على الرغم من الفقر الفكري للرواية العراقية على المستوى الفني/التقني و الثيمي/الإجرائي

الروائي أحمد خلف :
تمكن الروائي العراقي من تحقيق اهم متطلبات الاعتراف في المحافل العربية والدولية .

حاورة : يوسف محسن

قال الروائي احمد خلف : ان الرواية العراقية تمكنت من فرض صوتها الخاص في الاوساط الادبية العربية ويعود هذا الى توفر امكانية الحرية في السرد والدخول على مواضيع متعددة ثم دخل عنصر التحفيز المادي الا وهو الجوائز العربية وهي ثمينة حقا ووجد الروائي العراقي نفسه جديرا بالفوز باحدى تلك الجوائز المهمة ،واضاف في حوار مع جريدة بين نهرين ننشر جزء منه : ان الرواية العراقية تخطت مرحلة الطفولة الى النضج التام. اصدر الروائي احمد خلف مجموعته القصصية الاولى نزهة في شوارع مهجورة العام 1974 ، تلتها منزل العرائس 1986 ، خريف البلدة 1993 ، تيمور الحزين 2002 ، ورواية الخراب الجميل 1980، وفي العام 2001، صدرت له مجموعة مختارة من قصصه بعنوان مطر في آخر الليل وفي العام 2002 صدرت روايته موت الأب، ورواية حامل الهوى 2005، ورواية بعنوان محنة فينوس في العام 2008، ورواية الحلم العظيم 2009. وفي 2014 صدرت روايته تسارع الخطى ثم اصدر مجموعة قصص في 2015 بعنوان / عصا الجنون .. كما صدر له اخيرا كتاب عام في الادب والرؤيا ومقالات عن القصة والرواية بعنوان : الجمال في مدياته المتعددة

ملحمة البرجوازية
 من المعروف أن الرواية وبحسب لوكاتش ملحمة البرجوازية، حيث ظهر هذا الجنس الأدبي بصورة متزامنة مع الثورة الصناعية وصعود تلك الطبقة ﻋﻠﻰ ﻤﺴﺭﺡ ﺍﻟﺘﺎﺭﻴﺦ ﻓﻲ اﻋﻘﺎﺏ ﺍﻟﻨﻬﻀﺔ الاﻭﺭﺒﻴﺔ , ﺍﻟﺘﻲ ﺠﻌﻠﺕ ﻤﻨﻬﺎ ﺍﻟﻁﺒﻘﺔ ﺍﻟﺴﺎﺌﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ الاﻭﺭﺒﻴﺔ , في حين اعدها هيغل شكلاً فنياً بديلاً عن الملحمة في إطار التطور البرجوازي، وانها تنطوي على خصائص جماليّة ، الم ترَ معي انه لا رواية حقيقية في غياب المجتمع البرجوازي في العالم العربي بشكل عام والمجتمع العراقي بشكل خاص ؟
– اكيد يترتب على ذلك وجود وعي طبقي يعي معنى رواية , ثم ماهي الرواية الحقيقية ( على حد تعبيرك ) وما هو شكلها ومهامها أتلجأ الى الترفيه هذه الرواية الحقيقية ؟ أم الى طرح المزيد من الجدية والتعمق في مشكلات المجتمع ؟ ثم ماهي المهمات الضرورية التي تناط بالروائي لكي يقدم لنا رواية حقيقية تتجاوز الفهم البرجوازي للرواية , وتتصدى لمعضلات اجتماعية تبدو معقدة كما فعلت رواية مدام بوفاري لفلوبير ورواية الاحمر والاسود لستاندال على سبيل المثال , وذكر هاتين الروايتين , ليس اعتباطا انما كنموذجين للرواية الجادة التي تتصدى لقضايا تضج بها اعراف المجتمع , أرى ان مهمة الرواية والحديثة تحديدا تتسع بحيث تشمل كل الطبقات ولا يرتبط تطورها بحركة المجتمع بصورة آلية ، اين نضع وجود رواية دون كيشوت التي صدرت وتعرض موضوعها الى طبقة الفرسان والسخرية من حياتهم ؟ ولكن لا نغمط حق الثورة الصناعية في ايجاد طبقة او فئة متنورة راحت تبحث عن وسائل ترفيه واستنارة , فكانت الرواية سليلة الملحمة , خير إضاءة لهذه الفئة التي تطورت وسائل انتاجها وابداعها .

