فلسطين منذ نهاية الانتداب حتى النكبة

​​​​​​​​​د. يوسف مكي

في أواخر شهر سبتمبر مرت الذكرى السبعون على انتهاء فترة الانتداب البريطاني عن فلسطين، لتبدأ مرحلة أخرى بالمشرق العربي، ولتتحول لاحقا الى صراع مرير بين العرب، الذين شاءت حقائق الجغرافيا والتاريخ، آن تجعل من فلسطين قضيتهم المركزية، وبين الصهاينة، الذين أردوا جعل مشروعهم الاستيطاني الأوروبي، خنجرا مسموما في خاصرة الأمة العربية، يحول دون تقدم الأمة وتحقيق نهضتها. واستمر صراع الوجود، والإرادات قائما بين العرب والصهاينة بأشكال مختلفة حتى يومنا هذا.

كان الانتداب البريطاني لفلسطين، هو أحد افرازات الحرب العالمية الأولى، وتطبيق اتفاقية سايكس- بيكو بين البريطانيين والفرنسيين. وقد أعلن عنه، عام ١٩٢٠، واستمر قرابة عقدين ونصف العقد. وفي ١١ سبتمبر عام ١٩٢٢، أقرت عصبة الأمم الانتداب، على أساس وعد بلفور، غطت ما بات يعرف لاحقا٫ بفلسطين التاريخية.

ومنذ ذلك التاريخ٫ وتنفيذا لمقتضى وعد بلفور البريطاني، الذي منح اليهود حق الهجرة إلى فلسطين تمهيدا لإقامة وطن قومي لهم فوق أرضها، تضاعفت الهجرة اليهودية للأراضي المقدسة، على حساب السكان الأصليين. وبالقدر التي تتضاعف فيه الهجرة إلى فلسطين، بالقدر الذي يتصاعد فيه الصراع بين ملاك الأرض الأصليين، والقادمون الجدد.

تحولت الصراعات لاحقا، إلى ثورات وانتفاضات شعبية، من قبل الفلسطينيين ضد قوات الانتداب، والصهاينة المدعومين من قبل الانتداب. وكان الأبرز والأعنف بين تلك الانتفاضات الثورة التي اندلعت عام ١٩٣٦م٫ لكن غياب التنظيم والتدخلات الدولية٫ وبعض القيادات العربية، لكنها ظلت علامة مضيئة في تاريخ الكفاح الفلسطيني.

اندلعت الحرب العالمية الثانية، وخلالها تعرض اليهود والغجر وشعوب الاتحاد السوفييتي لحملات إبادة ضد الانسانية ضحاياها أكثر من عشرين مليون من البشر. لم تتبنى أي قوة دولية الدفاع عن قضيتهم العادلة، أو عن شعوب الاتحاد السوفييتي٫ التي دخلت حكومتها في صراع مرير مع الغرب، فيما عرف لاحقا بالحرب الباردة.

وحدها حملات الإبادة، التي لحقت باليهود٫ جرى التركيز عليها، من قبل صناع القرار في العالم الرأسمالي، بما يتماهى مع وضع وعد بلفور قيد التنفيذ. وتم تصنيفها كأبشع حملة إبادة في التاريخ البشري. وباتت تعرف منذ ذلك الحين، بالهولوكست، لتتحول إلى فرادة أخرى من فرادات الكيان الصهيوني، المتمثلة في الحق التاريخي، والتفوق العرقي. وكان ذلك أمر طبيعي، إذا ما تم وضعه في نطاق السعي البريطاني- الصهيوني المشترك لتأسيس دولة يهودية فوق التراب الفلسطيني.

لقد استثمرت القيادات الصهيونية هذا الحدث، ونصبت من نفسها متحدثا باسم اليهود في كل أنحاء العالم، وحين تأسس الكيان الصهيوني، نصب الكيان من نفسه مطالبا بالتعويضات من الحكومة الألمانية، التي تشكلت بعد هزيمة النازية. ومارس الصهاينة، بحق الألمان عملية ابتزاز قل أن يوجد لها نظير في التاريخ.

