رحلة متأرجحة على ضفاف الحرب والحرّية… وجَسَد الأنثى أكثر ما يُغري رسوماته

الفنّان التشكيليّ محمود حسن: الفنّ منبرٌ مساهمٌ في الإنسانية الحقيقية التي تدافع عن البشرية 

رنا صادق

هي تلك المرأة الأمّ، الأخت والحبيبة. المرأة المجروحة، الفرِحة والعاشقة. هي تلك التي اختزلت أجزاءَ جسدها لوحات الفنان التشكيليّ محمود حسن. محمود حسن جهد، تعب ووصل، حلمه لم يكن بسيطاً أو سهلاً، بل كان متأرجحاً بين النجاحات والفشل. الفشل هو التجربة التي لا تترك مجالاً لتكرار الأخطاء، وهكذا هو حسن، رحلةً فنّيةً طويلةً متأرجحةً بين الحرّية والحرب على ساحل اللاذقية… مسقط رأسه.

يرسم في فلكٍ حرّ، لا قيود أو حدود تعتري فنّه، لكنه يعيش على خطى الألوان وينام في مهد اللوحات. لا ينتمي إلى مدرسة فنّية معيّنة، بل يبسّط الواقعية والانطباعية في رسوماته. بذلك، يمنح المُشاهد حرّية الانطلاق في سحب ألوان لوحاته وخطوطها.

شغفه بالرسم برز منذ الطفولة، عمد إلى استجماع موهبته ودرّب أنامله على الانسيابية الخلّاقة، والرؤية الفنّية الفريدة. درس في كلّية الآداب قسم اللغة الإنكليزية، لكنّه تفرّغ لدراسة الرسم بشكل خاص حيث جمع كتب الفنّ وتدرّب عليها. وأيقن بعد حين معظم دراسته للفنّ على السكّة الصحيحة، خصوصاً أنه درس في كتب كلّيات الفنون.

يقول حسن في حديث إلى «البناء»: اجتهدت في دراسة عدد من أعمال الفنانين العالميين، والطرق والتقنيات التي يستخدمونها في الرسوم. وخلال ذلك كلّه كنت أشارك في معارض مشتركة أثناء دراستي في الجامعة بشكلٍ دائمٍ. ثم بدأت أشارك مع فنانين معروفين في مدينة اللاذقية.

أعتبر نفسي مقصّراً تجاه المعارض لأنني أقمت معرضاً فردياً واحداً عام 2014 في صالة «هيشون آرت كافيه» في اللاذقية. وبدأت قصّتي مع الرسم منذ الطفولة، إذ تأثّرت برسومات أخي الذي يكبرني بعشر سنوات. كنت أراقبه دائماً، رسمت بأقلام الرصاص أوّلاً، ثمّ استخدمت الأقلام الخشبية إلى أن عرفت الألوان الزيتية التي أغرمت بها على الرسوم واعتمدتها طوال مشوراي مع الرسم. إلى أن بدأت أعجب برسومي شيئاً فشيئاً، ورحت أتدرّب بخطى ثابتة.

يعتبر حسن أن الذات الإبداعية لدى الفنان، ليس بالضرورة أن تمحورها المدرسة التي ينتمي إليها. فإحساس الفنان وشعوره بما حوله يحفّزانه على الإبداع بالتقنيات التي اعتاد أن يعمل بها وأتقنها، وباتت جزءاً لا يتجزّأ من هويته ورؤيته الفنّية، حيث يتمكّن من خلال رؤيته الفنية وتجاربه الخاصة إلى جانب هذه التقنيات أن يضع خطوطاً عريضةً لخطّه الفني.

يرى الفنانون التشكيليّون أن ثمة أولوية لأحد مكوّنات اللوحة على الآخر /موضوع، شكل، مادة، لون/ تحتّمها الفكرة أحياناً أو تفرضها طريقة ما يتعامل فيها مع هذه المكوّنات. في حين يقول حسن في هذا الصدد إّن هذا الأمر يختلف من فنان إلى آخر. وبالنسبة إليه، هو يحاول على الدوام التركيز على الموضوع في البداية، ثم يدرس كيفية إخراجه على اللوحة من ناحية التكوين، في إطار فنّي خلّاب قريب ومفعم بالحياة.