انتقال الاجناس الروائية
 لم تجرِ حتى الآن عملية تتبع انتقال جنس ادبي ( الرواية ) والتي هي انتاج المجتمعات الصناعية الاوربية الى مجتمعات ما قبل التاريخ الصناعي المجتمعات العربية ؟ كيف جرت تلك العملية ؟ ماهي الشرعية الثقافية للظاهرة الروائية في العراق ؟
– اولا دعني اتجاوز توصيفك للمجتمع العربي بكونه من مجتمعات ما قبل التاريخ فهذه المشهدية المجحفة التي قدمتها عن مجتمع له خصائص تختلف عن اوربا كمجتمع لا يقل تراجعا عن مجتمعات شرقية وسأذكرك ان الرواية الاوربية بدأت بالرواية الرعوية , أي انها نقلت صورة مجتمع لم يكن متقدما على شعوبنا الشرقية والعربية منها تحديدا , طيب دعني اذهب الى ما يهمني من سؤالك : لا شك ان للطلبة والدارسين العرب والعراقيين منهم اثر بالغ في نقل السمات الرئيسية في الحضارة الغربية ولا نهمل الدور الذي لعبته ارساليات التبشير الى الشرق والعراق ايضا بنقل البذور الاولى للمدنية الغربية ومعظم ذلك بدأ في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ولعل رواية زينب في مصر وصدور رواية جلال خالد في العراق خير دليل على تغذية الطلبة العرب مجتمعاتهم بالأصول المعرفية والجمالية التي اكتسبوها من رحلاتهم , وما كتبه طه حسين وتوفيق الحكيم والطهطاوي والشاعر البصير عن باريس مثال ساطع على انتقال الثقافة الغربية الى البلاد العربية عبر وسائل متعددة , لا يمكن حصرها في جانب دون اخر ولعل للحربين العالميتين اثر بالغ الأهمية في عبور الثقافة الغربية ومدنيتها عبر الطائرة والباخرة والقطار , الثقافة ايضا لها وسائل انتقال معروفة , لعل نمو حركة الترجمة من ابرز تلك الوسائل .

التجديد والتجرب في العراق
 في منتصف الستينيات من القرن الماضي وبعد انكسار الحلم اليساري وتمزق الرؤيا السياسية فضلا عن الترجمة عن الأدب العالمي الفرنسية ظهر انماط من التمرد والعبث الوجودي والسريالية والدادائية واتجاهات فلسفية في العراق تدعو إلى الإعلاء من شأن الفرد مقابل قيمة الجماعة . هل شكلت تلك اللحظة انطلاق التجديد والتجرب في العراق ؟
– لعب الوضع السياسي المتردي بعد عام 1963دورا مؤثرا في تراجع وتيرة الاهتمام بمصائر الناس ودخلت الروح العراقية للمثقفين العراقيين في انبوبة اختبار قاسية لعل اليأس من ابرز علاماتها وارح المثقف المندحر سياسيا يبحث عن ملاذ يستظل به من عذاب ومعاناة بدت فوق طاقته , لهذا وجد في الفلسفات ذات الطابع الفرداني والشخصاني خير حيز للتعبير عن تلك المعاناة التي لم يعينه احد على تحملها , وينبغي ان نتذكر ان الحكومات التي جاءت بعد انقلاب 1963كانت حكومات منشغلة بترتيب مصلحتها النفعية من الحكم وهي على العموم حكومات رجعية وذات تفكير مادي رغم ان وضعها السياسي كان هزيلا الا انها تركت المثقف يدير حاله كما تجري الرياح ولم تتدخل تلك الحكومات بالشأن الثقافي قط , ولا ننكر ان بيروت والقاهرة كانتا تضخان السوق العراقية بالمزيد من الكتب والفلسفات الجديدة التي لم يسمع ولم يعرفها المثقف العراقي الذي كان الهم الوطني شاغله , حطت الوجودية في ربوع هذا المثقف , وجودية سارتر والبير كامو وسيمون وساغان وعيرهم كثيرون من فلاسفة ومفكرين ولعبت عموم الثقافة الفرنسية دورا خطيرا بإعطاء الفرد وحريته ووجوده اهمية مثلى على حساب قيم الجماعة ذات الطابع الأيجابي , عندها برزت اسماء كتاب مسرح ورواية وشعر اغلبهم فرنسيون يمتازون بالحداثة والعناية بمنهج التجريب والدخول على مناطق حيوية كالجنس والدين وكذلك طرق واساليب مختبرية لم يألفها عقل المثقف العراقي من قبل .

