلال افتتاح «مهرجان مشكا»» للمرّة الأولى على خشبة مسرح المدينة. وسرّ هذه المسرحية أنها كُتبت من قبل الممثلّين الذين يؤدّون شخصياتها، الشباب والشابات الـ12، حيث كانت ورشة العمل عبارة عن مناقشة في القضايا التي تعني هذا الجيل ـ الجيل الذي ولد في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ـ إضافةً إلى دراسة مكثّفة حول الأفكار وتقديمها ضمن حلقة غنائية راقصة معبّرة بعيدة عن رتابة الأداء الكلاسيكي.

ويضيف عوض: توصّلنا إلى عدّة نتائج تخصّ هذا الجيل منها: فقدان الطفولة قبل أوانها، المجتمع سيّر هذا الجيل وقولبه بطريقة تحدّد الممنوع والمرغوب، الحلال والحرام، السويّ والشاذّ، كل هذه المعايير ربطت جيلَي الثمانين والتسعين بقيود يصعب فكّها. لذا حلم هذا الجيل هو الرحيل، السفر والابتعاد. هو حلم مشترك لدى هذا الجيل، كأن في الرحيل السلام والأمان، وفي الابتعاد الراحة والعيش الكريم. لكن هذا الجيل يُبرز بوضوح في المسرحية تعلّقه، حبّه، لا بل إدمانه على أرض الوطن، تجذّره فيها، وتعلّق ياقاته بضواحي الوطن، وسهراته، وعاداته وتقاليده.

وأضاف: «طيور النورس» تحكي السفر، الحبّ، الحرب، موسم الدعايات العالقة في ذهوننا من الزمن الجميل، الجيل الجميل البريء، قبل انتشار الهاتف وسيطرة العولمة على ثلاثة أرباع المجتمع، حين كان الناس يحبّون بعضهم، حين كان الناس يتواصلون بـ«المسج» و«المسنجر».

ويشير عوض أن المسرحية جاءت تعبيراً واحداً عن حالة جيل المجتمع العربي ككلّ، لأنها عبارة عن تشارك ومزيج من الأفكار لدى الممثلين من لبنان، سورية وفلسطين وليبيا والأردن وغيرها. طغى الطابع اللبناني لأنّ أكثر المشاركين في المسرحية من الجنسية اللبنانية، لكن المسرحية خاطبت المجتمعات العربية كافّة التي شهدت الحرب. وعانت أجيالها ظلماً وفقراً، معاناة، تشرّداً، وشرذمةً بسبب الحرب.

وردّاً على سؤال حول إمكانية عرض المسرحية على مسارح المدارس والجامعات لأنها تحاكي هذا الجيل الحالي، قال: نحن ندعو طلاب المدارس والجامعات دائماً، لكنّنا لا نلقى تجاوباً دائماً وفاعلاً في التوجّه نحو الفنّ المسرحي من قبل الطلاب. وأنا شخصياً لا أطرق باب أحد ليشاهد مسرحياتي، من أراد رؤيتها جاء بملء إرادته من دون طلب، فالعرض الجميل والقصة المشوّقة لا يحتاجان إلى الدعايات، بل يجذبان محبّي الفنون تلقائياً.

وختم عوض قائلاً: لو أننا كشباب ممثّلين، سينوغرافيين ومخرجين مسرحيين نُعطى مساحة واسعة وظروفاً جيدة، لأصبح العمل أوسع وأشمل. ومن خلال مهرجان «مشكال» تمكّنا من التعبير عن طاقتنا وأفكارنا ودواخلنا من خلال هذه المسرحية الغنائية. و«طيور النورس» هي الأولى التي تحكي عن جيل الحرب من زاوية كوميدية خلّابة.

2017-11-01