مستوى العمل الفني يظهر من خلال معرفة الفنان وخبرته في استخدام المادة التي يتعامل معها لإنتاج عمل فنّي، كلّما كانت خبرته ومهارته كبيرتين، ازداد مستوى العمل الفنّي جودةً كما يشير حسن إلى «البناء».

الألوان في أعماله حرّة. لا تحكمها حدود ولا أفق. بل هي مجرّد اقتراحات للفكرة التي يجسّدها على الورق، يطبّق عليها لوحته بعد أن يحدّد الألوان التي تليق بها، وهذا الأمر يحدث تلقائياً من دون أيّ اجتهادات كما يذكر حسن. فالمخزون في ذاكرته وصوَره النهائية في باله. وعندما يرسم الواقع تكون المعالم مدروسة من ضمنها الألوان والظل والنور.

يتفاوت الفنّانون في إظهار صبغة اللوحة المحلية لهوية الفنان، فيختلف الأمر بين فنان وآخر. وبحسب حسن، هو يرى أن الفنان الذي يجسّد بيئته بوقائعها ومضمونها عبر إحساسه الخاص لا بّد أن تأخذ رسومه طابعاً محلياً يعبّر عن الهوية. لكن ما إن رسم الفنان حالة خاصّة شعورية شخصية، ليس بالضرورة أن تنعكس الهوية الذاتية للبلد أو الإقليم الذي يعيش فيه. أما في الرسم التجريدي، أي من يرسم بأساليب الفنّ الحديثة، فتظهر معالم تأثير الرونق المحلي من خلال اللون أو مكوّن آخر من مكوّنات اللوحة الفنّية .

جَسَد الأنثى أكثر ما يُغري رسومات حسن، ويحاول دائماً نقل جمال إحساسه بحالات المرأة الإنسانية القائمة على الوعي والإدراك، الحزن والسعادة، الظلم والتمرّد ، وتمازج المشاعر لديها بين الحين والآخر، وتخبّطها بالواقع والمجتمع.

ويضيف حسن في هذا الصدد: طبعاً، الحالات كثيرة ولا يمكن حصرها ببعض الرسوم، فمن خلال قراءة اللوحة من قبل المتلقّي أعرف أنّ أعمالي قد حصدت ثماراً، وأنّ أفكاري ورسالتي للمجتمع قد وصلت. بذلك تكون الأعمال الفنّية منبراً مساهماً إلى حدٍّ كبير في مجرى الإنسانية الحقيقية التي تحمي الإنسان وتدافع عنه بتجرّد… وفنّ.

عاش حسن طفولته وسط عائلة بسيطة، طيّبة واجتماعية. طبعاً في بداية الأزمة السورية كان الوضع ذا تأثير سلبيّ على الفنّ التشكيلي، حيث أنّ هناك عدداً من الفنانين الذين غادروا إلى الخارج. لكن في المقابل، شعر آخرون أنهم ما زالوا ينتمون إلى الأرض، فظلّوا في سورية مقتنعين بدورهم الثقافي الواعي والناشط على منبر الشعب وبِاسمه.

في ظل الحرب على سورية ازداد نشاط الفنانين، وتضاعفت قدراتهم على إظهار صوابية أفكارهم ونشر الثقافة الوطنية، ما ساهم في تنشيط الحركة الفنية.

يختصر حس سورية ببضع كلمات، ويقول: «سورية منبع الحضارات… وستبقى».

يتعامل حسن مع الرسم على أنه حقيقته المطلقة، ومعقل واقعه الفنّي الحقيقة. ويتعامل مع غالبية المواد، من رصاص، فحم، باستيل وزيت. لكنه يميل دائماً نحو الألوان الزيتية التي تملك جودةً عالية وقيمة كبيرة، خصوصاً في التصنيفات العالمية.

ختاماً، يجهّز الفنّان التشكيلي محمود حسن لمعرض فرديّ خاص أواخر هذه السنة في بلده سورية، إذا ما توفّرت الشروط المناسبة.

2017-10-04