تاريخ العذاب
 في اعمالك الروائية ( نداء قديم . موت الأب . الخراب الجميل . بوابة بغداد . محنة فينوس . تسارع الخطى ….. اتساءل هل يعد الروائي شاهد عصره ؟ كيف استطعت اعادة كتابة تاريخ العذاب العراقي سرديا ؟

– تعود عبارة شاهد عصره الى الأدبيات الوجودية حيث اشيع العديد من المصطلحات التي تلزم الكاتب بقضايا مصيرية بالنسبة لوطنه او عموم العالم ولقد اخذنا بها في مرحلة الستينيات كجزء من سلوك اممي , اليوم حيث تغير الكثير من المفاهيم ذات الطابع الأنساني , لكنها تحدد مسؤولية الكاتب بهموم شعبه اولا , لقد عشت وسط طبقات مسحوقة وولدت في عائلة يحاول رب الاسرة ( ابي ) ان يصل في عيشنا حد الكفاف , لهذا فتحت عيني على عذابات شعب تصاب فيه الطبقة الحاكمة بالتخمة بينما بقية الناس يتضورون جوعا , من هذا ركزت في معاناتي وتفكيري ومواقفي , التي انعكست على ما كتبته من قصص وروايات , ووسط هذا المجتمع الكادح والفقير انجذبت الى معاناة المثقف المنحدر من الطبقات الفقيرة الذي تبدو معاناته مضاعفة وكلما ازداد وعيه تعاظمت معاناته , لهذا تجد معظم قصصي ورواياتي تتناول ازمة المثقف ولعل روايتي ( الحلم العظيم وتسارع الخطى ) اكثر رواياتي تركيزا على معاناة المثقف العراقي مع ان باكورة اعمالي ـــ الخراب الجميل ــــ كانت اول رواية من رواياتي تتناول ازمة مثقفين عراقيين يعملون في الصحافة اليومية , الا ان شخصية المثقف تمنح الروائي فرصة وحرية التلاعب بطبقات الرواية ومفرداتها ومناحيها المتعددة واللغة في الرواية التي موضوعها المثقف تكون جاهزة للمران والحرية اكثر مما لو كانت تتناول شخصية سوية ومن عامة الناس , شخصية المثقف اشكالوية بحكم تصديها للمشكلات الاجتماعية والاخلاقية وهي ذات ابعاد نفسية واجتماعية متعددة , واخير هي بالنسبة للروائي شخصية مانحة للجمال وليست طاردة له .

الخراب الجميل
 منذ روايتك (الخراب الجميل) ورواية (تسارع الخُطى) و(موت الأب ) تركز على تمثلات المثقفين والعلاقات القهرية التي تتعرض لها هذه الفئة الاجتماعية من السلطة السياسية؟
– اعتقد ان اكثر فئات شعبنا تعيش حالات القهر والعوز هم الاطفال والمثقفون , الاطفال بسبب ضعف ذات اليد بالنسبة لعائلته , فالطبقة الفقيرة هي اكبر الطبقات واوسعها , لهذا ترى ابناء الفقراء يملأون الطرقات باصطناع العديد من المهن البسيطة والتي لا تدر عليهم ما يسد الرمق اما المثقفون فمعظمهم ابناء فقراء وعلى حالة من تماس مع الفقر والجوع والمرض وعلينا ان نعلم ما لحالة التماس من تأثير في وجدان المثقف , لهذا ركزت جل كتاباتي على عذابات المثقف وعلى نتائج نضاله كما هو الحال في روايتي ( الحلم العظيم ) حيث يعمل ابطالها على اسقاط السلطة السياسية وفرض سلطة الجماهير منطلقين من اهوار الناصرية , وتجسد ذلك في رواية : الخراب الجميل وكذلك موت الاب وتيمور الحزين وغيرها .. ان الخوف ليس من المثقف الاشكالوي الذي قد ينعزل في لحظة غير معلنة بل الخوف من مثقفي السلطة ( أي سلطة كانت وفي أي بلد وأي زمن ) هؤلاء هم ادلّاء السلطة على زملائهم المغايرين لهم في التفكير والرؤيا , لهذا تبطش السلطة بالمثقف الذي يرفض الانصياع لطروحاتها السياسية والثقافية , وترى الناقدة فاطمة المحسن ان موت الاب رواية المثقف العراقي التنبئية بموت السلطة , وعلى ذكر موت الاب اعتقد ان هذا الرواية لم تُقرأ ولم تُدرس كما كنت اعتقد لها ذلك , فقد طرحت هذه الرواية ازمة المثقف مع السلطة ( الأبوية ) الباغية والماكرة ولا تقل رواية تسارع الخطى طرحا لأزمة المثقف العراقي الذي يمضي مشوار العمر حالما بتحقيق احلامه التي قد لا تفهمها السلطة السياسية ولا يستسيغها مثقف تلك السلطة , وعبد الله نموذج للكاتب المسرحي والممثل الذي يمضي العمر يحلم بالقيام بدور هاملت على المسرح الوطني في بغداد ولكن لا يجد اذنا صاغية لحلمه بعيد المنال .