ومن جهة أخرى خرجت بريطانيا العظمى من الحرب الكونية الثانية٫ مثقلة بالديون، وعلى شفا حافة الإفلاس٫ فكان قرار حكومتها الانسحاب من بعض مستعمراتها، ومناطق انتدابها، ومن ضمن هذه المناطق الأراضي الفلسطينية.

تقدمت الحكومة البريطانية، للجمعية العامة للأمم المتحدة، مبلغة عن عزمها الانسحاب من فلسطين٫ واضعة البلاد في عهدتها. وممهدة الطريق لصدور قرار التقسيم رقم ١٨١، الذي صدر في ٢٩ نوفمبر عام ١٩٤٧. وقد أقر القرار المذكور بتقسيم فلسطين مناصفة بين اليهود الذين قدرت الأمم المتحدة تعداد الحاصلين منهم على هوية فلسطينية، أثناء صدور قرار التقسيم، بنسبة لا تتجاوز ال ٧٪ من التعداد الكلي للسكان. في حين كان الفلسطينيون، في حينه يمثلون غالبية السكان. أما مدينة القدس٫ فقد وضعت تحت الاشراف الدولي. ووضع مدينة القدس تحت الحماية الدولية.

لم يقبل الفلسطينيون ولا القادة العرب بما تضمنه قرار التقسيم، واندلعت فورا الحرب العربية- “الإسرائيلية الأولى، التي انتهت بالنكبة، واكتساب الصهاينة لغالبية الأراضي الفلسطينية. وتسببت في تشريد أكثر من سبعمائة آلف فلسطيني من ديارهم، حيث نصبت لهم منذ ذلك الحين، مخيمات بالدول العربية المجاورة، في الأردن وسوريا ولبنان، في ظروف قاسية وبائسة، منتظرين يوما تتحرر فيه أراضيهم، ويتمكنون من العودة إلى ديارهم.

ولم يكن ما حدث في حينه٫ خارج سياق التاريخ، والتخطيط البريطاني لتأسيس الكيان الصهيوني. وفي هذا السياق، تشير يوميات الحرب، في أرشيف وزارة الحربية المصرية، كما وردت في كتاب الراحل محمد حسنين هيكل٫ “الجيوش والعروش- الجزء الأول إلى آن الحكومة البريطانية٫ شجعت فاروق، ملك مصر على الدخول في الحرب العربية ضد الصهاينة، استجابة لنداء، وجهه عبدالله بن الحسين ملك الأردن.

بل إن تلك الوثائق تشير إلى ما هو أخطر وأبعد من ذلك. فقد تساهلت القوات البريطانية٫ التي كانت تدير قناة السويس مع الجيش المصري، في استيلائه على الأسلحة البريطانية من المخازن الواقعة غرب القناة. وسهلت عبور الجنود المصريين شرقا، إلى سيناء، ومنها للأراضي الفلسطينية. وتشير يوميات وزارة الحربية المصرية، إلى آنه بعد دخول القوات المصرية إلى قلب فلسطين، قلبت بريطانيا سياستها رأسا على عقب، ومنعت الجيش المصري من عبور القناة، تحت ذريعة آنها ممر دولي٫ من غير الجائز استخدامها في صراعات إقليمية. كما منع الجيش المصري، من قبل البريطانيين من الحصول على السلاح. وانتهت الحرب بهزيمة الجيش المصري.

أما على الجبهة الشرقية للحرب، فالوضع أسوأ بكثير. لقد كان القائد البريطاني غلوب باشا هو قائد الحرب في الجبهة الأردنية وكان يوجه العمليات العسكرية٫ ويعيد تركيب الخرائط بما يحلق الهزيمة بالعرب، ويؤدي إلى استيلاء الصهاينة على الجزء الأكبر من فلسطين.

لقد كانت هزيمة كبرى بحق العرب، لتتبعها معارك أخرى وصراع إرادات

2017-10-06