بغداد المدينة الكونية
 كروائي ماذا تعني لك بغداد ؟ وهل شكلت لكم بغداد احدى الثيمات الاساسية في اعمالكم الروائية ؟
– روايتي الخراب الجميل الصادرة عام 1980في بغداد تدور مجريات احداثها وافعال ابطالها في شوارع وحارات واماكن بغدادية يمكن معرفتها بيسر حال القراءة الاوالى للرواية , ولكن كيف لنا ان ننسى مجموعتي البكر ( نزهة في شوارع مهجورة ) معظم قصصها ولدت لحظة قصها في مقاهي بغداد وبيوتاتها ويمكن لك ان تشخص الشارع الذي تدور فية قصة نزهة في شوارع مهجورة / القصة التي تحمل عنوان المجموعة , انه الشارع الممتد من البتاويين الى ساحة الباب الشرقي تماما , ولدي رواية عنوانها ( بوابة بغداد تدور كل صفحاتها في بغداد التي لم اتركها الا لماما لأنني لا استطع العيش بأي مدينة اخرى , كانت المدينة التاريخية هي نحن / المدينة العريقة التي تشكلنا فيها هي كينونتنا التي من العسير التخلي عنها … اذا اردت القيام بدراسة المدن والتعرف على جوهرها عليك بقراءة روايات كتابها الذين عاشوا فيها ولم تحصل لهم فترة انقطاع طويلة معها , خصوصا في طفولة الكاتب وفتوته , وارى هذا الذي اقوله الان ينطبق علىّ وعلى قصصي ورواياتي وعلاقتهما ببغداد التي احبها كمجنون ليلى , حب دون مقابل .

السرديات الشفاهية
 التاريخ والحكايات الشعبية والسرديات الشفاهية تعد نصوصا سردية مفتوحة ، يمكن للروائي استخدامها كمرجعيات في الاعمال الروائية ، كيف استثمر الروائي احمد خلف تلك المواد الخام ؟ كيف جرت عملية التوظيف ؟ واتساءل عن آليات التحويل والتعديل التي تطال تلك النصوص الخام ؟
– منذ تعرفي ومطالعتي وحصولي على السفر العربي الخالد الف ليلة وليلة في مطلع الستينيات من القرن الماضي , تهيأت لي فرصة مناسبة للتوغل في الحكايات الشعبية وسير العظماء وقصص التاريخ وكذلك الخرافة وكل ما يجعل النص غنيا برموزه وتعدد طبقات قراءته وصادف ان درست علم التاريخ اكاديميا , ادركت اهمية الاستفادة من التاريخ وما يحتوية من قصص وحكايات موغلة بالعجائبية والادهاش غير اني ادركت خطورة تغليب المادة المستعارة من الادب الشفاهي او من الحكايات الشعبية المدونة , ينبغي ان تذوب المادة او الحكاية في روح النص بحيث لا يفقد خصائصه الاسلوبية او ينعزل عن حركة تطور النصوص اي ينبغي الا نقرأ نصا ينتمي الى التاريخ اكثر من المعاصرة , لقد تورط بعض الروائيين العراقيين والعرب ايضا في الخضوع الى مناخ الحكاية التاريخية اكثر مما ينبغي فخرجت نصوصهم عبارة عن رواية تاريخية وليست رواية تستفيد من التاريخ , وسوف احيلك الى روايتي القصيرة ( تيمور الحزين وقصتي لعبة شطرنج التي اطرى عليها الراحل د. علي جواد الطاهر )

تعطيل بيئة الرواية الفنية
 ما هو تأثير السرديات الشفاهية، وأدب السير والحكايات الاساطير المحلية، الاغاني، الحكايات الخرافية، المعتقدات الشعبية والمراثي، و قصص الأنبياء، وقصص السيرة الشعبية، و الحكاية/الحدوتة على تعطيل بيئة للرواية الفنية في العراق ؟
– تلعب الحكايات والاساطير دورا مؤثرا في تطور حركة السرديات الحديثة , باعتبارها رموزا تاريخية وتحمل دلالات تشكل جملة من المعاني , التي تعمق احساس المتلقي بكثافة الزمن , ولا تعيق الاساطير والحكايات الشعبية والخرافات التطور الفني المفترض للنصوص الروائية كما انزلق السؤال الى اعتبار المرموزات الشعبية عائقا في التطور الفني والجمالي , العائق قد يكون في السارد الذي هو المؤلف الذي قد لا يحسن استثمار تلك المرموزات فيخضع نصه لها ولقانونها الصارم , لكن الفنان الذي يدرك ان رواية متطورة كاسم الوردة للايطالي امبرتو ايكو تستند الى جملة من الحكايات المتشظية والتي اخضعها المؤلف الى نهج التفكيك بحيث وجدنا المعرفة تدافع عن نفسها امام سلطة بوليسية , من عالم محاكم التفتيش وقد اشار امبرتو ايكو الى الخيط البوليسي في الرواية , ولم يكن تاريخ محاكم التفتيش عائقا امام اسم الوردة , وهي احدى اهم الروايات المعاصرة , والسبب يعود لمقدرة المؤلف على استثمار حكايات التاريخ الايطالي والاوربي .

ضخامة الانتاج الروائي
 الانتاج الروائي ما بعد العام 2003 وصل الى ارقام متداولة في الوسط الثقافي 400-500 رواية ، المشكلة هنا ليس هذا الكم من الاعمال الروائية وانما يفتقد الى متابع ناقد يقدم لنا كشفا او تقييما وتصنيفا او حتى تبويبا عن هذا الانتاج القصصي والروائي ؟
– أنا لا يشغلني المتابع بقدر ما تهمني نتائج هذه الارقام الفلكية , المتابع الادبي ظل ومنذ الازل مقصرا في رصده للحركة الثقافية والقصة والرواية اكثر الفنون السردية والجمالية اهمالا , قلة من المتابعين والنقاد من وضع يده على رواية جديدة وبشر بها والتزم الدفاع عنها امام سيل ما يكتب ويقرأ من نصوص سردية متدفقة , ما اعنيه بالنتائج اخطر وأهم , هل تعلم اني انتظر بفارغ الصبر ان يرتفع رقم ما انتج ونشر من روايات من 500 رواية كما ذكرت الى 1000نعم الف رواية واعتقد انه رقم متواضع اذا وضعناه في حالة مقارنة مع ما عاناه العراقيون وما عاشوه من ويلات سياسية واجتماعية واخلاقية ومادية وانهيار قيم السياسة وتحول الانسان السياسي الى كائن غير موثوق به , اقول كيف يمكن لهذا الأنهيار ان يسجل ويحفظ أليس هذا الذي ذكرته من معاناة وتمزق ولصوصية وتراجع قيم اجتماعية , ترى كيف لنا ان نسجل كل ما مضى وجرى على البلد والناس فيه ؟ إن الف كتاب روائي يصبح الرقم متواضعا امام ما عاناه شعب تتحين به الدول القريبة والبعيدة الفرص للانقضاض على البقية الباقية من حياته ومشاريعه وآماله اذا أبقوا له من آمال , ولا ننسى اهمال ابنائه لمقدراته ومصيره .. لهذا اكرر النتائج هو ما يشغل تفكيري ليس لدينا قاعدة مؤرخين تستطيع ان تؤرخ للذي جرى وحصل امام اعيننا , الف رواية اذا تناول كل روائي جانبا من واقع ما جرى اعتقد سيكون امام الاجيال القادمة فرصة دراسة تلك النصوص واستثمارها اي اننا بهذه الروايات الالف قدمنا مادة جاهزة للعمل , وربما سيتمكن روائيو المستقبل من تحقيق حلمنا المفقود في دخول الرواية العراقية رفوف الرواية العالمية عن جدارة خصوصا واننا تركنا ( روائي المستقبل ) بين يديه مادة خام اي الف رواية جاهزة للفحص والتحليل والتأويل , ناهيك ان هذا الرقم الفلكي اذا تمكن الناقد الادبي من افراز عشرين رواية ممتازة من الالف رواية اعتقد نكون نحن الرابحين دون شك .

التباسات الرواية الفنية
 كتابة تاريخ الجنس الذي يسمى (الرواية العراقية) ومن زوايا متعددة، تاريخية وفنية وسياسية، يثير الكثير من الالتباسات من هي الرواية الفنية الأولى في العراق، جلال خالد لمحمود أحمد السيد، مجنونان لعبد الحق فاضل ،الدكتور إبراهيم لذنون أيوب ام النخلة والجيران للروائي غائب طعمة فرمان؟
– بداية عليك ان تحدد لنا معنى الرواية الفنية في العراق ومادمت انت قد تركت الباب مفتوحا لاحتمالات المعنى , اذاً لا مفر من اضاءة بسيطة للفنية التي تقصدها , لقد ظلت القصة والرواية العراقية في مراحل الثلاثينيات والاربعينيات والخمسينيات ايضا تعاني من حالة ضمور جمالي ولم تسجل اي قفزة نوعية الا برواية (خمسة اصوات)لغائب طعمة فرمان , التي جاءت بتعدد الاصوات في الرواية كما انها تناولت ازمة المثقف العراقي الذي لم تتناوله الا بعض القصص وعلى استحياء , في ذلك الوقت اعتبرت رواية خمسة اصوات فتحا في السردية العراقية الا ان النقد اليساري ظل يراوح عند النخلة والجيران خشية ان يتهم بالتقصير تجاه النهج او النظرية المادية التاريخية على اعتبار ان النخلة والجيران تطرح هموم الفقراء والجياع او ما يمكن ان نطلق عليه مجتمع المحلة الشعبية البغدادية , غير ان الأمر لم يعد يشغل الكثير من النقاد رغم صدور روايات متميزة بجديتها وجديدها وبعض هذه الروايات سجلت قفزة نوعية من حيث تبني النهج الحداثوي الا ان النقاد العراقيين مازالوا يصرون على النخلة والجيران متناسين حداثوية الرواية الجديدة , وقد اصبحت المكتبة الروائية العراقية غنية بالعديد من هذه النماذج المتسيدة والمتصدرة قائمة الرواية الحديثة .

تقليد واستعارات من التجارب العالمية
 الرواية العراقية متوقفة عند غائب طعمة فرمان ومابعده لا توجد اي محاولات في التحديث بل يمكن القول إن الرواية هي جنس لا يستطيع العيش في العراق حيث تقوم الاعمال الروائية الان على التقليد والتبعية والنسخ والاستعارة للتجارب الروائية العالمية ؟
– الطريف في الأمر يا صديقي انك تسأل وتجيب على سؤالك , كيف ومن افتى بتوقف الرواية العراقية عند غائب ؟؟؟ ومن تجرأ على تاريخ الجنس الادبي ليدّعي ان الرواية في العراق تقوم على التقليد والتبعية والنسخ والاستعارة ؟؟ أي كلام ينطوي لا على مسؤولية في الاستقراء والمتابعة الحصيفة الكيّسة ؟؟؟ اعتقد ان أي ناقد في العالم العربي لا يتجرأ على قول ذلك وهو يرى الرواية العراقية تفوز بأهم الجوائز العربية بل العالمية ( سواء كان الروائي العراقي او الروائية العراقية يعيشان في الخارج أم في الداخل ) وتقتحم اهم المنتديات والمجالس العربية , بل انها حققت طفرة نوعية على يد المثابرين من كتابها وصناعها , دعني اقول لك ان اي ناقد لبناني او مغربي او مصري او حتى تونسي لا يتورط بطرح رأي متسرع على رواية بلده , لقد تعرضت الرواية العراقية الى ابرز مشكلات الوضع السياسي والاجتماعي والاخلاقي في البلد سواء قبل التغيير أم بعده , ولدينا حصيلة من الروايات والروائيين الذين تجاوزوا غائب طعمة فرمان ورواياته ولعل من الضروري ان اذكر لك بعض هذه الروايات كالرجع البعيد والمسرات والأوجاع لفؤاد التكرلي والقلعة الخامسة والاسلاف لفاضل العزاوي والوشم والوكر لعبد الرحمن الربيعي وكراسة كانون لمحمد خضير وحارس التبغ والكافرة لعلي بدر واحمر حانة لحميد الربيعي والنساء الوحيدات للطفية الدليمي وموت الأب والحلم العظيم لصاحب هذه السطور والحلوة لوارد بدر السالم وفاليوم 10/ لخضير فليح الزيدي وبوهيميا الخراب لصلاح صلاح والحفيدة الامريكية وطشاري لأنعام كج جي وجائزة التوأم لميسلون هادي والقائمة تطول وبعض النصوص لا تحضرني وارجو من زملائي المعذرة لعدم ذكر بعض رواياتهم المتميزة , لقد تمكن الروائي العراقي( ومعه الروائية العراقية ) من تحقيق اهم متطلبات الاعتراف بها في المحافل العربية والدولية ولا توجد حلقة دراسية تعقد في الوطن العربي الا وكان للرواية العراقية حصة بارزة في تلك الندوة او المؤتمر او الحلقة الدراسية .. ولم يقل احد (على حد علمي) ما طرحه السؤال .

عقم ثقافي وهشاشة
 الم ترَ معي ان الحديث عن رواية عراقية هو حديث يقودنا إلى هشاشة التفكير الثقافي وعقم الابداع والكثير من الاورام المتليفة؟
– كيف يحدث هذا ؟؟؟ كيف يقودنا الحديث عن الرواية العراقية الى الأورام المتليفة ؟؟؟ وهل الرواية العراقية دليل عقم ثقافي ؟؟؟ وكيف يفوتنا هذا ولا نعرف ؟ اليس عمر الرواية العراقية اكثر من مئة عام ؟ واذا كنا نؤمن بتطور الاشياء تاريخيا وحسب ما نؤمن به من معرفة علمية , كيف لهذا العنصر الثقافي الا يتطور ؟ لقد اغلق سؤالك علي الباب لكي الج من اوسع المنافذ الى جنس ادبي منحناه احلى سنوات العمر , الا وهو الرواية العراقية , لقد تورط عدد من نقاد القصة والرواية في العراق من جيل ستينيات القرن الماضي وبسبب دراستهم الاكاديمية في الخارج بعقدة الخواجة , والانبهار بانجازات الآخر دون حفظ التوازن المطلوب , وراحوا ينظرون الى الرواية العراقية من مرتفع جعلها تتضاءل امام ابصارهم وفقدوا تميز الالوان .. لقد كتبت في احدى المرات : ان ماتحتاجه الرواية العراقية هوان تدرس من قبل النقاد العرب والا ينظروا اليها من خلال الحساسيات المرضية التي ابتلى بها رهط من الادباء العراقيين ولا يقيموها عبرالثنائيات الاثنية التي شاعت اليوم بين الكتاب في العراق , بل على الناقد العربي اذا ما اراد ان يخرج بنتائج شخصية منسجمة مع تصوره النقدي عن الرواية العراقية الحديثة , هو التوجه اليها موضوعياً وعلى كتابها من الروائيين ان يحسنوا الدفاع عنها بكل الوسائل المتاحة لهم .

رواية فقيرة فكريا
 منذ بداياتها الأولى والرواية العراقية، في الأغلب الأعم من حالاتها، رواية فقيرة على المستوى الفني/التقني , كما على المستوى الثيمي/الإجرائي، هل تتفق مع هذا الراي؟
– انا على ثقة تامة ومن خلال متابعتي التي لا يشك بها احد من مثقفي هذا البلد , متابعتي لتطور الرواية العراقية , ان احدا لم يتورط بطرح رأي مجحف كهذا الذي يطرحه السؤال , لاحظ تعدد مواطن الضعف التي يعددها السؤال والقول انها رواية فقيرة هذا وحده بحاجة الى مراجعة وتدقيق في ماهية السؤال او الاتهام , الرواية العراقية بدأت مع الرعيل الاول : محمود احمد السيد وذنون ايوب وعبد المجيد لطفي وعبد الحق فاضل صاحب ( مجنونان ) ثم جاء دور غائب طعمة فرمان ( خمسة اصوات والنخلة والجيران ) وفؤاد التكرلي ( الرجع البعيد والمسرات والأوجاع ) ثم المرحلة الستينية فاضل العزاوي ( القلعة الخامسة والاسلاف ) وعبد الرحمن الربيعي ( الوشم والوكر ) وخضير عبد الأمير ( ليس ثمة امل لكلكامش ) وغازي العبادي ( مايتركه الاحفاد للاجداد ) واليوم ترفل بالمزيد من الاسماء المهمة والمؤثرة .. اين يكمن الفقر ؟ في السارد ام بالمسرود ؟ ثم الآن اذ اقبلت الرواية العراقية على مرحلة المنافسة مع الرواية العربية على مستويات النص كافة , وحازت على جوائز ظل الروائي العربي يحلم بالحصول عليها , كل هذا الا يدحض وجهة نظر قاسية ازاء الرواية العراقية ؟ بالطبع لن اتفق مع الرأي المطروح في السؤال قط .

التكاثر العشوائي
 في العراق بالذات هناك هوس جماعي لكتابة الرواية تحت هاجس الجوائز الادبية (الرواية العراقية لم تظهر بهذا الكم إلا بعد تأسيس جائزة البوكر بنسختها العربية) هذا التكاثر العشوائي للرواية نتيجة استسهال النشر والتوزيع على الرغم من غياب الكثير من العناصر والمقومات؟
– اجد صعوبة بالغة في اعتبار الشغف والرغبة في كتابة الرواية مجرد هوس , الاندفاع نحو كتابة رواية عراقية تطرح هموما عراقية له دوافع شتى ليس الرغبة في الفوز بالجائزة الا واحد من اسبابها المتأخرة , انا اضع تخلص الانسان العراقي من عقدة الخوف وامكانية البوح وكشف الكثير من المسكوت عنه وان يقتحم اي منطقة كانت في يوم ما مغلقة بل يشوبها الخوف والحذر من دخولها , احد اهم اسباب انطلاق الرواية العراقية , اما انطلاق الجوائز العربية كالبوكر يمكن ان يعتبر محفزا تنافسيا ليس اكثر من ذلك , ولا يمكن لكاتب ان يتخذ جلسته وراء منضدة الكتابة ويشرع بكتابة رواية لكي يفوز بجائزة لا احد يعرف مصيرها ولمن ستكون ؟

فقدان الهوية المحلية
 هل تمكنت الرواية العراقية بعد العام 2003 أنْ تصطنع لها هوية محلية ضمن السياقات السوسيولوجية والثقافية ؟
– نعم , اذا ما القينا نظرة موضوعية متريثة وليست على عجالة او تكون نظرة مسبقة منحازة في الضد من منجز الرواية العراقية الحديثة , سوف نقر حقا باكتسابها هويتها المحلية اي انها استطاعت احتواء المكان والزمان واعتمدت بناء الشخصية الروائية المتجانسة نفسيا وعقليا ولا اعني بذلك انها طرحت الانسان السوي الخالي من اي اشكالية حياتيه بل اعني به الانسان او الشخصية الممتلئة بالروح الحية , واما بالنسبة للمكان دليل الشخصنة والهوية فانها اعتمدت الكثير من ملامح المدينة , خصوصا بعد 2003 وتناولت عبر شخصية المثقف المندحر او الرافض للاطروحات الرجعية والمذهبية , ابعادا ثقافية ذات منحىً اجتماعي وليس شخصي فقط , كانت الرواية العراقية فيما مضى تطلق نبرة الكلي والمطلق وتعوم في ارجاء العالم دون الاقتراب الى الذاتي الصريح ولا الى العام المتبنى من قبل الفئة المثقفة .

الفضاء الروائي
 استطاعت الرواية العراقية ما بعد العام 2003 الدخول على التنافس في الفضاء الروائي العربي؟ بمَ تفسر ذلك ؟
– نعم تمكنت من فرض صوتها الخاص في الاوساط الادبية العربية ويعود هذا الى توفر امكانية الحرية في السرد والدخول على مواضيع متعددة ثم دخل عنصر التحفيز المادي الا وهو الجوائز العربية وهي ثمينة حقا ووجد الروائي العراقي نفسه جديرا بالفوز باحدى تلك الجوائز المهمة , لكني ارجح العامل الاول على الثاني في الدفع والتحفيز وهو امكانية الحرية في القول اضافة الى ان الرواية العراقية تخطت مرحلة الطفولة الى النضج التام .

حركة نقدية
 هل تعتقد الان في العراق حركة نقدية تؤسس خطاباً نقدياً ذا أصول وتقاليد. قادر على سبر الاعمال الروائية والاهتمام بالنظرية الأدبية؟
– الحديث عن نظرية نقدية امر في غاية المبالغة او تخطي الوجهة الصحيحة , لكن هل ثمة حركة نقدية في العراق ؟ نعم توجد ثمة حركة نقدية راح يبرز من داخلها جيل نقدي جديد , اغلبه من الادباء الشباب وفي محافظات القطر كافة , لكن العائق الصعب اجتيازه هو طموح هؤلاء الشباب الى مقعد الاستاذية في الجامعة , اي انهم عن رضىً يستبدلون توجهاتم من ناقد حر الى استاذ جامعي يكسب من خلاله مكاسب مادية ووجاهات اجتماعية وامتيازات غير متوقعة , عندها وحالما يصبح ذلك الناقد الشاب استاذا في الكلية التي كان طالبا فيها حتى يلقي بالنقد خلف ظهره لأنه لا يريد ان يذكّره احد بأيام العوز للصحف والمجلات الادبية بل يمكنك ان تراه كيف يقلد اساتذته في الكلام او الوضعية وحتى بنبرة الصوت ويتحول الى شخص آخر .. اعود الى النظرية الادبية وعدم توفرها لدى حركة النقد اقول اننا مادمنا لا نملك نظرية فلسفية اذاً يصعب علينا الادعاء بوجود نظرية نقدية لأن بينهما جدلا لاينفصل او لا يتوقف والاولى ( النظرية الفلسفية ) تغذي الثانية ( النظرية الادبية ) نعم هناك محاولات مخلصة لوضع الاسس اللازمة للتنظير النقدي , ولكن هذا ليس نظرية مستقلة بل هو حوار معمق مع النظريات الكبيرة كالماركسية والوجودية والبنيوية وغيرها .

2017-10-13